مناقشة دعاوى المناوئين حول منهج ابن تيمية
حرص المناوئون لابن تيمية ﵀ على إضعاف ثقة الناس به وبكلامه، فأقاموا الشُبه على منهجه ﵀ كما أقاموها على بعض تفصيلات المعتقد، ومع اختلاف كثير منهم معه في المعتقد كالأشاعرة والمتصوفة وغيرهم، إلا أنهم جميعًا لا يصمدون أمام الحقائق، فالمُدعي يطالَب بإثبات صدق دعواه، وذلك بإيراد كلام الخصم، ليكون حجة على صدق الدعوى، وهم إذا طولبوا بذلك ولّوا على أدبارهم هاربين.
وقد يجد الناظر المحقق أن عندهم بعض النصوص التي ينقلونها عن ابن تيمية ﵀ ولكن هذه النصوص إما أن تكون مبتورة فلا ينقلونها كاملة فيقع اللبس، أو أن ينقلوها وهم لا يفهمونها على حقيقتها، بسبب الجهل بمذهب السلف، وبما تحمله المصطلحات والألفاظ من معان.
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ على خلاف مذهب السلف ، فيجاب عن أصحاب الدعوى بأن يقال لهم: ماذا تريدون بمصطلح السلف: إن كان المراد سلف الأشاعرة والمتصوفة وغيرهم من المبتدعة فإن ابن تيمية ﵀ لم ينتسب إلى أحد منهم، ولم يقل بقولهم، بل كان يرد عليهم ويناقشهم.
وأما إذا كان المراد بالسلف: سلف الأمة وأئمتها، وأن ابن تيمية على خلاف ما كانوا عليه، فهذا من أعجب العجب، أن يكون الشارح لمعتقد السلف، والمستدل له، والمدافع عنه على خلافه، ثم يكون أصحاب الدعوى من أهل الأهواء هم حملة هذا المعتقد الحق، والمدافعون عنه.
[ ١٠٣ ]
وإذا كان المتهمون لابن تيمية بهذه التهمة، والقائلون بها ليسوا على معتقد السلف الصالح، فلم يفهموه، أو فهموه ولم يطبقوه فكيف تقبل منهم مثل هذه الدعاوى والتهم المزيفة.
وإذا أردنا تحقيق الأمر من جهة ابن تيمية ﵀ فإنه سيتضح من فعله ومن قوله: فهو الذي أوذي وطرد؛ لأجل كلمة الحق وعقيدة السلف، وهو الذي نوظر وحوقق لأجلها، وهو الذي سُجن وأُبعد عن أهله ووطنه لأجلها، وهو الذي ذاق المتاعب والآلام لأجلها، وليست هذه علائم من ينتسب ويدعي الانتماء إلى عقيدة السلف دون وعي وقناعة، بل هذه دلائل إيمانه بهذا المعتقد، وتصديقه الجازم به.
وأما ما يؤيد ارتباط ابن تيمية ﵀ بمذهب السلف، وقناعته به، وتطبيقه له من أقواله في مؤلفاته فهو كثير جدًا، فمن منهجه ﵀ ربط الناس بمذهب السلف، وتقرير هذا المذهب كلما سنحت فرصة، سواء أكان عن طريق الإجمال، أم عن طريق التفصيل.
وقد أعلن وأخبر بمصادره في الاعتقاد من كتب السلف، وكرّرها مرارًا، فهي عن أئمة معروفين من السلف كالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ)، والخلال (ت - ٣١١هـ)، وابن خزيمة (ت - ٣١١هـ)، والآجري (ت - ٣٦٠هـ)، وابن بطة (ت - ٣٨٧هـ)، وابن مندة (ت - ٣٩٥هـ) وابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ)، وغيرهم من أئمة السلف - ﵏ أجمعين - (١)، وكتب هؤلاء وغيرهم ثابتة لهم، وذلك بصحة نقلها إلينا.
فقد ذكر مترجموهم كتبهم التي ألفوها في الاعتقاد في عداد كتبهم، وكتبهم قد طبع أكثرها محققًا، وقد بين محققوها صحة نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها، إضافة إلى توافق ما في هذه الكتب مع اعتقاد السلف الذي هو اعتقاد
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: الحموية ص٢٨ - ٣٠، منهاج السنة النبوية ٢/٣٦٣ - ٣٦٧، شرح حديث النزول ص٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ١٠٤ ]
مؤلفيها، فلا يبقين مكان لتشكيك من شكك في صحة نسبة بعض كتب السلف إلى مؤلفيها، إذ لا يملك المشكك دليلًا يعتمد عليه في تقوية تشكيكه، إضافة إلى أن المشكك من خارج الدائرة فهو على غير معتقد هؤلاء الأئمة، وتشكيكه في صحة نسبة هذه الكتب إنما هو لهدف وهوى في نفسه وهو التشكيك في صحة المعتقد كله والله المستعان.
ومع هذا فيدعو ابن تيمية ﵀ إلى تقليب كتبه، والبحث عن أي قول يخالف فيه مذهب السلف الصالح، وقد أمهل مخالفه ليبحث في كتبه ثلاث سنوات، ومع هذا فلم يستطع المخالفون له - ومنهم بعض العلماء والقضاة - أن يجدوا نصًا يستندون إليه، يقول ﵀: (وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ، حيث قال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك ) (٢)، وهو ﵀ يقر بما أقر به السلف من وجوب اتباع الكتاب والسنة، قال ﵀: (من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) (٣) .
وقال - أيضًا -: (أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله، ورسوله ﷺ، وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة) (٤) .
وقال - أيضًا -: (وأنتم تعلمون - أصلحكم الله - أن السنة التي يجب
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٣ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٦٢ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، وورد بألفاظ مختلفة.
(٢) انظر: مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٩) .
(٣) الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٥٧) .
(٤) مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦١) .
[ ١٠٥ ]
اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها: هي سنة رسول الله ﷺ: في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان) (١) .
وجعل ﵀ منهج أهل السنة والجماعة أنهم: (يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلًا) (٢) .
إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان يدعو إلى مذهب السلف الصالح، فلم يكن يدعو إلى مذهب غيره، ولذا أنكر ﵀ على من زعم أنه يدعو إلى المذهب الحنبلي بقوله: (ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاءه به النبي ﷺ، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجيء به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد ﷺ) (٣) .
وبين - أيضًا - أن الاعتقاد الحق ليس مختصًا بالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ (٤) .
وأن الاعتقاد الحق والسنة إنما أضيفت له، وجعله إمام أهل السنة؛ لكونه أظهر السنة وبينها في وقت فتنة القول بخلق القرآن، لا أنه أنشأها وابتدأها، وإلا فالسنة سنة النبي ﷺ، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ، وكل ما قاله الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) فهو قول الأئمة قبله، كمالك (٥)،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٣٧٨، وانظر: ١٢/٢٣٧.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧٧.
(٣) مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٩) .
(٤) انظر: مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٨٩) .
(٥) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني، أبو عبد الله، شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، سمع من الزهري ونافع وغيرهما، صاحب الموطأ، وإليه ينسب المذهب المالكي، ت سنة ١٧٩هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٢٨٤، سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/٤٨.
[ ١٠٦ ]
والثوري (١)، والأوزاعي (٢)، وحماد بن زيد (٣)، وحماد بن سلمة (٤)،
وهو قول التابعين وقول الصحابة قبل هؤلاء الذي أخذوه عن النبي ﷺ (٥)، وذكر ابن تيمية ﵀ أن جعل الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ إمامًا في السنة، لا يعني جواز تقليده في أصول الدين، فإن التقليد في أصول الدين مذموم بإطلاق، وأنه هو نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء.
وأن أصحابه كإبراهيم الحربي (٦)، وبقي بن مخلد (٧)، وغيرهما لا يقبلون
_________________
(١) الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، أحد الأئمة المجتهدين، إمام أهل العراق في زمانه، وصف بالورع والزهد والعلم، ت سنة ١٦١هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/١١١، شذرات الذهب لابن العماد ١/٢٥٠.
(٢) الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي، الفقيه، صاحب سنة واتباع، وزهد وورع، وهو من أفضل أهل زمانه، ت سنة ١٥٧هـ. انظر في ترجمته: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/١٨٤، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٧٨.
(٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، مولاهم البصري، أبو إسماعيل، شيخ العراق في عصره، من الحفاظ، كان ضريرًا طرأ عليه العمى، وخرج حديثه الأئمة الستة، ت سنة ١٧٩هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٦/٢٥٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/٩.
(٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، محدث نحوي، حافظ ثقة، ساء حفظه لما كبر، ت سنة ١٦٧هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٦/٢٤٩، تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/١١.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢١٥، بيان تلبيس الجهمية له ٢/٩١.
(٦) إبراهيم الحربي: إبراهيم بن إسحاق الحربي، الإمام الزاهد، كان عالمًا بالفقه، حافظًا للحديث، طلب العلم على الإمام أحمد، وصنف كتبًا كثيرة، ت سنة ٢٨٥هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ٦/٢٧، طبقات الشافعية للسبكي ٢/٢٥٦، شذرات الذهب لابن العماد ٢/١٩٠.
(٧) بقي بن مخلد بن يزيد الأندلسي القرطبي، أبو عبد الرحمن، حافظ مفسر محقق، إمام مجتهد، ت سنة ٢٧٦هـ. انظر في ترجمته: الصلة لابن بشكوال ١/١١٨، طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/١٢٠.
[ ١٠٧ ]
كلام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) إلا بحجة يبينها لهم (١) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ موافق لما عليه السلف من الاعتقاد الحق، وأنه وإياهم يأخذون من مصادر واحدة هي الكتاب والسنة، وأنه ﵀ لم يدع إلى مذهب أو طريق غير الطريق والصراط السوي الذي سار عليه العلماء والأئمة الذين يقتدى بفعالهم.
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ يأخذ بالتأويل الفاسد في تعامله مع النصوص الشرعية: فهذه دعوى باطلة، ذلك أنه ﵀ كان من أكثر الناس بيانًا في كتبه لمسألة التأويل، ولبيان خطرها، ويذكر ﵀ أنه تتبع كلام السلف - رضوان الله عليهم - هل لهم في تأويل النصوص، وخاصة نصوص الصفات كلام ومقال؟، فلم يجد لهم شيئًا من ذلك، وهو الذي أخبر ﵀ أنه متبع لهدي السلف الصالح، مقتف أثرهم، يقول ﵀ بعد أن ذكر أن بعض التأويلات مكذوبة عليه:
(وأما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس: أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ) (٢) .
وقد بين ﵀ أن التأويل عند السلف له معنيان (٣):
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢١٦.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٩٤.
(٣) التأويل عند أهل اللغة يعود إلى هذين المعنيين - أيضًا -، وأما المعنى الثالث الذي قاله المتكلمون، - وهو ما سيأتي بيانه - فلم يرد في معاجم اللغة المعتمدة المتقدمة، ولم يرد - أيضًا - عن السلف. انظر في كتب اللغة: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/٨٦ - ٨٧، الصحاح للجوهري ٤/١٦٢٧ - ١٦٢٨، مجمل اللغة لابن فارس ١/١٠٧، وانظر: الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية ص٢٨ - ٣١، التدمرية له ص٩١ - ٩٢.
[ ١٠٨ ]
المعنى الأول: بمعنى التفسير، وبيان المعنى، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] .
ومنه قول جابر بن عبد الله (١) ﵁: (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به) (٢) .
ومعنى التأويل هنا التفسير.
المعنى الثاني: بمعنى الحقيقة وهي: ما يؤول إليه الكلام ويرجع إليه، فإن كان الكلام خبرًا كان تأويله بهذا المعنى: نفس الشيء المخبر به، وإن كان الكلام طلبًا كان تأويله بهذا المعنى هو: فعل هذا الشيء المطلوب.
ومن تأويل الخبر قوله ﷿ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل الخبر هذا هو حدوث الشيء المخبر به.
وقول الله ﷿: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فالسجود هو الذي آلت إليه رؤيا يوسف ﵇.
وأما الاستدلال على الكلام إن كان طلبًا، فمنه قول عائشة (٣) ﵂:
(كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا
_________________
(١) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أبو عبد الله، أحد المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ، له ولأبيه صحبة، كان ممن شهد العقبة، شهد المشاهد غير بدر وأحد منعه أبوه عن حضورها، ت سنة ٧٤هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٢١، الإصابة لابن حجر ١/٢١٣.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٨٨٧، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٣) عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين تزوجت النبي ﷺ وقد أكملت ست سنوات، كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة، ت سنة ٥٨هـ. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣٥٦، الإصابة لابن حجر ٤/٣٦١.
[ ١٠٩ ]
وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن) (١) أي يعمل به.
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ الفرق بين نوعي التأويل عند السلف: بأن المعنى الأول يكون التأويل فيه بمعنى العلم والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح.
ويكون وجود التأويل - أيضًا - في القلب، وهو وجود ذهني لفظي رسمي في اللسان والكتاب.
وأما المعنى الثاني: فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة، ويكون التأويل من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج (٢) .
وهذان المعنيان لا يذم ابن تيمية ﵀ إذا أقر بهما، كما يقر بهما السلف الصالح - ﵏ أجمعين -.
وقد حدث عند المتكلمين تعريف ثالث للتأويل لم يكن معروفًا عند السلف، ولا في معاجم اللغة المتقدمة، وقد نقل هذا المعنى عن ابن الأثير (ت - ٦٣٠هـ)، وابن الكمال (٣)، وغيرهما من المتأخرين.
وهذا المعنى للتأويل عند المتكلمين له تعريفات عدة أشهرها تعريفه بأنه:
صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به (٤) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٢٩٩ كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود، ومسلم في صحيحه ١/٣٥٠ كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.
(٢) انظر: الإكليل في المتشابه والتأويل ص٢٦.
(٣) ابن الكمال: محمد بن أحمد بن داود بن موسى اللخمي، ابن الكمال، أبو عبد الله، فقيه مقريء، له حظ في اللغة والأدب، تجول في بلاد الأندلس، وقرأ بمرسية، ت سنة ٧١٢هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/٤٠٥، معجم المؤلفين لكحالة ٨/٢٥٩.
(٤) انظر: أساس التقديس للرازي ص٢٣٥.
[ ١١٠ ]
وقد عرّفه الآمدي (١) بقوله: (أما التأويل - من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان - هو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له) (٢) .
ويذكر ابن تيمية ﵀ أن هذا المعنى للتأويل لم يكن معروفًا عند السلف فيقول: (وأن التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير؛ لكونه تفسيرًا للكلام، وبيانًا لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها؛ لكونه مندرجًا في ذلك، لا لكونه مخالفًا للظاهر) (٣) .
ثم بين ﵀ أن السلف كانوا ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله ﷺ، فهي من تحريف الكلم عن مواضعه (٤)، ولذا قال ﵀ في موضع آخر: (إنا لا نذم كل ما يسمى تأويلًا مما فيه كفاية، وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه، ومخالفة الكتاب والسنة، والقول في القرآن بالرأي) (٥) .
وقال ﵀: (الخلاف في لفظ (التأويل) على المعنى المرجوح، وأنه حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح دون الراجح لدليل يقترن به، فهذا اصطلاح متأخر، وهو التأويل الذي أنكره السلف والأئمة) (٦) .
وذكر ﵀ أن المتكلمين ليس لهم ضابط دقيق يُرجع إليه فيما يصلح
_________________
(١) الآمدي: علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن الآمدي، أصولي متكلم، كان حنبليًا، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي، ت سنة ٦٣١هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٥٥، طبقات الشافعية للسبكي ٨/٣٠٦.
(٢) الإحكام للآمدي ١/٥٣.
(٣) الصفدية ١/٢٩١.
(٤) انظر: الصفدية ١/٢٩١.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢٠ - ٢١.
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/٤٠٨.
[ ١١١ ]
للتأويل وما لا يصلح له، ولذا وقعوا في الاضطراب والاختلاف، يقول في ذلك: (فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونًا فيما يتأول وما لا يتأول، بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع، فلا يقرون إلا بما يُعلم ثبوته بدليل منفصل عن السمع، وهم لا يجوّزون مثل ذلك، ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك) (١) .
وفي الجملة فإن التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم، وأما تأويلات المتكلمين التي يحرفون بها نصوص الصفات وغيرها، فلا يعلم أن الرسول ﷺ أراد ذلك، ولم تأت قرينة تدل على ما يريدون، بل مما يعلم بالاضطرار في عامة النصوص الشرعية أن مراد أهل التأويل في تأويلهم يخالف مراد الله في كلامه، ومراد الرسول ﷺ في سنته.
ومما يعلم - أيضًا - من رد ابن تيمية ﵀ على المتكلمين في تأويلاتهم الباطلة في عامة كتبه ورسائله في المعتقد أنه لا يقر بهذا التأويل الباطل، إذ بيّن ﵀ دوافع تأويلاتهم الباطلة، ونتائجه، وفي المقابل بيّن معنى التأويل الصحيح، وأقسامه، وشروطه في كلام له طويل مبثوث في كتبه، فلا يتهم ﵀ بأنه من أهل التأويل الباطل المذموم، وقد فصّل كل هذا التفصيل (٢) .
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ متبع للهوى في أموره: في نظرته للأشخاص، وفي تعامله مع النصوص، فالجواب عن هذه الدعوى أن ننظر في موقف ابن تيمية ﵀ من الهوى.
فالهوى أصله: محبة الإنسان الشيء، وغلبته على قلبه، كما قال الله ﷿
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٣٤٤.
(٢) فصل ﵀ في موضوع التأويل؛ لأنه يرى خطره العظيم، وخاصة في كتابيه: درء تعارض العقل والنقل، وبيان تلبيس الجهمية، وانظر: الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل لمحمد الجليند، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٣/١١٤٤ - ١١٦٩، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة لسليمان الغصن ص٤٧٩ - ٨٢٦.
[ ١١٢ ]
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، واستهوته الشياطين: ذهبت بهواه وعقله، كما قال تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الأنعام: ٧١]، أي زينت له الشياطين هواه (١) .
وأما تعريف الهوى في الاصطلاح الشرعي فهو ميل النفس إلى ما ترغبه، إذا خرج عن حد الشرع والاعتدال، كما يقول شيخ الإسلام ﵀:
(اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، ورد القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى من الله) (٢)، وقال - أيضًا - ﵀:
(من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعباد يُجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه) (٣)، ثم ذكر قول الله ﷿ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
والهوى نوعان: هوى في الشبهة، وهوى في الشهوة، وهوى الشبهة أخطر من هوى الشهوة، ولذا قال ابن تيمية ﵀: (واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات) (٤) .
والهوى - بحد ذاته - ليس محرمًا، ولا مذمومًا، وإنما الذم في اتباعه، فأصل الهوى محبة النفس، وبغضها، ولا يلام عليه صاحبه؛ لأنه قد لا يملكه صاحبه، وإنما يلام على اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١٥/٣٧٢ - ٣٧٣ مادة (هوا) .
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/١٨٩.
(٣) الاستقامة ٢/٢٢٤ - ٢٢٥، وهو في مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٣، وهما فصل واحد بعنوان (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وانظر: الاعتصام للشاطبي ٢/١٧٦، مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع للعقل ص٢١ - ٢٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٢، الاستقامة ٢/٢٢٣.
[ ١١٣ ]
وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال ﵊: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا» (١) .
ومن اتبع غير أمر الله ورسوله ﷺ فهو متبع لهواه بغير هدى من الله (٢) .
قال الحسن البصري (٣) ﵀: (اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم) (٤)، وقال مالك بن دينار (٥)
﵀: (بئس العبد عبد همه هواه وبطنه) (٦)، وقال ابن تيمية ﵀: (المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه) (٧)، وقد ذكر الشعبي (٨) ﵀ سبب تسمية
_________________
(١) أخرج الحديث أبو نعيم في الحلية ٢/٣٤٣، والمنذري في الترغيب والترهيب ١/٨٦، باب الترهيب من ترك السنة، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع الصغير ١/٥٨٣، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٤١٢ - ٤١٦.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٢، الاستقامة ٢/٢٢١ - ٢٢٣.
(٣) الحسن البصري: الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، إمام أهل البصرة، أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان، أشبه الناس بكلام الأنبياء، ت سنة ١١٠هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/١٣١، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٣٥٤.
(٤) انظر: الإبانة لابن بطة ١/٣٨٩.
(٥) مالك بن دينار البصري بن لؤي القرشي، كان عالمًا زاهدًا، كثير الورع، من ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف، ت سنة ١٢٧هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٢٨٧، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/٣٦٣.
(٦) انظر: ذم الهوى لابن الجوزي ص٢٥.
(٧) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٤٠٢.
(٨) الشعبي: عامر بن شراحيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، كان فقيهًا محدثًا، حدث عن عدد من الصحابة، يروي له الجماعة، ت سنة ١٠٤هـ. انظر في ترجمته: أخبار القضاة لوكيع ٢/٤١٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢٢٧. الشعبي: عامر بن شراحيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، كان فقيهًا محدثًا، حدث عن عدد من الصحابة، يروي له الجماعة، ت سنة ١٠٤هـ. انظر في ترجمته: أخبار القضاة لوكيع ٢/٤١٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢٢٧.
[ ١١٤ ]
الهوى فقال: (إنما سمي الهوى، لأنه يهوي بصاحبه) (١) .
وقد بين ابن تيمية ﵀ خطر الهوى، وضرره على المسلم بقوله:
(وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه..) (٢) .
ومن خطره أنه من الأسباب الجالبة لأنواع من الفساد على الأمة، فبعد أن ذكر شيخ الإسلام ﵀ الجهل والظلم قال: (الثالث: اتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم مدينًا باتباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة) (٣) .
وبيّن أن اتباع الهوى في النصوص: مبدأ البدع، فقال ﵀: (فكان مبدأ البدع هو: الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه) (٤) .
ومن خطره - أيضًا - ما نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنه مجلبة للهم والحزن، وضيق الصدر، فقال: (من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة، أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه، وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى، ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائمًا، إن كان طالبًا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفًا من زواله وفراقه) (٥) .
_________________
(١) رواه الدارمي في سننه ١/١٠٩، باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصوم.
(٢) منهاج السنة النبوية ٥/٢٥٦.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٣٥٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٣٥٠.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٦٥١.
[ ١١٥ ]
ومن بيان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لخطر الهوى أن ذكر أن المحبة لهوى النفس أو لأمر دنيوي، ليست محبة لله، فقال: (وأما من أحب شخصًا لهواه، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه، أو لحاجة يقوم له بها، أو لمال يتآكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان) (١) .
وينبه ابن تيمية ﵀ إلى أن خشية الله ﷿ هي أهم علاج لمريض الهوى، فصاحب الهوى يحتاج معه إلى الخوف الذي ينهى النفس عن الهوى، وإلى الخشية المانعة من اتباع الهوى إذ هي سبب لصلاح حال الإنسان.
وكذلك يعالَج الهوى بالعلم، وبالذكر، وهذه الثلاثة مستلزمة لبعض، فإذا قوي العلم والتذكر دفع الهوى، وإذا اندفع الهوى بالخشية أبصر القلب وعلم (٢) .
وأما اتهام ابن تيمية ﵀ بأنه يأخذ بخبر الواحد في أمور الاعتقاد، فهذا في حقيقة الأمر تزكية له، واعتراف له بالفضل، إذ قال بما يقوله السلف - رضوان الله عليهم - من أن خبر الواحد يفيد العلم، بل لا يعلم مخالف من السلف قال بغير هذا القول، وأما من جاء بعد السلف من العلماء؛ فأئمتهم من الفقهاء، وأكثر المتكلمين على هذا وهذا أن خبر الواحد يفيد العلم.
ولما ذكر شيخ الإسلام ﵀ خبر الواحد العدل، الذي تلقته الأمة بالقبول، قال (هذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة) (٣) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٥٢٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٥/٢٤٣ - ٢٤٤، وانظر: أدب الدنيا والدين للماوردي ص١٣ - ١٩.
(٣) انظر: كلام شيخ الإسلام في مختصر الصواعق المرسلة للموصلي ٢/٣٧٣.
[ ١١٦ ]
فخبر الواحد: إما أن لا يقوم دليل على صدقه، فهذا لا يفيد العلم، كما قال ابن تيمية ﵀: (ولا ريب أن مجرد خبر الواحد الذي لا دليل على صدقه لا يفيد العلم) (١) .
وإما أن تقوم به أدلة، أو تحفه قرائن تدل على صدقه، فهذا الخبر يفيد العلم اليقيني، يقول شيخ الإسلام ﵀: (ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم، وهذا الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه) (٢)، ثم ذكر جمهرة كبيرة من العلماء القائلين بهذا القول وقال ﵀: (الخبر الذي تلقاه الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف) (٣) .
ويمثل خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول: أحاديث الصحيحين، يقول في ذلك ابن تيمية ﵀: (جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علمًا قطعيًا أن النبي ﷺ قالها) (٤) .
وإذا أفاد خبر الواحد العلم فإنه يوجب العمل، وهذا هو المقرر عند الأئمة، ولذا قال ابن تيمية ﵀: (ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به فهذا يفيد العلم، ويجزم بأنه صدق؛ لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه) (٥) .
وعن الأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، قال ﵀: (مذهب أصحابنا أن
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص٣٨.
(٢) مقدمة في التفسير (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/٣٥١) .
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٤٨، وانظر: المسودة لآل تيمية ص٢٤٢.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٧٤.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/١٦، رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٥٤ - ٥٥.
[ ١١٧ ]
أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات) (١) .
وأما القول بأن شيخ الإسلام ﵀ يكفّر المسلمين، وخاصة المخالفين: فإن هذه دعوى لا بينة لها، والبينة قائمة على خلافها، فنصوص ابن تيمية ﵀ متوافرة على النهي عن تكفير المسلمين، والتحذير منه ما لم تتوافر الشروط، وتنتفي الموانع؛ لأن التكفير حكم شرعي يترتب على الحكم على أحد به أحكام شرعية أخرى. لكن ابن تيمية ﵀ يذكر أن أهل الأهواء يكذبون عليه، ويقوّلونه ما لم يقله، أو يعتقده، فأهل الأهواء أهون شيء عليهم الكذب المختلق وهذا منه (٢)، ونبّه ﵀ إلى أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم (٣) .
ويعرّف ابن تيمية ﵀ الكفر بقوله: (الكفر: عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم) (٤) .
ويفصل - في موضع آخر - في تعريفه بأن (الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا، أو اتباعًا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحد المكذب حسدًا مع استيقان صدق الرسل) (٥) .
ويحذر ابن تيمية ﵀ من تكفير أهل القبلة من المسلمين الذين يرتكبون الذنوب والخطايا، مبينًا أن هذه الذنوب لا تخرجهم من دائرة المسلمين، قال ﵀ (ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد
_________________
(١) المسودة لآل تيمية ص٢٤٨.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٧٩.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٤/٣٣٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٨٦.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٣٣٥)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل له ١/٤٢، الرد على البكري له ص٢٥٨.
[ ١١٨ ]
الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله) (١)، وحين حكى ﵀ تكفير بعض الفرق الضالة لمخالفيهم قال: (والذي نختاره أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة) (٢) .
ويفرق ﵀ بين تكفير المطلق وتكفير المعين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويذكر أن الأئمة - كالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ كانوا يكفرون بعض أهل الأهواء كالجهمية، لكنهم لم يكفروا أعيانهم، وكذلك الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ لما قال لحفص الفرد (٣):
كفرت بالله العظيم؛ لاعتقاده خلق القرآن، لم يحكم بردته، بل بين له أن هذا القول كفر، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وهكذا بقية الأئمة (٤) .
ويذكر ﵀ أنه لا يصح إطلاق تكفير المعين، والتساهل فيه، بل لا بد من توافر أسباب التكفير من عمل أو اعتقاد أو قول المكفر، وانتفاء موانع التكفير كالجهل، أو التأويل، أو وجود الشبهة، وعدم قيام الحجة، يقول ﵀: (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع) (٥)، ويقول ﵀: (لا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة) (٦)، ثم ذكر قول الباري ﷿: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٧٨، وانظر: الفرقان بين الحق والباطل ص١٩.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٩٥.
(٣) حفص الفرد البصري، أبو عمرو، مبتدع ضال، من أئمة الجبرية، صاحب كلام، له مناظرات مع الإمام الشافعي، كفره الشافعي فيها. انظر في ترجمته: الفهرست لابن النديم ص٢٥٥، ميزان الاعتدال للذهبي ١/٥٦٤، لسان الميزان لابن حجر ٢/٣٣٠.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/٣٤٨ - ٣٤٩، وانظر: ذم الكلام للهروي ص٢٥٤.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٨٧ - ٤٨٨) .
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٠٦.
[ ١١٩ ]
وقوله ﷾: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال ﵀ في توضيح هذه القاعدة: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (١) .
وينبه ابن تيمية ﵀ إلى أن الكفر لا يطلق على كل من عمل الكفر، بل يقال: من عمل هذا العمل فهو كافر، أو هذا العمل كفر، أو يقال لمن عمله: من عمل عملك فهو كافر، وهكذا من الألفاظ المجملة (٢) .
ومعنى قيام الحجة عند ابن تيمية ﵀ يكون بشيئين، كما قال: (والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين، أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا ) (٣)، وأطال في ذكر الأمثلة لهذه القاعدة ثم قال: (وهذا باب واسع جدًا فتدبره) (٤) .
وبيّن ﵀ أن أهل السنة لا يكفرون المخالف لهم، وإن كان مخالفهم يكفرهم - أحيانًا - يقول ﵀: (وأئمة السنة والجماعة، وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها، ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير
_________________
(١) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٦٦) .
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/١٦٧.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٥٩.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٦١، وانظر: ٣/٢٣١.
[ ١٢٠ ]
والهدى والعلم، لا يقصدون لهم الشر ، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي) (١) .
وقد كان منهج ابن تيمية ﵀ واضحًا في مسألة تكفير المعين، فلا يحكم على الأعيان إلا بعد قيام الحجة، وانتفاء الموانع والعوارض كالجهل، أو التأويل، أو الشبهة، وقد ذكر ذلك ﵀ بقوله: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية (٢)، والنفاة الذين نفوا أن الله - تعالى - فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال ) (٣) .
وقد قال ﵀ هذا القول تجاه الجهمية الذين كفرهم جمهور أئمة أهل السنة والجماعة، والحال فيمن دونهم أولى (٤) .
وقال ﵀ عنهم أيضًا: (وإذا عرف هذا، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر) (٥) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ كغيره من أئمة السلف، وأهل السنة
_________________
(١) الرد على البكري ص٢٥٦ - ٢٥٨.
(٢) الحلولية: هم الذين يزعمون أن الله ﷿ يحل بذاته في أجسام المخلوقات، وقد يكون الحلول جزئيًا أو كليًا، وهو مذهب قديم موجود في معظم الديانات السابقة، وقال به بعض الشيعة والصوفية ممن ينتسب إلى الإسلام. انظر: التنبيه والرد للملطي ص٣٤، مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٨١ - ٨٢، الغلو والفرق الغالية للسامرائي ص١٢٦، معجم الفرق الإسلامية لعارف تامر ص٥٩.
(٣) الرد على البكري ص٢٥٩.
(٤) انظر الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٨٥)، الكافية الشاقية لابن القيم مع شرحها للهراس ١/١٢٦ - ١٢٧.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٥٠٠) .
[ ١٢١ ]
والجماعة، إذ منهجه في التكفير وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين: فلا هو يحكم بكفر أحد بالظن، وبغير علم، أو على أية معصية، أو خطأ يرتكبه صاحبه، ولا هو - أيضًا - يلغي جانب البراءة من الكافرين، ومجاهدتهم، واتخاذهم ظهريًا، فلا يكفر الكفار، أو يشك في كفرهم، أو يصحح مذهبهم، كلا فهو ﵀ يقول بكفر الكافر الأصلي، ومن قامت عليه الحجة، ولم يكن هناك تأويل، أو جهل، أو شبهة (١) .
_________________
(١) مسألة التكفير مسألة حساسة ومتشعبة، وأنصح لمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع بالكتب التالية: نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز العبد اللطيف (في الأصل رسالة دكتوراه)، نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (في الأصل رسالة دكتوراه)، ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للقرني (في الأصل رسالة ماجستير)، الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لمعاش (في الأصل رسالة ماجستير)، أهل الفترة ومن في حكمهم لشكري (في الأصل رسالة ماجستير)، وانظر - أيضًا - براءة أهل السنة من تكفير عصاة الأمة للجنيدي، العذر بالجهل عقيدة السلف لهزاع، قواعد وضوابط التكفير لخالد عبد الحميد، وغيرها كثير من الكتب والرسائل.
[ ١٢٢ ]