اعتقاد السلف نفي التمثيل والتشبيه
تواترت عبارات سلف الأمة في نفي تمثيل وتشبيه الخالق بالمخلوق، فهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ إثباتًا يليق بجلال الله وعظمته. وينفون ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ.
فقد سئل أبو حنيفة النعمان (١) عن نزول الباري - جل وعلا - فقال:
(ينزل بلا كيف) (٢) .
وقال ابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ) ﵀: (فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتحده كيف هو كينونيته) (٣) .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (٤) ﵀:
_________________
(١) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي، فقيه العراق، أحد أئمة الإسلام وإليه ينسب المذهب الحنفي، ت سنة ١٥٠هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/١٠٧، وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/٣٩.
(٢) انظر: عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٣٤.
(٣) أصول السنة ص٧٤.
(٤) الإسماعيلي: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الإسلام إمام أهل جرجان، المرجوع إليه في الحديث والفقه، طاف البلاد، ولقي الشيوخ، ت سنة ٣٧١هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٦/٢٩٢، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٩٤٧.
[ ١٢٨ ]
(ويداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف، وأنه ﷿ استوى على العرش بلا كيف، ولا يوصف بما فيه نقص، أو عيب، أو آفة، فإنه ﷿ تعالى عن ذلك) (١) .
وقال الإمام الآجري (ت - ٣٦٠هـ) ﵀ عن نزول الباري جل وعلا إلى السماء الدنيا:
(وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة (٢) (٣) .
وقال الإمام الصابوني (ت - ٤٤٩هـ) ﵀:
(قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث - حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم - يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلت العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه كما نص سبحانه عليه في قوله - عز من قائل -: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية - أهلكهم الله - ولا يكيفونهما بكيف أو شبهها (٤) بأيدي
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة ص٣٢ - ٣٣، وانظر: ص٣٩.
(٢) حديث النزول: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٤٦٤ كتاب التوحيد، باب يريدون أن يبدلوا كلام الله.
(٣) الشريعة ص٣٠٦.
(٤) كذا في نسخ المخطوطة، ويرى المحقق أن الأنسب لسياق الكلام أن تكون (يشبهونهما) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني، تحقيق: ناصر الجديع ص١٦٢، ومعنى شبهها: أي لفظة كيف من الألفاظ.
[ ١٢٩ ]
المخلوقين تشبيه المشبهة - خذلهم الله -. وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف) (١) .
وقال قوام السنة الأصبهاني (٢) ﵀:
(الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف - رحمة الله عليهم أجمعين - إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها ) (٣) .
وقال - أيضًا - بعد ذكره بعض الصفات الثابتة لله ﷿: (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله ﷺ فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره ونفي الكيفية والتشبيه عنه ونقول: إنما وجب إثباتها - أي الصفات -؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٤) .
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (٥) ﵀ ناقلًا اتفاق السلف على ترك التشبيه والتمثيل:
(اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل: أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادات الأئمة، وعلماء
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١٦٠ - ١٦٣، وانظر: ص١٦٤، ١٦٥.
(٢) الأصبهاني: إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة، كان إمامًا حافظًا، حسن الاعتقاد، أفضل أهل زمانه، ت سنة ٥٣٥هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٤/١٠٥، الرسالة المستطرفة للكتاني ص٤٣.
(٣) الحجة في بيان المحجة ١/١٧٤.
(٤) الحجة في بيان المحجة ١/٢٨٧ - ٢٨٨.
(٥) المقدسي: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، كثير السفر لطلب العلم، الإمام الحافظ القدوة العابد، ت سنة ٦٠٠هـ. انظر في ترجمته: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٥، شذرات الذهب لابن العماد ٤/٣٤٥.
[ ١٣٠ ]
الأمة اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿ وأنه واحد أحد، فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عدل ولا مثيل) (١) .
وقال - أيضًا -: (وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول) (٢) .
وقال ابن قدامة المقدسي (٣)
﵀:
(وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) (٤) .
وقال العلامة الواسطي (٥) ﵀:
(وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا تمثل بشيء من
_________________
(١) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي ص١٧.
(٢) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي ص٣٠، وانظر: ص٣٩.
(٣) ابن قدامة: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، موفق الدين، فقيه زاهد، كثير العبادة، صاحب كتاب المغني، والمقنع وغيرهما، كان إمامًا في فنون كثيرة، ت سنة ٦٢٠هـ. انظر في ترجمته: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/١٣٣، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٨٨.
(٤) لمعة الاعتقاد ص١٣ - ١٤، وانظر: ص١٩، وتحريم النظر في كتب الكلام له ص٥٦، وحكاية المناظرة في القرآن له ص٢٣، وذم التأويل له ص١٢، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ٢٥، ٢٧.
(٥) الواسطي: عماد الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، ابن شيخ الحزّامين، ولد بواسط، ورحل إلى بغداد، ثم القاهرة، ثم دمشق، اشتهر بالزهد وكثرة العبادة، ت سنة ٧١١هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٦/٢٤، العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٩٠.
[ ١٣١ ]
جوارح مبتدعاته، بل هي صفات لائقة بجلاله وعظمته، لا تتخيل كيفيتها الظنون، ولا تراها في الدنيا العيون، بل نؤمن بحقائقها وثبوتها، ونصف الرب ﷾ بها، وننفي عنها تأويل المتأولين، وتعطيل الجاحدين، وتمثيل المشبهين تبارك الله أحسن الخالقين) (١) .
وضرب أمثلة لبيان اعتقاد السلف في الصفات وأنه الإثبات من غير طمع في إدراك الكيفية ببعض الصفات وهي: الحياة والفوقية والاستواء والنزول ثم قال:
(وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصرًا من وجه، أعمى من وجه (٢)، مبصرًا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقف، وذلك هو مراد الله تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها، ونؤمن بحقائقها، وننفي عنها التشبيه) (٣) .
وذكر الحافظ المقدسي (ت - ٦٠٠هـ) ﵀ موقف السلف من الألفاظ المجملة التي تطلق على الله ﷿ فقال:
(من السنن اللازمة السكوت عما لم يرد فيه نص عن رسوله ﷺ أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، وكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل شرعي) (٤) .
ويرى سلف الأمة أن تشبيه الله بخلقه كفر، وهذا واضح من خلال
_________________
(١) النصيحة في صفات الرب جل وعلا ص١٦ - ١٧.
(٢) تسميته أعمى من وجه نفي الكيفية ليس بجيد؛ لأن أهل السنة مبصرون من الجهتين، من جهة الإثبات للصفات، ومن جهة نفي الكيفية، فهم مبصرون الحق لاتباعهم ما جاء عن الله ورسوله، ولما جاء عن سلف الأمة فلا يوصفون بالعمى.
(٣) النصيحة في صفات الرب جل وعلا ص٤١ - ٤٢.
(٤) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي ص١٠٢.
[ ١٣٢ ]
نصوصهم الصريحة مثل قول نعيم بن حماد الخزاعي (١) ﵀:
(من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه) (٢) .
وقال إسحاق بن راهويه (٣) ﵀:
(من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم) (٤) .
وحين ذكر بشر المريسي (٥) في مناظرة الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ له أن تشبيه الله بخلقه خطأ، تعقبه الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) بقوله:
(أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه خطأ، بل هو عندنا كفر، ونحن لتكييفها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفًا منكم غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفها لا نكفر بها ) (٦) .
_________________
(١) نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي، أبو عبد الله، عاش في مصر، من أشهر المحدثين، ت سنة ٢٢٨هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٣٥٩، تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/٤٥٨.
(٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي ٣/٥٣٢ في سياق ما روي في تكفير المشبهة، عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٩٩، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/٦١٠.
(٣) إسحاق بن راهويه: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المعروف بابن راهويه، الإمام الفقيه، المحدث، كان ورعًا عابدًا، ت سنة ٢٣٨هـ. انظر في ترجمته: التاريخ الكبير للبخاري ١/٣٧٩، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/١٧٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/٨٣.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي ٣/٥٣٢ في سياق ما روي في تكفير المشبهة.
(٥) المريسي: بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم، البغدادي المريسي، فقيه متكلم، يقول بخلق القرآن، ت سنة ٢١٨هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٢٥١، الفوائد البهية للكنوي ص٥٤.
(٦) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٢٢.
[ ١٣٣ ]