مناقشة الدعوى
يقف ابن تيمية ﵀ كغيره من أئمة السلف موقف الوسط في إثبات الصفات بين المعطلة النفاة من جهة، وبين المثبتة الغلاة الذين شبهوا الله بخلقه من جهة.
وقد بينت - سابقًا - موقفه من النفاة، وسأبين الآن موقفه من المشبهة وهو - كسابقه - موقف الرد والمعارضة والتخطئة (١)، وإن كان يرى أن من يثبت بعض الصفات كالكلابية (٢)،
والأشاعرة، ومن يغلو في الإثبات كالكرامية أصح طريقًا وأخف خطأ من المعطلة، ولهذا يضع ﵀ قاعدة مهمة في الموازنة بين الفرق فيقول:
(ولهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب، والأشعري، وابن كرام خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المتفلسفة (٣)، وإن كان في قول كل من
_________________
(١) انظر: شرح حديث النزول ص٢٥٠، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٤٤.
(٢) الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاب القطان البصري (ت ٢٤٠هـ)، ومن أقوالهم: إن الإيمان لا يتفاضل ولا يزيد ولا ينقص، وأن القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالمشيئة والقدرة، ولابن كلاب مناظرات قوية مع المعتزلة. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٢٤٩ - ٢٥٢، الفصل لابن حزم ٤/٢٠٨.
(٣) الفلاسفة: هم المنتسبون إلى الفلسفة، وهي كلمة يونانية بمعنى محبة الحكمة، وأكثر الفلاسفة لا يقرون بالخالق، ولا بالنبوات، ولا بالبعث، ويقولون بقدم العالم، ومنهم من يقر ببعضها. انظر: الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ٢/٦٢ - ٦٤، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١٢٦ - ١٢٩، آداب الفلاسفة لحنين بن إسحاق ٣٧ - ٤٥، المدخل إلى معاني الفلسفة لعرفان عبد الحميد ١١ - ٧٤، المدرسة الفلسفية في الإسلام للفيومي ١٤٣ - ١٩٤.
[ ١٦٥ ]
هؤلاء ما ينكر عليه، وما خالف فيه العقل والسمع) (١) .
ثم يقول: (ولكن من كان أكثر صوابًا، وأقوم قيلًا كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلًا وتفصيلًا) (٢) .
ويبين أن قول أهل التعطيل أعظم من قول أهل التجسيم، ولذلك اعتنت الكتب الإلهية بمناقشة شبه أهل التعطيل أكثر من عنايتها بالرد على شبه أهل التجسيم فقال:
(وقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة، كانت حجج أهل التعطيل أضعف من حجج أهل التجسيم.
ولما كان مرض التعطيل أعظم؛ كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم، وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل) (٣) .
وفي مقام رده ﵀ على الممثلة أوضح مباينة الخالق للمخلوق، وأن صفاته لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عما يقول المشبهة علوًا كبيرًا (٤) .
وذكر أقسام الممثلة، حين مناقشته لهم في مسألة نزول البارئ ﷿ وبين ضلالهم (٥) .
وذكر أنهم يعبدون صنمًا، والمعطلة تعبد عدمًا (٦) .
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص٥٥.
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية ص٥٥.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٦/٣٤٨.
(٤) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص٣٠.
(٥) انظر: شرح حديث النزول ص٣٣١.
(٦) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٠٦.
[ ١٦٦ ]
واستعاذ بالله من تشبيه المجسمة (١) .
وأما غلاة المجسمة فقد حكم ﵀ كغيره من السلف بكفرهم (٢) .
وناقش ﵀، الأحاديث التي يستدل بها المشبهة مثل ما ينسبونه إلى الرسول ﷺ قوله: (إن الله خلق خيلًا فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق) (٣) .
وحديث نزول الرب عشية عرفة إلى الموقف على جمل أورق، ومصافحته للركبان، ومعانقته المشاة (٤) . وغيرها.
وبين أن هذه الأحاديث موضوعة مكذوبة فقال عنها ﵀:
(هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يُدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية) (٥) .
وذكر عن حديث عرق الخيل أنه: كذبه بعض الناس على أصحاب حماد بن سلمة (ت - ١٦٧هـ) وقالوا: إنه كذبه بعض أهل البدع، واتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي (٦) .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٦/٤٠٤، وانظر للاستزادة: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٧١، ٢/١٤٣، الصفدية ٢/١١، منهاج السنة النبوية ٢/١٠٣، ١١١، درء تعارض العقل والنقل ١/٢٤٩، ٢/٣٢، ٥/٨٣، ٧/١١١.
(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٥١، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٦، درء تعارض العقل والنقل ١/٩٤ - ٩٥.
(٣) حديث موضوع، انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة للكتاني ١/١٣٤.
(٤) حديث موضوع مفترى كما قال العجلوني في كشف الخفاء ١/٤٣٦، وانظر: الفوائد المجموعة للشوكاني ٤٤٧.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ١/١٤٩، وانظره أيضًا: ٥/٢٢٥، ٧/٩٢، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٥٤، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٤٥، ٦/٣٩٧ - ٣٩٨، الحموية ٦٦.
(٦) الثلجي: محمد بن شجاع الثلجي البغدادي، أبو عبد الله، فقيه العراق في وقته، ومن أصحاب أبي حنيفة، مال إلى الاعتزال، وناقشه الدارمي في رده على المريسي، وأبو يعلى في إبطال التأويلات، كان يضع الحديث، ت سنة ٢٦٦هـ. انظر في ترجمته: ميزان الاعتدال ٣/٥٧٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/٢٢٠، الجواهر المضية للقرشي ٣/١٧٣.
[ ١٦٧ ]
وقالوا: إنه وضعه ورمى به بعض أهل الحديث؛ ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا (١) .
هذا عن موقفه ﵀ من مسلك التمثيل والتجسيم على وجه العموم.
موقفه من اليهود:
أما عن موقفه من اليهود وما زعمه مناوئوه، من صلته بهم، وتأثره بمنهجهم، وخاصة في مسلك تشبيه الخالق بالمخلوق:
فقد أثبت ﵀ ما أثبته القرآن، من أن عداوة اليهود للمسلمين أشد من عداوة النصارى، استنادًا لقول الحق - ﵎ -: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] .
وذكر أن الله وصف اليهود بالكبر والبخل والجبن، والقسوة وكتمان العلم وسلوك سبيل الغي وهو سبيل الشهوات والعدوان (٢) .
وركز على بيان أن اليهود يشبّهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص، كما أن النصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال.
فقال: (اليهود يشبهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب - سبحانه - عنها، كقول من قال منهم: إنه فقير وإنه بخيل، وإنه تعب لما خلق السموات والأرض، والنصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي ليس له فيها مثل، كقولهم: إن المسيح هو الله، وابن الله) (٣) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/١٤٨.
(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٣/١٠٩، ١٦٧.
(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٣/١٠٠، وانظر: ٢/١٤٠، درء تعارض العقل والنقل ٧/٩٥.
[ ١٦٨ ]
وقد ارتضى شيخ الإسلام ﵀ قول السلف في غلاة المجسمة أنهم كفار، وبين أن اليهود من غلاة المجسمة إذ يقول:
(ومن غلاة المجسمة اليهود، من يحكى عنه أنه قال: إن الله بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وأنه ندم حتى عض يده وجرى منه الدم) (١) .
وذكر أن هذا كفر واضح صريح (٢) .
وأجاب ﵀ عن ما حكاه القرآن عن اليهود بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فقال:
(اليهود أرادوا بقولهم: يد الله مغلولة: أنه بخيل، فكذبهم الله في ذلك، وبيّن أنه جواد لا يبخل، فأخبر أن يديه مبسوطتان، كما قال:
﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] .
فبسط اليدين المراد به الجود والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد.
ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة: التعبير ببسط اليد عن العطاء.
فلما قالت اليهود: يد الله مغلولة، وأرادوا بذلك: أنه بخيل كذبهم الله في ذلك، وبين أنه جواد ماجد) (٣) .
وبين ﵀ أن القرآن ذم اليهود على ما وصفوه بالنقائص في مثل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] (٤) .
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٥٦، وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٦/٣٤٨.
(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٥٦.
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤١٢ - ٤١٣.
(٤) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤١٨.
[ ١٦٩ ]
موقفه من أبي البركات:
ومن أسباب ربط معتقد ابن تيمية ﵀ باليهود: مناقشات ابن تيمية ﵀ لأبي البركات البغدادي (ت - ٥٤٧هـ) ﵀، ونقله من كتابه (المعتبر في الحكمة) (١) .
وقد اشتهر بين الفلاسفة بـ (أوحد الزمان)، كان يهوديًا فأسلم وحسن إسلامه، كما قال عنه القفطي (٢): (أبو البركات: اليهودي في أكثر عمره، المهتدي في آخر أمره، أوحد الزمان طبيب فاضل) (٣) .
وذكر ابن أبي أصيبعة (٤) عنه بغضه لليهود بعد إسلامه فقال:
(كان يهوديًا وأسلم بعد ذلك ولم يكن يقرئ يهوديًا أصلًا وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصل كثيرًا من اليهود ويلعنهم ويسبهم) (٥) .
وبهذا يتضح إسلام أبي البركات وبغضه لليهود من جهة، وعدم صلة ابن تيمية ﵀ باليهود، إذ مناقشاته لرجل كان يهوديًا فأسلم، وصار في عداد المسلمين (٦) .
_________________
(١) انظر: في نسبة هذا الكتاب لأبي البركات: إخبار العلماء للقفطي ص٢٢٤، عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص٣٧٦.
(٢) القفطي: علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي، أبو الحسن، كان عالمًا متفننًا، جمع من الكتب شيئًا كثيرًا، من مصنفاته: إخبار الحكماء بأخبار الحكماء، وإنباه الرواة على أنباه النحاة، ت سنة ٦٤٦هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٣/٢٢٧.
(٣) إخبار العلماء بأخبار الحكماء ص٢٢٤، وانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٣/٥٥، بغية الوعاة للسيوطي ٢/٢١٢.
(٤) ابن أبي أصيبعة: أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي، الطبيب المؤرخ، صاحب عيون الأنباء، توفي بصرخد سنة ٦٦٨هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/٢٥٧، النجوم الزاهرة للأتابكي ٧/٢٢٩.
(٥) عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص٣٧٤، ٣٧٦.
(٦) بعد أن بينت عدم صلة ابن تيمية باليهود، وأن ابن ملكا يعد في عداد المسلمين، يبقى العجب من الكوثري مستمرًا - وهو ممن ألصق هذه التهمة بشيخ الإسلام - إذ هو أولى بأن يتهم بهذه التهمة، إذ حقق كتابًا لأحد اليهود اسمه (موسى بن ميمون) واسم الكتاب (المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته)، وهذا اليهودي يذكر عنه القفطي (ت ٦٤٦هـ) في إخبار العلماء ص٢٠٩ - ٢١٠ (أنه أظهر الإسلام وأسر الكفر، ولما نزل بين يهود الفسطاط في مصر أظهر دينه)، وقد اعترف الكوثري في مقدمة التحقيق بأن موسى بن ميمون يهودي، وأنه ألف كتابه تزلفًا للمسلمين، ونقل عن بعض المؤرخين: أن أبا البركات أسلم وحسن إسلامه. وبعد: فَمَن الأولى أن تلصق به تهمة الصلة باليهود: الذي يناقش المسلم في كتبه، أم الذي يحقق تراث اليهود ويخرجه للناس؟.
[ ١٧٠ ]
وفي مناقشات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأبي البركات (ت - ٥٧٤هـ) يظهر جليًا إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية له، فقد كان يقره على ما معه من الصواب، ويرد عليه ويناقشه في المواضع التي زلّ فيها:
وبادئ الأمر فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عنه أنه من أساطين الفلاسفة وأئمتهم المتأخرين (١) .
وأن أبا البركات (ت - ٥٤٧هـ) أقرب إلى الحق من الفلاسفة النفاة المتقدمين فقال:
(إن ابن سينا (٢) وابن رشد (٣)، وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة، أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول من النفاة الملحدين) (٤) .
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٢٦٨، الصفدية ١/٥٤.
(٢) ابن سينا: الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، الفيلسوف المشهور، كان يقول بضلالات وكفريات كقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وقررها في مؤلفاته، ت سنة ٤٢٨هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٤١٩، لسان الميزان لابن حجر ٢/٢٩١.
(٣) ابن رشد: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي، أبو الوليد، الفيلسوف، يلقب بابن رشد الحفيد تمييزًا له عن جده، عنى بكلام أرسطو، وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات، ت سنة ٥٩٥هـ. انظر في ترجمته: عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص٥٣٠، شذرات الذهب لابن العماد ٤/٣٢٠.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ١٠/٨٢.
[ ١٧١ ]
وبيّن الفرق بين كلام قدماء الفلاسفة، ومتأخريهم، وبيّن السبب في قرب المتأخرين من الوحي، وضلال المتقدمين بقوله:
(كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلًا، كثير الخطأ، فإنما كثر كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل، ودخلوا في دين المسلمين واليهود والنصارى، وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ذلك، فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم، ما يكون فيه موافقة لما جاءت به الأنبياء، لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده، والذي هو أشرف المعارف وأعلاها، فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده فالفارابي (١)
لون، وابن سينا لون، وأبو البركات صاحب المعتبر لون، وابن رشد الحفيد لون والسهروردي المقتول (٢) لون، وغير هؤلاء ألوان أخر) (٣) .
ثم ذكر قرب أبي البركات (ت - ٥٤٧هـ) من السنة بقوله: (ومن خالط أهل السنة وعلماء الحديث، كأبي البركات، وابن رشد، فكلامه لون آخر أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا) (٤) .
ووضع قاعدة عامة في تقويم الفلاسفة وغيرهم فقال: (إن كل من كان إلى السنة وإلى طريقة الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح؛ لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تتناقض وتتعارض) (٥) .
_________________
(١) الفارابي: محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي، أبو نصر، الفيلسوف يعرف بالمعلم الثاني، تركي الأصل، ولد في فاراب، وانتقل إلى بغداد، نشأ فيها، ت سنة ٣٣٩هـ. انظر في ترجمته: إخبار الحكماء للقفطي ص٢٧٧، وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/٢٣٩.
(٢) السهروردي: يحيى بن الحسين بن أميرك السهروردي، أبو الفتح، عرف بفلسفته الإشراقية، قتل بحلب، سنة ٥٧٨هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/٣١٢، لسان الميزان لابن حجر ٣/١٥٦.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٤٧.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٤٨.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٤٨.
[ ١٧٢ ]
وعقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقارنة بين أبرز الفلاسفة المتأخرين، ومدى تأثير البيئة عليهم في قربهم وبعدهم من الحق فقال:
(ابن سينا نشأ بين المتكلمين النفاة للصفات، وابن رشد نشأ بين الكلابية، وأبو البركات نشأ ببغداد بين علماء السنة والحديث، فكان كل من هؤلاء بعده عن الحق بحسب بعده عن معرفة آثار الرسل، وقربه من الحق بحسب قربه من ذلك) (١) .
وجعله ﵀ من مثبتة الصفات، وأنه أفضل من غيره من الفلاسفة الذين لا يثبتونها، وأنه أثبت علم الرب بالجزئيات، وله مقالة رد فيها على أرسطو (٢)
في علم الله بالجزئيات (٣) فقال:
(وأما أبو البركات صاحب المعتبر ونحوه، فكانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك، وسلوكهم طريقة النظر العقلي بلا تقليد، واستنارتهم بأنوار النبوات، أصلح قولًا في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء (٤)، فأثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه ردًا جيدًا، وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله، وبين ما بينه من خطأ سلفه، ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث، فعدل عن ذلك إلى أن أثبت للرب ما يقوم به من الإرادات الموجبة للحوادث) (٥) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ١/٣٥٤، وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/٤٣٤.
(٢) أرسطو بن نيفوماخس الفيثاغوري، أكبر فلاسفة اليونان، تتلمذ على أفلاطون، ودعي بأمير الفلسفة، والمعلم الأول، وصاحب المنطق، وهو مؤسس مذهب المشائين، ت ٣٢٢ ق. م. انظر في ترجمته: إخبار الحكماء للقفطي ١٢٠، عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص٨٦، الفهرست لابن النديم ص٣٤٥.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/٤٠٠ - ٤٠٦.
(٤) يقصد ابن تيمية ﵀ طريقة أرسطو والقدماء من الفلاسفة في إثبات العلة الأولى وهي طريق الحركة الإرادية، حركة الفلك، وأثبتوا علة غائية، وبالمقابل طريقة متأخري الفلاسفة وهي طريقة الوجود والوجوب والإمكان وطريقة التركيب. انظر: منهاج السنة النبوية ١/٣٤٧.
(٥) منهاج السنة النبوية ١/٣٤٨، وانظر: في الثناء عليه أيضًا: الصفدية ١/٤٥، منهاج السنة النبوية ١/٢٦٨، درء تعارض العقل والنقل ٩/٤١٩، رسالة في علم الله (ضمن جامع الرسائل ١/١٨٠)، وفي رده على من قال بقدم العالم (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٧/٢٨٨) .
[ ١٧٣ ]
ومع هذا الثناء عليه من قبل شيخ الإسلام ﵀ وإنصافه له، فقد بين - أيضًا - بالمقابل أخطاءه، فلم يقره عليها، وناقشه فيها.
فأثبت بأنه يقول بقدم بعض العالم، وأن الله أراد القديم بإرادة قديمة، وأراد الحوادث المتعاقبة عليه بإرادات متعاقبة (١) . وناقشه نقاشًا مطولًا (٢) .
وجعل قوله في مسألة كلام الله مخالفًا لقول أهل السنة والجماعة (٣)، وله ردود جزئية أخرى عليه (٤) .
موقفه من الكرامية:
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن ربط مذهب السلف بمذهب الكرامية، بأن السلف تحدثوا في المسائل الشرعية قبل أن تخلق الكرامية وتوجد، وعليه فتنتفي شبهة نسبة مذهب السلف أو أحد السلف إلى مذهب الكرامية.
قال ﵀ مناقشًا الجويني (ت - ٤٧٨هـ) في بعض جزئيات مذهب الكرامية في كلام الله ﷿: (إن السلف وأئمة السنة والحديث، بل من قبل الكرامية من
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ١/١٧٨، ١٩٤، ٢١٩.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ١/١٧٩، ٢١٩ - ٢٢٢.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٣٦٢ ومذهبه في كلام الله أن: (كلامه يرجع إلى ما يحدث من علمه وإرادته القائم بذاته، ولم يزل ذاك حادثًا في ذاته) .
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٦/٣٠٢، درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٢٣، ٩/٤٢٢. وانظر: للاستزادة من موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من أبي البركات ما يلي: النبوات ١٠٩، منهاج السنة النبوية ١/١٩٥، ٣٣٨، ٤٢٢، ٢/١٩١، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٦٤، ١٧٢، ٣/٣٢٤، ٦/٩٨، ٩/٣٩٧، ٤٠٧، ٤١٦، ٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٥، ١٠/٣، ٧، ٨، ٩، ٢٧، ١٠٠، ١٠٤، ١٠٥، ١٤٠. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٢٢٧، بيان تلبيس الجهمية ١/٦٢٧.
[ ١٧٤ ]
الطوائف لم يكن يلتفت إلى الكرامية وأمثالهم، بل تكلموا بذلك قبل أن يُخلق الكرامية، فإن ابن كرام كان متأخرًا بعد أحمد بن حنبل، في زمن مسلم بن الحجاج (١) وطبقته، وأئمة السنة والمتكلمون تكلموا بهذه قبل هؤلاء) (٢) .
وفي مقام بيان الحق تجاه الكرامية:
يبين ابن تيمية ﵀ قرب الكرامية من أهل السنة والحديث (٣) .
وحين ناقش مسألة (الجسم)، ذكر أن الكرامية وإن أخطؤوا في إثبات لفظ الجسم، ونسبته إلى الله ﷿، إلا أنهم وافقوا أهل السنة في تفسير الجسم وأنه الموجود، أو القائم بنفسه (٤) .
ووافقوا أهل السنة في إثبات القدر إجمالًا: ففي مسألة الظلم وافقوا الجمهور في أن الظلم مقدور لله ﷿، وأن الله تعالى منزه عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١٢٢] (٥) .
وفي مسألة المحبة والمشيئة: وافقوا السلف في التفريق بينهما (٦) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موافقتهم السلف في الموقف من الخلفاء الراشدين، وتفضيل عثمان (٧) ﵁ (٨) .
_________________
(١) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين، إمام في الحديث صاحب كتاب الصحيح، ت سنة ٢٦١هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ١٣/١٠٠، وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/٢٨٠.
(٢) الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/١٠)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٤/٨٣، ٦/١١٤.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٥.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣٧، ٥٣١، ٥٤٨.
(٥) انظر: منهاج السنة النبوية ٣/٢٢.
(٦) انظر: منهاج السنة النبوية ٥/٤١١.
(٧) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي، أبو عبد الله، أمير المؤمنين، ذو النورين، ولد بعد عام الفيل بست سنين أسلم قديمًا على يد أبي بكر الصديق أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان حييًا كريمًا واصلًا لرحمه، ولي الخلافة بعد عمر بن الخطاب، ت سنة ٣٥هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٩، الإصابة لابن حجر ٢/٤٦٢.
(٨) انظر: منهاج السنة النبوية ٨/٢٢٥.
[ ١٧٥ ]
قال ﵀: (والكرامية وأمثالهم هم - أيضًا - من القائلين بالقدر، المثبتين لخلافة الخلفاء، والمفضلين لأبي بكر (١)، وعمر (٢)، وعثمان) (٣) .
وأثبتوا بعض الصفات: كالعلو، والنزول، والرؤية، والاستواء، والعلم، والكلام، وأثبتوا اليد والوجه لله ﷿، إلا أن في إثباتهم لبعضها شيئًا من القصور والخلل - كما سأبين بعضه بعد قليل -.
ويبين ﵀ أن ما يحمدون عليه أحد أمرين:
إما موافقة أهل السنة.
وإما الرد على المبتدعة.
فقال: (وكذلك متكلمة أهل الإثبات، مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة، بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية، من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث بيان تناقض حججهم) (٤) .
_________________
(١) عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول الله، سبق إلى الإيمان بالرسول ﷺ واستمر معه طول إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت معه الراية يوم تبوك، وحج في الناس في حياة الرسول ﷺ سنة تسع، ت سنة ١٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢٤٣، الإصابة لابن حجر ٢/٣٤١.
(٢) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين كانت إليه السفارة في الجاهلية، وكان عند البعثة شديدًا على المسلمين، ثم أسلم فكان إسلامه فتحًا على المسلمين، بويع بعد أبي بكر فسار بالناس أحسن سيرة، ت سنة ٢٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٤٥٨، الإصابة لابن حجر ٢/٥١٨.
(٣) منهاج السنة النبوية ١/١٤٤.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٢، وانظر: ص١٥٦.
[ ١٧٦ ]
وفي مقام مناقشة ابن تيمية ﵀ للكرامية: أثبت أنهم من أهل الكلام ووصفهم بأنهم من (متكلمة أهل الإثبات) (١) .
وذكر أنهم مجسمة أي: ممن يثبت الجسم لله ﷿ مطلقًا، بدون استفصال (٢) .
وفي معرض ذكر أقوال الفرق في كلام الله ﷿: بيّن ﵀ أن قول الكرامية لا يوافق قول أهل السنة بإطلاق، وهو: أن الله - عندهم - تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، فقال ﵀:
(قول الهشامية والكرامية ومن وافقهم، أن كلام الله حادث قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلمًا بكلام، بل ما زال عندهم قادرًا على الكلام، وإلا فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع، كوجود الأفعال عندهم ) (٣) .
وبين ابن تيمية ﵀ أن هذا القول باطل، أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والإرادة والفعل: إما أن يكون صفة كمال أو صفة نقص، فإن كان كمالًا فلم يزل ناقصًا حتى تجدد له ذلك الكمال، وإن كان نقصًا فقد نقص بعد الكمال.
ونبه إلى أن قول الكرامية في كلام الله ﷿ لم يقل به أحد من أصحاب الإمام أحمد ﵀ (٤) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/١٥٤، ٢٤٨، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٢.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٣١١، ٢/٢٢٠، ٢٦٣، الفرقان بين الحق والباطل ص١٠٠.
(٣) المسألة المصرية (ضمن مجموع شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/١٧٢ - ١٧٣) .
(٤) انظر: في هذه المسألة: شرح العقيدة الأصفهانية ص٣٣، درء تعارض العقل والنقل ٢/٧٦، ١١١. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٣٢٥، ٥٢٤، ١٢/١٧٧، النبوات ص٢٠٢، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٩٨، الفرقان بين الحق والباطل ص١٠٠.
[ ١٧٧ ]
وذكر ﵀ أنهم يقولون بإثبات الجهة بدون استفصال (١) .
وأنهم أثبتوا وجود الصانع بطريق الحدوث والإمكان (٢) .
وفي مسألة الإمامة، ذكر أنهم: يرون أن عليًا (ت - ٤٠هـ) ومعاوية (٣) ﵄ كلاهما مصيب، وعليه: فيجوز عقد البيعة لإمامين في وقت واحد عند الحاجة (٤) .
وناقشهم في مسألة (الإيمان) بعد أن ذكر أن: (قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم) (٥) .
وأنصفهم ﵀ وهو يذكر قولهم، حين زعم بعض الناس أنهم يقولون بأن من تكلم بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وبين أن ذلك غلط عليهم، بل يقولون:
إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٦٤١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/١٥٩، وفي مناقشتهم انظر: الفرقان بين الحق والباطل ص١٠٩، وسيأتي هذا الدليل ومناقشته من كلام شيخ الإسلام في مبحث شرح حديث عمران بن حصين ﵁ في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
(٣) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، أمير المؤمنين، صحب النبي ﷺ، وكتب له، كان من الكتبة الحسنة الفصحاء، وكان حليمًا وقورًا، ولاه عمر الشام وأمره عثمان عليها في ولايته، وبعد تسليم الحسن بن علي له استقر له الأمر، ت سنة ٦٠هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٣٩٥، الإصابة لابن حجر ٣/٤٣٣.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٥٣٧، ٤/٣٩٣، ٤٤٧، ٧/٥٠.
(٥) التدمرية ١٩٢ - ١٩٣، وانظر: الفرقان بين الحق والباطل (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٣/٥٦) وأما المطبوعة استقلالًا بتحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ففيها سقط ص٣٧، أخل بالمعنى بمقدار سطرين ونصف.
[ ١٧٨ ]
الكامل الإيمان معذبًا في النار، بل يكون مخلدًا فيها (١) .
فناقشهم بما تواتر عن النبي ﷺ، بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (٢) .
وبدأ ﵀ يذكر لوازم قولهم الفاسد بأنهم إذا قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، وقد قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء: ١٤٥] .
وقد نهى الله نبيه ﵊ عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] (٣)
وقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله.
وألزم ﵀ الكرامية، إن قالوا بأن المنافقين يتكلمون بألسنتهم سرًا فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنًا إذا تكلم بلسانه، ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان؛ بأنهم لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين، كما قال الله ﷿:
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] .
وأيضًا فقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم
_________________
(١) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ص٣٧، الإيمان الأوسط (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/٤٧٦) .
(٢) انظر: سنن الترمذي ٤/٧١٤ كتاب صفة جهنم باب منه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٣٢٣.
(٣) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ص٣٧ - ٣٨.
[ ١٧٩ ]
كاذبون فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
وقال سبحانه: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧] .
وأخيرًا: بين ابن تيمية ﵀ سبب ذم السلف للكرامية، وهو مخالفتهم السنة والحديث، وانحرافهم عن المنهج القويم، والاعتقاد الحق (١) .
ولعل سبب نسبة شيخ الإسلام إلى الكرامية ممن نسب إليه ذلك، تعود إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين أن مذهب الكرامية أقرب إلى الحق من مذهب المعطلة؛ لأنهم وافقوا أهل الإثبات وأهل السنة في إثبات موجود قائم بنفسه، وإن كانوا أخطؤوا في تسميته جسمًا، وهذا سوء فهم منهم لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإن شيخ الإسلام لم يصوب مذهب الكرامية بل بين أنهم أقرب إلى الحق من المعطلة، حيث إنهم أثبتوا موجودًا قائمًا بنفسه، والمعطلة لم يثبتوا شيئًا، فإن كان مع سوء الفهم سوء قصد فقد أوغلوا في الضلال والانحراف.
موقف ابن تيمية ﵀ من نسبة التجسيم إلى الحنابلة:
إن نسبة التجسيم إلى الحنابلة أمر اختص به نفاة الصفات دون غيرهم، فكل من نفى شيئًا من الصفات أطلق على من أثبته لقب التجسيم.
ولما كان الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ إمامًا لأهل السنة، ورافع راية إثبات الصفات على المنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة: إثبات بلا تشبيه ولا تعطيل.
وتبعه أصحابه وتلامذته، وكل من ارتضى منهجه العقدي من أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٤.
[ ١٨٠ ]
لما كان الأمر كذلك: أطلق نفاة الصفات على من أثبت الصفات هذا المصطلح (مجسمة الحنابلة)، زورًا وبهتانًا.
وقد أجاب الإمام ابن قدامة المقدسي (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ قبل ابن تيمية ﵀ على هذه الدعوى، وناقشها، مبينًا أن مذهب الحنابلة هو: الإثبات مع التنزيه، وليس هو التشبيه والتجسيم.
وأما إن كان المراد بالتجسيم هو الإثبات مع التنزيه، فهذا شرف للحنابلة أن ينسب إليهم هذا الأمر، لكن تسمية ذلك تجسيمًا خطأ، فقال ﵀: (سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت قومًا يقولون: الحنابلة يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: فقلت لهم: يا قوم الله الله، إنكم لتنسبون إلى الحنابلة شيئًا ما يصلحون له، ولا يبلغون إليه، هذا قول الله ﷾: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فجعلتموه قولًا للحنابلة، ورفعتم قدرهم حتى جعلتموهم أهلًا لذلك) (١) .
وبين ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ التجسيم الحقيقي وهو: حمل صفات الله ﷾ على صفات المخلوقين، وأن الحنابلة لا يقرون بذلك امتثالًا لقول الحق - ﵎ -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢) .
وبين ابن تيمية ﵀ سبب إطلاق هذا المصطلح على المثبتة، وخصوصًا على الحنابلة وهو: أنه لما راجت سوق نفاة الصفات في عهد الإمام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١هـ) ﵀، سموا من أثبت الصفات مجسمًا، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى ونحو ذلك. حينها قام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀
_________________
(١) تحريم النظر في كتب الكلام ص٥٨.
(٢) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام ص٥٨ - ٥٩.
[ ١٨١ ]
بالإنكار عليهم، وإظهار السنة والصفات، وظهر ذلك في جميع أهل السنة والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ وجعله إمامًا للسنة (١) .
(ولهذا ما زال كثير من أئمة الطوائف، الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وإن كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض أئمة المسلمين - رضي لله عنهم أجمعين - فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل) (٢) .
وبين أن ارتباطهم به ليس لاختصاصه عن غيره بقول لم يقله الأئمة، ولا طعنًا في غيره من الأئمة بمخالفة السنة؛ بل لأنه أظهر من السنة التي اتفقت عليها الأئمة قبله أكثر مما أظهروه، فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة إليه، وظهور المخالفين للسنة، وقلة أنصار الحق وأعوانه (٣)
ولهذا أطلق النفاة على من أثبت الصفات حنبليًا مجسمًا.
وبين أن الحنابلة أكثر اتباعًا لألفاظ القرآن والحديث من غيرهم، (لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث، والائتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات) (٤) .
وبين ﵀ أن تنازع الحنابلة كان في الأمور الصغيرة (الدِّق)، أما الأصول الكبار فمتفقون عليها (٥) .
وأنه ليس فيهم من أطلق لفظ الجسم (٦) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٠/٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ٢/٩١ - ٩٢.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٩٢. درء تعارض العقل والنقل ٥/٥ - ٦.
(٤) بيان تلبيس الجهمية ١/٣٤، وانظر: ٢/٩١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٦٦.
(٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٦٦.
(٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٠/٢٥٠، بيان تلبيس الجهمية ١/٤٧.
[ ١٨٢ ]
وأن المشبهة والمجسمة في غير أصحاب أحمد (ت - ٢٤١هـ) أكثر منهم فيهم (١) .
وذكر أنه لا يضر الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) أن ينتسب إليه أناس هو منهم بريء، كما قد انتسب إلى مالك (ت - ١٧٩هـ) أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ أناس هو بريء منهم، ونبينا محمد ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم (٢) .
وأنه لا يوجد نوع غلو في بعض الحنابلة، إلا ويوجد في غيرهم من الطوائف ما هو أكثر منه (٣) .
بهذا تبين لنا أن إطلاق هذا المصطلح (مجسمة الحنابلة) من قبل النفاة على مثبتة الصفات، إنما هو في الحقيقة: تزكية لهم بسلوكهم المسلك الصحيح، والاعتقاد الحق في أسماء الله وصفاته ألا وهو الإثبات مع نفي المماثلة والتعطيل.
وتبين لنا - أيضًا - أن رمي ابن تيمية ﵀ بأنه تأثر بمجسمة الحنابلة، إنما هو تزكية له باتباع منهج السلف المتقدمين في أسماء الله وصفاته.
وأما الأسماء التي حددها المناوئون لابن تيمية، وجعلوها هي التي أثرت على ابن تيمية ﵀ في اعتقاده في الأسماء والصفات فلم تنطلق من دراسة واسعة لكتب ابن تيمية ﵀ ولو درسوا كتبه لما اختاروا هذه الأسماء.
_________________
(١) انظر: حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/١٨٥، ١٩٧) .
(٢) انظر: حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/١٨٥) .
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٩٠ - ٩١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٦٩.
[ ١٨٣ ]
أما الإمام البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀ فلم نجد ابن تيمية ﵀ يكثر ذكره في كتبه وينقل منه حتى ندرس مظاهر ذلك التأثر التي يزعمها المناوئون.
وأما القاضي أبو يعلى (ت - ٤٥٨هـ)، فقد كان موقف ابن تيمية ﵀ منه معتدلًا منصفًا، فتارة يرد عنه شبهة، وتارة يناقشه في خطأ وهكذا - كما سيتبين بعضه -.
ولمعرفة عقيدة الإمام البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀ ننظر في أقواله: هل هو من المشبهة؟ أم من المعطلة؟ أم من أهل السنة والجماعة؟
قال ﵀ في بيان عقيدته في التمسك بالأثر، وترك التشبيه:
(اعلم - رحمك الله - أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، بل هو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف ولا شرح ولا يقال: لم؟ ولا كيف؟) (١) .
وقال - أيضًا -: (لا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه ﷿ في القرآن، وما بيّن رسول الله ﷺ لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وهو على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، ولا يخلو من علمه مكان) (٢) .
وقال ﵀:
(ولا يقول في صفات الرب تعالى لِمَ؟ إلا شاك في الله ﵎) (٣) .
وذكر ﵀ أصول الإيمان، وناقش المبتدعة وبين أصول الابتداع وأسبابه، وحذر منه، وناقش الجهمية، وبيّن موقف الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀
_________________
(١) شرح السنة ص٢٤.
(٢) شرح السنة ص٢٤.
(٣) شرح السنة ص٢٤.
[ ١٨٤ ]
وغيره من العلماء منهم (١) .
ومن خلال دراسة اعتقاده ﵀ تبين لنا أنه من أئمة السلف في الاعتقاد.
وأما القاضي أبو يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ﵀:
فقد نسب إليه القاضي أبو بكر بن العربي (٢)
﵀ أنه يقول بالتشبيه فقال:
(أخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء - رئيس الحنابلة ببغداد - كان يقول إذا ذكر الله تعالى، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته يقول:
ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه، إلا اللحية والعورة ) (٣) .
لكن ابن تيمية ﵀ يشكك في صحة هذه القصة ويكذبها؛ لأنها رويت عن طريق مجهول لم يسم (٤) .
لكنه مع ذلك لم يبرئ ساحة القاضي أبي يعلى (ت - ٤٥٨هـ) تمامًا، بل بين أن في كلامه ما هو مردود نقلًا وتوجيهًا، وفي كلامه شيء من التناقض (٥) .
وقد ألصق ابن الأثير (ت - ٦٣٠هـ) ﵀ تهمة التجسيم بأبي يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ﵀ بما جاء في كتاب القاضي (إبطال التأويلات) فقال عنه: (أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض - تعالى الله عن ذلك -) (٦) .
_________________
(١) من خلال قراءتك لرسالته ﵀ (شرح السنة)، تجده ذكر أصول اعتقاد أهل السنة، على طريقة السلف في تآليفهم، وليست على طريقة المتكلمين.
(٢) أبو بكر بن العربي: أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، تتلمذ على الغزالي وأبي بكر الشاشي، من مصنفاته: أحكام القرآن، ت سنة ٥٤٣هـ. انظر في ترجمته: الصلة لابن بشكوال ٢/٥٥٨، المغرب في حلي المغرب لمجموعة من المؤلفين ١/٢٥٤، تاريخ قضاة الأندلس للنباهي ص١٠٥.
(٣) العواصم من القواصم (ضمن آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ٢/٢٨٣، وانظر: ٢/٣٠٦)، وقد بينت سابقًا أن هذه المقولة لداود الجواربي.
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٣٨.
(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٣٨.
(٦) الكامل في التاريخ ٨/١٠٤.
[ ١٨٥ ]
لكن ابن تيمية ﵀ يعطي تقويمًا لهذا الكتاب أدق، وأنصف وأعدل، حين بيّن أن الكتاب رد على ابن فورك (١) شيخ القشيري (٢)،
وأنه قد حصلت فتنة بسبب الكتاب فقال: (أكثر الحق فيها كان مع الفرائية (٣) مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل) (٤) .
وذكر ابن تيمية ﵀ عنه أنه ممن يقول بنفي الجسم (٥) .
ويجعله ابن تيمية ﵀ من المفوضة (٦)
الذين لا يفسرون معاني نصوص
_________________
(١) ابن فورك: محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأنصاري الأصبهاني، فقيه شافعي، أشعري المعتقد، برع في النحو والأصول وعلم الكلام، كان زاهدًا واعظًا، ت سنة ٤٠٦هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢١٤، طبقات الشافعية للسبكي ٤/١٢٧.
(٢) القشيري: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري، أبو القاسم، الفقيه المتكلم، الأصولي المفسر، تتلمذ على الحاكم وابن فورك وغيرهما، ت سنة ٤٦٥هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ١١/٨٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٣٧٥، طبقات الشافعية للسبكي ٥/١٥٣.
(٣) نسبة إلى القاضي أبي يعلى بن الفراء.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٤.
(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٤/٢٠٨، ١٠/٢٥٨، بيان تلبيس الجهمية ٢/٩٤، ومما يدل على نفي تهمة التجسيم عنه أنه ألف كتابين الأول: الرد على الكرامية، والثاني: الرد على المجسمة، انظر: في تفنيد دعوى تجسيم أبي يعلى: القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان دراسة وتحقيقًا لسعود الخلف ص١٠٧ - ١١٧، منهج القاضي أبي يعلى في أصول الدين لفهد الفايز (رسالة ماجستير) ص١٦ - ١٨، مقدمة تحقيق (إبطال التأويلات لأبي يعلى) للحمود ص١٨ - ٢٥، وقد نقل عن ابن أبي يعلى في الطبقات (٢/٢٠٧ - ٢١٢)، مبينًا عقيدة والده، وأنه بعيد عن التجسيم والتشبيه.
(٦) التفويض: يقال: فوض إليه الأمر أي صيره إليه، وجعله الحاكم فيه، وهو قسمان: أ - تفويض المعاني: وهذا مذموم، ويلزم منه لوازم فاسدة كتعطيل النصوص. ب - تفويض الكيفيات: وهذا محمود، وهو من صفات المؤمنين، ونتيجة الإيمان بالغيب، والتسليم لشرع الله. انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (الحاشية ص١١٧، ١٢٨)، التدمرية لابن تيمية ٨٩ - ١١٦، بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه في العقيدة للموصلي ص٦٧ - ٧٧.
[ ١٨٦ ]
الصفات، ووصفه بأنه من الذين (سمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض) (١) .
فهل يخرج مثل هذا الحكم من رجل قلده في كل ما قال من خطأ أو صواب -؟، وكيف يقال إنه مقلد له، وهو ينتقده ويرد عليه في مسائل كثيرة من الصفات وغيرها.
وأما موقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أبي الفرج ابن الجوزي (ت - ٥٩٧هـ) وخاصة في كتابه (دفع شبه التشبيه) أو ما يرتضي شيخ الإسلام ﵀ أن يسميه (كف التشبيه) (٢) .
فيبين شيخ الإسلام ﵀ أنه يميل إلى مذهب المعتزلة كثيرًا (٣) .
فهو بين النفي والإثبات وتناقضه ظاهر، فلم يثبت على أحدهما، وله من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في مصنفاته الأخرى، خاصة في كتاب (دفع شبه التشبيه) (٤) .
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ عن هذا الكتاب أنه لم يكن المقصود به الرد على جنس الحنابلة، بل كان الرد على بعضهم كالقاضي أبي يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ﵀ وأبي عبد الله بن حامد (٥)،
وابن الزاغوني (٦) .
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٤.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/٦٠، ٩/١٦٠.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧٠، ٢/١٦، ٧/٢٦٣، ٩/١٦٠، ١٠/٢٥٨.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٦٩.
(٥) أبو عبد الله بن حامد: الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، أبو عبد الله، إمام الحنابلة في زمانه، من مؤلفاته: شرح مختصر الخرقي، والجامع، ت سنة ٤٠٣هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ٢/١٧١، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٧٨.
(٦) ابن الزاغوني: علي بن عبيد الله بن نصر بن السري بن الزاغوني، أبو الحسن، فقيه حنبلي، شيخ الحنابلة في وقته، شارك في علوم كثيرة، ت سنة ٥٢٧هـ. انظر في ترجمته: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/١٨٠، شذرات الذهب لابن العماد ٤/٨٠.
[ ١٨٧ ]
وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مواضع الخلل عند ابن الجوزي (ت - ٥٩٧هـ) حين نقل المعترض كلامًا له عن الحنابلة فيه التجسيم المحض، وإثبات صفات لله لم ترد في الكتاب ولا في السنة، وذكر أنها ثلاثة أنواع:
الأول: بيان ما فيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.
الثاني: بيان أنه رد بلا حجة، ولا دليل أصلًا.
الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل (١) .
وبعد: فقد تبين لنا كيف يكيل أعداء ابن تيمية ﵀ التهم عليه جزافًا، وبدون وازع أو خوف من الله ﷿ أن يسألهم عما قالوه:
فقد جمعوا له بين المتناقضات في تأثره بعقيدة التجسيم.
فقالوا: تأثر باليهود، وقالوا: تأثر بالفلاسفة، وقالوا: تأثر بالكرامية، وقالوا: تأثر بمجسمة الحنابلة.
ومن الواضح: أن المسلمين لا يرتضون عقيدة اليهود، وأن الفلاسفة ترد على الكرامية، وأن الكرامية ترد على الفلاسفة، وأن أبا يعلى (ت - ٤٥٨هـ) يرد على المشبهة كما في كتابيه (الرد على الكرامية، والرد على المجسمة)، فكيف يُجمع هؤلاء في خندق واحد، وقد رد بعضهم على بعض، ولم يرتض أحدهم عقيدة الآخر.
ومن الواضح - أيضًا - أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يتأثر بكل هؤلاء، بل كان موقفه موقف الرد والمناقشة على ما عندهم من أخطاء وعيوب، مع الاعتراف بحسنات المسلمين منهم، والإشادة بها كما تبين والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/١٦٥ - ١٩٠.
[ ١٨٨ ]