مناقشة الدعوى
المسألة الأولى: الموقف من الألفاظ المجملة:
لقد تواترت عبارات السلف، وتطابقت مقالاتهم في ذم علم الكلام والتحذير منه. ومن أتباعه.
فهذا أبو حنيفة النعمان (ت - ١٥٠هـ) ﵀ سأله سائل:
ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال:
(مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة) (١) .
وقال الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀: (كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نحن عليه؟! إذًا لا نزال في طلب الدين) (٢) .
وقال الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀: (لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام) (٣) .
وقال - أيضًا -: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام) (٤) .
_________________
(١) انظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني ١/١٠٥، صون المنطق والكلام عن علم الكلام للسيوطي ص٣٢.
(٢) انظر: ذم الكلام للهروي ص٢٠٧.
(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني ١/١٠٤، ذم الكلام للهروي ص٢٥٥.
(٤) انظر: ذم الكلام للهروي ص٢٥٢.
[ ١٩١ ]
وقال أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀: (لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل (١) (٢) .
وقال - أيضًا -: (علماء الكلام زنادقة) (٣) .
وأما موقف ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من الألفاظ المجملة المبتدعة التي أطلقها أهل الكلام، وجعلوها من الاعتقاد، وبيان موقف السلف منها في مجموع كلام ابن تيمية ﵀ فيمكن إجماله في الملحوظات التالية:
١ - كان السلف يتحرون في إطلاق الألفاظ على الله ﷿، فلا يطلقون إلا الألفاظ الشرعية، ويحرصون على اجتماع الحُسن بين اللفظ والمعنى، ولا يلجؤون إلى المعنى الحسن، ليعبروا عنه بأفضل الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، إلا إذا لم يهتدوا إلى لفظ مناسب موجود في الكتاب أو في السنة (٤) .
٢ - حين يرد السلف على النفاة: يردون على ألفاظهم القريبة من الإثبات، ويبطلونها، فيكون ذلك رد من باب أولى على ألفاظهم الموغلة في النفي، البعيدة عن الحق، قال ﵀: (إن السلف والأئمة كانوا يردون من أقوال النفاة ما هو أقرب إلى الإثبات، فيكون ردهم لما هو أقرب إلى النفي بطريق الأولى) (٥) .
٣ - نهى السلف عن إطلاق الألفاظ الكلامية، فذكر ﵀ أقسام مثبتة
_________________
(١) الدَّغل: هو الفساد، انظر: لسان العرب لابن منظور ١١/٢٤٤ مادة (دغل) .
(٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٥.
(٣) انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص٨٣، وانظر في ذم الكلام: ذم الكلام للهروي، تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة، صون المنطق والكلام عن علم الكلام للسيوطي.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٤٢٢، درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧١، شرح حديث النزول ص٢٥٦.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ٦/١٨١.
[ ١٩٢ ]
الصفات تجاه النفاة، وذكر عن أهل السنة والجماعة قوله: (وطائفة نازعتهم نزاعًا مطلقًا في واحدة من المقدمتين، ولم تطلق في النفي والإثبات ألفاظًا مجملة مبتدعة لا أصل لها في الشرع، ولا هي صحيحة في العقل، بل اعتصمت بالكتاب والسنة، وأعطت العقل حقه، فكانت موافقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول) (١) .
٤ - سبب نهي السلف عن إطلاق الألفاظ الكلامية هو:
أ - اشتمالها على معان باطلة ومعان صحيحة، ولذلك فهي توقع في الاشتباه والاختلاف والفتنة، خلاف الألفاظ المأثورة التي تحصل بها الإلفة، يقول ابن تيمية ﵀:
(يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة: النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات.
وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن؛ لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل ) (٢) .
ب - لأنها تتضمن تكذيب كثير مما جاء به الرسول ﷺ، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول ﷺ، ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة (٣) .
جـ - لأنها ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك فجعلوها دقيقة غامضة، بخلاف ألفاظ الرسول ﷺ فإن مراده بها يُعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه (٤) .
_________________
(١) منهاج السنّة النبوية ٢/١٠٧، وانظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧١.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٧٦، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠٠، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٧.
(٣) انظر: شرح حديث النزول ص٢٥٧، درء تعارض العقل والنقل ١/٢٩٥.
(٤) انظر: شرح حديث النزول ص٢٥٧.
[ ١٩٣ ]
٥ - أول من عرف عنه إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة نفيًا أو إثباتًا: أهل الكلام المحدث بقسميهم:
النفاة كالجهمية والمعتزلة. والمثبتة الغلاة كالمشبهة من الرافضة وغير الرافضة (١) .
٦ - تضمنت الألفاظ المجملة أنواعًا مختلفة من الإجمال، وليس نوعًا واحدًا، فتارة يكون الإجمال بطريق الاشتراك (٢)، لاختلاف الاصطلاحات، وتارة يكون الإجمال بطريق التواطؤ (٣)،
مع اختلاف الأنواع، فإذا فسِّر المراد، وفصِّل المتشابه: تبين الحق من الباطل، والمراد من غير المراد (٤) .
٧ - كثير ممن تكلم بهذه الألفاظ المجملة: كان يظن أنه ينصر الإسلام بهذه الطريقة، وأنه بذلك يثبت معرفة الله وتصديق رسوله ﷺ، فوقعت عندهم أمور كثيرة من الخطأ والضلال.
والبدعة - في هذا - لا تكون حقًا محضًا، ولا باطلًا محضًا، إذ لو كانت حقًا محضًا موافقًا للسنة، لما كانت باطلًا.
ولو كانت باطلًا محضًا، لما خفيت على الناس، ولكنها تشتمل على حق وباطل، وقد لبس صاحبها الحق بالباطل: إما مخطئًا غالطًا، وإما متعمدًا لنفاق فيه وإلحاد (٥) .
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٥٢٨.
(٢) الاشتراك: هو كون اللفظ المفرد موضوعًا لمعان مختلفة كلفظ العين فهو يدل على معان كينبوع الماء، والجاسوس، والشمس، والعين الباصرة. انظر: المبين للآمدي ص٥١، مقاصد الفلاسفة للغزالي ١/١٠، آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ١/٢٢، التذهيب على التهذيب للخبيصي ص١٢٣ - ١٢٤.
(٣) التواطؤ: هو اللفظ الذي يدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمرو. انظر: العبارة لأبي نصر الفارابي ص٢٠، المبين للآمدي ص٥٠، معيار العلم للغزالي ص٥٢، ضوابط المعرفة للميداني ص٤٦.
(٤) انظر: تعارض العقل والنقل ١/١٢٠ - ١٢١.
(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٠٤.
[ ١٩٤ ]
٨ - كثير من الألفاظ البدعية المجملة تختلف معانيها في اصطلاحات المتكلمين عنها في لغة العرب، ولذلك تحدث إشكالًا، وتورث شكًا، ويضرب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثالًا لذلك بالعقل، فهو عند المتكلمين: جوهر قائم بنفسه، وأما العقل في لغة العرب فهو عَرَض: عِلم، وعمل بالعلم، وغريزة تقتضي ذلك (١) .
ولذلك يحرص ابن تيمية ﵀ على معرفة معاني ألفاظ المخالفين ومرادهم من إطلاقها (٢) .
٩ - أن هذه الطرق التي يسلكها المتكلمون أحسن أحوالها أن تكون عوجاء طويلة، وقد تهلك، وقد توصل؛ إذ لو كانت مستقيمة موصّلة لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة!
ويضرب ابن تيمية ﵀ مثالًا لذلك بمن ترك سلوك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة، وسلك طريقًا بعيدة لغير مصلحة راجحة، فهذا يكون تاركًا لما يؤمر به، فاعلًا لما لا فائدة فيه، أو ما ينهى عنه، إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود، فأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة فإنه لا يجوز سلوكها (٣) .
١٠ - لا يُكفَّر مطلق هذه الألفاظ أو نافيها، بل يُبَدَّع، ويُذَم غاية الذم (٤) .
١١ - تختلف مقامات الخطاب في الاقتصار على الألفاظ الشرعية، أو الحاجة إلى مثل هذه الألفاظ المجملة ومنها:
أولًا: إن كان الإنسان في مقام دفع من يُلزمه ويأمره ببدعة، ويدعوه
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٠/٣٠٢.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٧٥، ٢٢٣.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٠/٣١٦.
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٤٢، بيان تلبيس الجهمية ١/١٠٠.
[ ١٩٥ ]
إليها: أمكنه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يقول: لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، بل هذا هو الواجب مطلقًا. كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] .
ثانيًا: وإن كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، وفي مقام النظر - أيضًا -، فعليه أن يعتصم - أيضًا - بالكتاب والسنة، ويدعو إلى ذلك، وله أن يتكلم مع ذلك، ويبين الحق الذي جاء به الرسول ﷺ بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة.
فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله ﷾ ضرب الأمثال في كتابه، وبيّن بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد وغير ذلك، وأجاب عن معارضة المشركين كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .
ثالثًا: وإن كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها، فإذا أخذ النافي يذكر ألفاظًا مجملة، فهنا يستفصل السائل ويقول له:
ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟
فإن أراد بها حقًا وباطلًا قبل الحق ورد الباطل.
وإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه الاصطلاحية المحدثة، قيل له: هب أنه سمي بهذا الاسم، فنفيك له: إما أن يكون بالشرع، وإما أن يكون بالعقل.
أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله، لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق بذلك أحد من سلف الأمة لا بنفي ولا بإثبات.
وإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل، فيقال: الأمور العقلية لا عبرة
[ ١٩٦ ]
فيها بالألفاظ، فالمعنى إذا كان معلومًا إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبِّر عنه بأي عبارة عبر بها، وكذلك الحال في النفي العقلي لا يجوز إثباته بأي عبارة، والمنازعات اللفظية غير معتبرة في المعاني العقلية (١) .
ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ الموقف من هذا الصنف، وأن المناظر يحتاج أن يعبر بألفاظ لا يطلقها إلا في مثل هذا الموضع بقوله:
(وقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ؛ لأجل اصطلاح النافي ولغته، وإن كان المطلق لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام) (٢) .
فتبين أن المصلحة الشرعية الراجحة هي الضابط والمعيار بحسب اختلاف حال المخاطبين (٣) .
١٢ - ينبني على الفقرة السابقة مسألة وهي: حكم معاملة أهل الاصطلاح باصطلاحهم.
ويجيب عنها شيخ الإسلام ﵀ بالجواز إذا توفر فيها شرطان:
إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم، ومن كرهه من الأئمة، فإنما ذلك: إذا لم يحتج إليه والله أعلم (٤) .
١٣ - المنازعات اللفظية اللغوية، والاصطلاحية، والعقلية، والشرعية: توجب على المسلمين الاعتصام بالكتاب والسنة، كما أمرهم الله بذلك في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقوله: ﴿المص *كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣٦.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٣٤ - ٢٤٠، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٨.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٢٩.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٦، درء تعارض العقل والنقل ١/٤٣، والعبارات في الإحالتين متطابقة تمامًا.
[ ١٩٧ ]
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١ - ٣]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ
حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦] .
١٤ - الاستفصال في بيان معاني الألفاظ المجملة هو الطريق الشرعي للتعامل معها إزاء المخالف، فيُبين له ما وافق الحق وما خالفه، وهذا من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم.
ويشترط ابن تيمية ﵀ فيمن يستفصل في بيان الألفاظ المجملة شرطين وهما:
أن يكون عارفًا بمعاني الكتاب والسنة، وأن يكون عارفًا بمعاني ألفاظ المخالفين ومرادهم منها، لتقابل المعاني الشرعية بمعاني المخالفين ليظهر الموافق والمخالف (١) .
ويوجب ابن تيمية ﵀ على من يريد كشف ضلال من يطلق الألفاظ المجملة أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين له معناه، ويعرف مقصوده، ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة، لا في معان مشتبهة بألفاظ مجملة.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٨.
[ ١٩٨ ]
وينبه ﵀ إلى طريقتهم إذا ذكروا لأحد كلامهم المجمل فاعترض عليهم بما تنفر عنه فطرته، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية ما يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل.
والاستفصال في الألفاظ المجملة نافع في الشرع والعقل:
أما الشرع: فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله، فكل ما ثبت أن الرسول ﷺ قاله فعلينا أن نصدق به، وإن لم نفهم معناه؛ لأنا قد علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق.
وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يستفصل ويبين له معناه، ويكون المعنى صوابًا: إذا كان موافقًا لقول المعصوم.
أما العقل: فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني، لم يقبل قوله ولم يرد حتى نستفسره ونستفصله، ليتبين المعنى المراد، ويبقى الكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات اللفظية (١) .
١٥ - الاستفصال في الألفاظ المجملة يكون كالتالي:
إن أراد المثبت لهذه الألفاظ بها معنى صحيحًا، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في اللفظ خطأ.
وإن أراد النافي لهذه الألفاظ معنى صحيحًا، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في اللفظ خطأ.
وإن أراد المثبت لهذه الألفاظ معنى باطلًا: نفي ذلك المعنى عن الله ﷿.
وأما من أثبت بلفظه حقًا وباطلًا، أو نفى بلفظه حقًا وباطلًا: فكلاهما
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٩٥ - ٣٠٠.
[ ١٩٩ ]
مصيب فيما عناه من الحق، مخطئ فيما عناه من الباطل، قد لبس الحق بالباطل، وجمع في كلامه حقًا وباطلًا.
وأما الموقف من اللفظ مجردًا عن المعنى: فإن الأصل هو التعبير بالألفاظ الشرعية الواردة كما تبين من قبل.
ولا ينبغي العدول إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها.
ويضرب ابن تيمية ﵀ مثالًا على الحاجة وهو: أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها كمخاطبة العجمي بلغته.
ويسهل الأمر عند ابن تيمية ﵀ إذا عُبر بالألفاظ المحدثة التي تحمل معان صحيحة حين المنازعات العقلية والله أعلم (١) .
المسألة الثانية: مناقشة دعوى قول شيخ الإسلام بالحيز والجهة:
الحيز لغة: من (حَوَز)، وحيّز الدار ما أنظم إليها من المرافق والمنافع، وكل ناحية على حدة حيّز.
ومن معانيه: الميل من جهة إلى جهة أخرى، كما في قول الله ﷿: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، قال ابن جرير الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (هو الصائر إلى حيز المؤمنين في القتال، لينصروه أو ينصرهم) (٢) .
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٣١٨، منهاج السنة النبوية ٢/٥٥٤ - ٥٥٥. وانظر: للاستزادة حول موقف شيخ الإسلام من الألفاظ المجملة ما يلي: درء تعارض العقل والنقل ١/١٠٤، ٢٢٩ - ٢٣٠، ٢٧١، ٥/٥٨، ٧/١٣١، ١٥٥، ١٠/٣٠٢، منهاج السنة النبوية ٢/١٠٩ - ١١٠، بيان تلبيس الجهمية ١/٢٢، ٥٤، ١٠٠، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/٢٩٨، وانظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في الدعوة للحوشاني ١/٦٥ - ٩٤.
(٢) جامع البيان ٩/٢٠١، وانظر: لسان العرب لابن منظور ٥/٣٤٢ - ٣٤٣ مادتي (حوز) و(حيز)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/١٨٠، مادة (الحوز) .
[ ٢٠٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الحيز فإنه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه وضمه، وتحيز وتفيعل، كما أن يحوز يفعل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، فالمقاتل الذي يترك مكانًا وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء إلى العدو، فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها) (١) .
وأما عند المتكلمين: فالتحيز أعم منه في اللغة العربية، فهم (يجعلون كل جسم متحيزًا، والجسم عندهم: ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزًا على اصطلاحهم، وإن لم يسم ذلك متحيزًا في اللغة) (٢) .
والجهة لغة: بالكسر والضم: الناحية كالوجه، والوجهة بالكسر.
ومعناهما: الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده.
وتطلق الجهة على الجانب، والناحية (٣) .
وبين شيخ الإسلام ﵀ أن الجهة: تارة تضاف إلى المتوجه إليها كما يقال في الإنسان: له ست جهات؛ لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال: إنها جهاته.
وتارة ما يتوجه منها المضاف، كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة: هذه جهة الكعبة، وكما يقول وهو بمكة: هذه جهة الشام، وهذه جهة اليمن، أو ناحية الشام وناحية اليمن.
والمراد: هذه الجهة والناحية التي يتوجه منها أهل الشام وأهل اليمن (٤) .
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/١١٧، ١١٨.
(٢) منهاج السنة النبوية ٢/٥٥٥، وانظر: الفتاوى الكبرى ٥/٣٦ - ٣٧.
(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور ١٣/٥٥٦ مادة (وجه)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٢٩٦ - ٢٩٧ مادة (الوجه) .
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/١١٧ - ١١٨، وأما معنى الحيز والجهة عند الفلاسفة والمتكلمين (اصطلاحًا) فليس هذا موضعه، ومن شاء الاستزادة فليرجع إلى: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ضمن الفيلسوف الآمدي دراسة وتحقيق للأعسم ص٨٦، ٨٩)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ١/٤١٩ - ٤٢٠.
[ ٢٠١ ]
وقد اختلف الناس في إثبات الحيز والجهة من عدمه إلى أربعة أصناف:
الصنف الأول: يرون أن هذه الألفاظ تحمل معان فاسدة، ومعان صحيحة، ولا يلزمون أنفسهم بالجواب المفصل، بل لا يتكلمون بذلك لا نفيًا ولا إثباتًا.
وهذا قول كثير من أهل الحديث والفقه والكلام.
الصنف الثاني: يرون المباينة بين الخالق والمخلوق، ويثبتون الفوقية لله ﷿، لكنهم ينفون الحيز والجهة، ويقولون: ليس بمتحيز ولا في جهة.
وقال بذلك بعض الكلابية والأشعرية والكرامية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث والصوفية.
الصنف الثالث: يرون أن الله متحيز أو في جهة، أو أنه جسم، ويقولون: لا دلالة على نفي شيء من ذلك أصلًا، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة وهو قول كثير من أهل الإثبات من المتكلمين.
الصنف الرابع: يرون أن ألفاظ التحيز والجهة ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا، وهذا القول نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (١) .
وبين ﵀ أنه ليس في كلامه إثبات لفظ الجهة أو الحيز منسوبًا إلى الله ﷿؛ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيًا بدعة (٢) .
وذكر ﵀ أن هذه الألفاظ لا تدل حين الإطلاق إلا على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق، فهي لا تدل على ما يمدح به الرب، ويتميز به عن غيره (٣) .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/٣٠٢ - ٣٠٥.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/٢٦٤، الفتاوى الكبرى ٥/٣١.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/١٠.
[ ٢٠٢ ]
ويستفصل شيخ الإسلام في المراد بالجهة والحيز:
فلفظ الجهة أو الحيز يراد به أمر وجودي كالفلك الأعلى، ويراد به أمر عدمي كما وراء العالم؛ فإن أريد الأمر الوجودي كالأمكنة الوجودية مثل داخل العالم؛ فإن الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر، ونحو هذه الأشياء كلها في أحياز وجودية، ولها جهات وجودية، وهو ما فوقها وما تحتها ونحو ذلك: إن أريد هذا فما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، وعليه: لا يكون الله في جهة موجودة، فسطح العالم مرئي وهو ليس في عالم آخر.
وإن أريد بالحيز والجهة الأمر العدمي وهو ما فوق العالم، فإن الله في تلك الجهة العدمية والحيز العدمي، فليس فوق العالم موجود غيره، فلا يكون سبحانه في شيء من مخلوقاته، فإذا كانت الجهة أو الحيز أمرًا عدميًا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، فإذا كان الخالق مباينًا للمخلوقات، عاليًا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلًا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به (١) .
قال ﵀: (يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلًا في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات، فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل) (٢) .
وفي استفصاله في لفظ المتحيز: إن أراد مطلق اللفظ: أن الله تحوزه
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٥٣، منهاج السنة النبوية ٢/٥٥٨، بيان تلبيس الجهمية ٢/١١٥، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٣١٧ - ٣١٨.
(٢) التدمرية ص٦٦ - ٦٧.
[ ٢٠٣ ]
المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات: أي مباين لها منفصل عنها، ليس حالًا فيها فهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (١) .
وأما موقف ابن تيمية ﵀ من قياس الخالق بالمخلوق، فواضح أشد الوضوح إذ يرى أنه في غاية الفساد؛ لأن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لا يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء (٢) .
وبين ﵀ أن الله له المثل الأعلى فلا يجوز أن يقاس على غيره قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا يقاس مع غيره قياس شمول تستوي أفراده في حكمه، فإن الله ﷾ ليس مثلًا لغيره، ولا مساويًا له أصلًا.
وهذه الأقيسة هي من الشرك بالله، وجعل الأنداد له، وجعل غيره له كفوًا وسميًا.
ولا يثبت لله ﷿ إلا قياس الأولى وهو: أن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه؛ لأنه أكمل فيه؛ ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى أن يكون هو موصوفًا به (٣) .
وقد رد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - على نفاة الصفات، الذين ينفون العلو والاستواء (٤) ويطلقون نفي الحيز والجهة، حين ألزموه بالقول بنفي الحيز والجهة بثلاثة عشر وجهًا هي كما يلي:
_________________
(١) انظر: التدمرية ص٦٧ - ٦٨.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/٥٩.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٧.
(٤) يربط ابن تيمية ﵀ الرد على نفي الحيز والجهة بالرد على نفي العلو والاستواء كثيرًا؛ لأنها متلازمة، انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/١٠٩، ١٤٨، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/٢٦٤، ٢٦٨، والجزء السادس من درء تعارض العقل والنقل وبعض السابع في الرد على نفاة العلو.
[ ٢٠٤ ]
١ - أن هذه الألفاظ ومعانيها التي يريدونها بها ليست في كتب الله المنزلة، ولا هي مأثورة عن الأنبياء والمرسلين، ولا هي محفوظة عن سلف الأمة وأئمتها، فكيف تجعل من الإيمان والدين ويلزم باعتقادها، وقد قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]
٢ - أن الله ﷿ نزه نفسه في كتابه عن النقائص، تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، إلى غيرها من الآيات، وليس فيها مع ذلك نفي الجهة والحيز ولا وصفه بها.
فكيف يصح أن يكون هذا من الدين والإيمان، ثم لا يذكره الله ﷿ ولا رسوله ﷺ قط.
وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عمن جاء بالدين.
٣ - إن أراد طالب نفي الجهة بطلبه أن ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله. وأن محمدًا ﷺ لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض: فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وهذا هو الذي يعنيه جمهور الجهمية ويصرحون به في كتبهم وكلامهم.
وإن أراد أن الله لا يحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات.
٤ - إن الأمر بالاعتقاد لقول من الأقوال: إما أن يكون تقليدًا للآمر، أو لأجل الحجة والدليل.
فإن كانوا أمروا بأن يعتقدوا هذا تقليدًا لهم، ولمن قال ذلك فهذا باطل بإجماع المسلمين منهم ومن غيرهم.
وهم يسلمون أنه لا يجب التقليد في مثل ذلك لغير الرسول ﷺ، لا سيما
[ ٢٠٥ ]
وعندهم هذا القول لم يعلم بأدلة الكتاب والسنة والإجماع، وإنما علم بالأدلة العقلية، والعقليات لا يجب فيها التقليد بالإجماع.
وإن كان الأمر بهذا الاعتقاد لقيام الحجة عليه: فهم لم يذكروا حجة، لا مجملة ولا مفصلة، ولا أحالوا عليها.
وهم يفرون من المناظرة والمحاجة بخطاب أو كتاب. فقد ثبت أن أمرهم بهذا الاعتقاد: حرام باطل في التقديرين بإجماع المسلمين.
٥ - أن التقليد في الأمور التي يقولون إنها عقليات: لا يُعلم أحد جوّز التقليد فيها بدون حجة، فضلًا عن إيجابه، بل الناس فيها قسمان: منهم من ينكرها على أصحابها ويبين أنها جهليات لا عقليات.
ومنهم من يقول: بل من نظر في أدلتها العقلية علم صحتها.
أما أن يقول قائل: إن هذه الأمور المتنازع فيها بين الأمة يقلد فيها من يدعي أن قوله معلوم بالعقل قبل أن يُعلم صحة ما يقوله بالعقل فهذا لا يقوله عاقل.
٦ - أنه لو فرض جواز التقليد أو وجوبه في مثل هذا، لكان لمن يسوغ تقليده في الدين كالأئمة المشهورين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا القول لم يقله أحد ممن يسوغ للمسلمين تقليده في فروع دينهم، فكيف يقلدونه في أصول دينهم التي هي أعظم من فروع الدين.
٧ - أن هذا القول لو فرض أنه حق معلوم بالعقل لم يجب اعتقاده بمجرد ذلك؛ إذ وجوب اعتقاد شيء معين لا يثبت إلا بالشرع بلا نزاع.
وكذلك المنازعون يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع، وأن العقل لا يوجب شيئًا وإن عرفه.
ولهذا اتفق عامة أئمة الإسلام على أن من مات مؤمنًا بما جاء به الرسول ﷺ، ولم يخطر بقلبه هذا النفي المعين، لم يكن مستحقًا للعذاب، ولو كان واجبًا لكان تركه سببًا لاستحقاق العذاب.
[ ٢٠٦ ]
٨ - أن الاعتقاد الواجب على المؤمنين هو: ما بينه الرسول ﷺ وأخبر به وأمر بالإيمان به فأصول الإيمان هي: أعظم ما يجب على الرسول تبليغه وبيانه، فهي ليست كحكم آحاد الحوادث التي لم تحدث في زمانه، حتى شاع الكلام فيها باجتهاد الرأي، إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة كأسماء الله وصفاته نفيًا أو إثباتًا ليست مما يحدث سبب العلم به، أو سبب وجوبه.
فإذا كان وجوب ذلك منتفيًا فيما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة وفيما اتفق عليه سلف الأمة، كان عدم وجوبه معلومًا علمًا يقينيًا، وكان غايته أن يكون مما يقال فيه باجتهاد الرأي.
٩ - لا ريب أن من لقي الله بالإيمان بجيمع ما جاء به الرسول ﷺ مجملًا مقرًا بما بلغه من تفصيل الإجمال، غير جاحد لهذه التفاصيل أنه يكون بذلك من المؤمنين.
ولهذا يسع الإنسان في مقالات كثيرة لا يقر فيها بأحد النقيضين لا نفيًا ولا إثباتًا، إذا لم يبلغه أن الرسول ﷺ نفاها أو أثبتها.
أما إذا كان أحد القولين هو الذي قاله الرسول ﷺ دون الآخر، فهنا يكون السكوت عن ذلك وكتمانه من باب كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب.
وإذا كان أحد القولين متضمنًا لنقيض ما أخبر به الرسول ﷺ، والآخر لم يتضمن مناقضة الرسول ﷺ، لم يجز السكوت عنهما جميعًا بل يجب نفي القول المتضمن مناقضة الرسول ﷺ.
أما القول الذي لا يوجد في كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ لا منصوصًا ولا مستنبطًا، بل يوجد في الكتاب والسنة مما يناقضه ما لا يحصيه إلا الله، فكيف يجب على المؤمنين عامة وخاصة اعتقاده، ويجعل ذلك محنة لهم.
١ - أن طلبهم اعتقاد نفي الجهة والتحيز عن الله لا يخلو:
[ ٢٠٧ ]
إما أن يتضمن نفي كون الله على العرش، ونفي العلو والفوقية، أو لا يتضمن هذا الكلام نفي ذلك.
فإن كان هذا الكلام لم يتضمن ذلك كان النزاع لفظيًا، فلا ينازع في المعنى الذي أراده، لكن لفظه ليس بدال على ذلك.
وإما أن يتضمن كلامه نفي العلو والفوقية والاستواء، فيطلب ابن تيمية ﵀ منهم أن يصرحوا بذلك في كلامهم، حتى يفهم المؤمنون كلامهم، ويعلموا مقصودهم، لكنهم لا يصرحون ولا يجترؤون أن يقولوا بهذا المعنى في ملأ من المؤمنين (١) .
١١ - أنهم إذا بينوا مقصودهم من أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق العالم موجود فيقال لهم:
هذا معلوم الفساد بالضرورة العقلية، والإيمانية السمعية الشرعية، بدلالة القرآن الكريم، وبالأحاديث المتواترة عن الرسول ﷺ، وبما اتفق عليه سلف الأمة، وأهل الهدى من أئمتها.
١٢ - أن لفظ الجهة عند من قاله: إما أن يكون معناه وجوديًا أو عدميًا:
فإن كان معناه وجوديًا: نفي الجهة عن الله نفي من أن يكون الله في شيء موجود، وليس شيء موجود سوى الله إلا العالم، أي ما ثم إلا الخالق أو المخلوق، وهذا باطل منفي عن الله.
وإن كان معناه عدميًا: كان المعنى أن الله يكون حيث لا موجود غيره، وهو ما فوق العالم، فإذا كان موجودًا في العدم ليس معناه أن العدم يحويه أو يحيط به، إذ العدم ليس بشيء أصلًا، حتى يوصف بأنه يحيط أو يحاط به، وهذا المعنى حق (٢) .
_________________
(١) انظر: الفتاوى الكبرى ٥/٣٢ - ٣٣.
(٢) انظر: المجلد الثاني من بيان تلبيس الجهمية فأغلبه رد على نفاة الجهة.
[ ٢٠٨ ]
١٣ - أن قولهم بنفي (التحيز) لفظ مجمل، فإن أرادوا أنه لا تحيط به المخلوقات، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا صحيح.
وإن أراد المتكلمون بالحيز: ما ليس خارجًا عن المتحيز كحدود المتحيز وجوانبه، فلا يكون الحيز شيئًا خارجًا عن المتحيز على هذا التفسير.
وإن أرادوا به ما هو خارج عن المتحيز منفصل عنه، فقد قالوا: إنه في العالم أو في بعضه، وهذا مما هو منفي عن الله ﷿ (١) .
وقد سئل ﵀ عمن يعتقد الجهة: هل هو مبتدع أو كافر أو لا؟.
فأجاب بالتفصيل:
أ - من قال بالجهة معتقدًا أن الله في داخل المخلوقات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال.
ب - وإن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله - إلى العرش أو غيره -، فهذا مبتدع ضال.
جـ - وإن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال.
د - وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها (٢) .
_________________
(١) انظر: الفتاوى الكبرى ٥/٢١ - ٣٧، وانظر: في تفصيل في لفظ الحيز: درء تعارض العقل والنقل ٦/٣١٩ - ٣٥٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٢٠٩ ]