مناقشة الدعوى
الدعاوى الباطلة التي تثار إما أن تكون كذبًا من أصلها، بحيث لا يكون في كلام المدعى عليه شيء منها أصلًا، فالإجابة عن هذا سهلة، وهي بأن يقال له: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] .
وإما أن يكون في كلام المدعى عليه شيء من الدعوى، وأصل لها، لكن يدخل في ذلك:
إما اختلاف المعتقد بين صاحب الدعوى، وبين المدعى عليه، وإما سوء القصد من صاحب الدعوى، وإما سوء الفهم والجهل بقضية الدعوى، وقد تأتي إحدى هذه الاحتمالات منفردة، وقد تكون مجتمعة - أحيانًا - وقد وقعت هذه الاحتمالات في هذه الدعوى على ابن تيمية ﵀.
فأما استشناع المخالفين لابن تيمية ﵀ قول ابن تيمية بإمكان حوادث لا أول لها فإنما هو استشناع مذهب السلف الذي أقروا به وقرروه في كتبهم، وهذا ما قرره البحث في هذا الفصل بكل تفاصيله وتشعباته، فلسنا في حاجة إلى إعادة الكلام عنها، إذ بيّن البحث قول السلف في التسلسل وأنه يجوز في الماضي والمستقبل، وأن الله يفعل ما يشاء كما اتضح من كلام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀، والإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀، وإنما كان بسط شيخ الإسلام ﵀ هذه المسائل أكثر ممن قبله؛ لكثرة المخالفة، ولاشتباه الحق بالباطل عند كثير من الناس (١) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢٠٦، ٣/١٥٨.
[ ٢٨٦ ]
ويمكن بيان ما قرره ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة إجمالًا بأنه يرى جواز وإمكان حوادث لا أول لها - وليس بوجوب حوادث لا أول لها - فإن الواجب هو فعل الرب الذي هو صفته، فلم يزل - سبحانه - فعالًا، فالله - سبحانه - لا يزال يفعل - متى شاء كيف شاء، لم يكن الفعل ممتنعًا عليه فعله حتى فعله، بل كان ولا زال قادرًا على الفعل، وأنه لا دليل للمتكلمين على التفريق بين جواز دوام الحوادث في المستقبل، وفي الماضي، وأن الله قد أخبرنا عن بعض المخلوقات الموجودة قبل خلق السماوات والأرض وما بينهما، لكنه لم يخبرنا عن وقت خلقها، ولم يخبرنا هل هي أول المخلوقات أم لا؟، لأن ما خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض شيئًا بعد شيء إنما هو بمنزلة ما سيخلق بعد قيام القيامة، ودخول أهل الجنة، وأهل النار منازلهما وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلًا.
وأما استشناع ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فلأنه ﵀ لم يكن متخصصًا في دقائق المسائل العقدية، فقد كان جل اشتغاله بعلم الحديث وعلم الرجال، وإلا فإن هذا هو مذهب أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية من أهل البدع القائلين بامتناع حوادث لا أول لها والله أعلم (١) .
وأما قصيدة السبكي (ت - ٧٥٦هـ) التي نقم فيها على ابن تيمية ﵀ أنه يرى جواز حوادث لا أول لها، فقد عارضه يوسف السرمري (٢) بقصيدة طويلة ذكر
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٨٢، دفع الشبه الغوية لمراد شكري ص٥٦ - ٥٨، دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية لصلاح مقبول ٢/٤١٢ - ٤١٣.
(٢) السرمري: يوسف بن محمد بن سعود العبادي الدمشقي الحنبلي، أبو المظفر، الإمام العلامة الحافظ، كان كثير الرحلة في طلب العلم، مكثر من التصنيف وزادت مصنفاته عن مائة مصنف، ت سنة ٧٧٦هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٥/٢٤٩، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٢٤٩، بغية الوعاة للسيوطي ٢/٣٦٠.
[ ٢٨٧ ]
فيها مؤاخذات السبكي على ابن تيمية في قصيدته، ورد عليها واحدة واحدة، فكان رده على مسألة إمكان حوادث لا أول لها قوله:
أما حوادث لا مبدا لأولها فذاك من أغرب المحكي وأعجبه
قصّرت في الفهم فاقصر في الكلام فما ذا عشك ادرج فما صقر كعنظبه (١)
لو قلت قال كذا ثم الجواب كذا لبان مخطئ قول من مصوِّبه (٢)
أجملت قولًا فأجملت الجواب ولو فصلتَ فصلتُ تبيانًا لأغربه
إن قلت كان ولا علم لديه ولا كلام لا قدرة أصلًا كفرت به
أو قلت أحدثها بعد استحالتها في حقه سَمْتُ نقصٍ ما احتججتَ به
وكيف يوجدها بعد استحالتها فيه أيقدر ميت رفع منكبه
أو قلت فعل اختيار منه ممتنع ضاهيت قول امرئ مغوِ بأنصبه (٣)
ولم يزل بصفات الفعل متصفا وبالكلام بعيدًا في تقربه
سبحانه لم يزل ما شاء يفعله في كل ما زمن مامن معقبه
نوع الكلام كذا نوع الفعال قديـ ـم لا المعيّن منه في ترتبه
وليس يفهم ذو عقل مقارنة الـ ـمفعول مع فاعل في نفس منصبه
يحب يبغض يرضى ثم يغضب ذا من وصفه، أرضِهِ بُعدًا لمغضبه
والخلق ليس هو المخلوق تحسبه بل مصدر قائم بالنفس فادر به
وقول كن ليس بالشيء المكوَّن والصـ ـغير يعرف هذا مع تلعبه
فالمصطفى قال كان الله قبل ولا شيء سواه تعالى في تحجبه (٤)
_________________
(١) العنظب: هو الذكر من الجراد، انظر لسان العرب لابن منظور ١/٦٣١ مادة (عنظب) .
(٢) يبين ﵀ منهج المناوئين وهو الإجمال وعدم استطاعة التفصيل في عرض الدعاوى.
(٣) النصب: هو ما عبد من دون الله من الأحجار، وقد كانت حجارة تنصب حول الكعبة فيهل عليها، ويذبح لها من دون الله تعالى. انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٧٥٩ مادة (نصب) . القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/١٣٧ مادة (نصب) .
(٤) انظر: الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية للسرمري تحقيق صلاح الدين مقبول ص٦٨ - ٧٥.
[ ٢٨٨ ]
وقد عارضت قصيدة السبكي (ت - ٧٥٦هـ) قصيدة أخرى (١) جاء فيها:
وخالق قبل مخلوق يكوّنه وقاهر قبل مقهور يكون به
وراحم قبل مرحوم فيرحمه ورازق قبل مرزوق بأضربه
عن أمره صدر المخلوق أجمعه والأمر ويحك لا شك يقوم به
وقد تكلم رب العرش بالكتب الـ ـمنزلات كلامًا لا شبيه به
ولم يزل فاعلًا أو قائلًا أزلًا إذا يشاء هذا الحق فارض به
هذي حوادث لا مبدا لأولها بالنص فافهمه يا نومان وانتبه
إذ هي صفات لموصوف تقوم به قديمة مثله من غير ما شُبه
ومذهب القوم مروها كما وردت من غير شائبة التكييف والشبه (٢)
وأما دعوى قول شيخ الإسلام بقدم النوع، وأن هذا يستلزم القول بقدم العالم، فيحتاج المجيب عن هذه الدعوى إلى بسط قول شيخ الإسلام حول هذه المسألة، ليُعرف هل قوله يستلزم ما ألزموه أم لا؟
إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أهمية مسألة التفريق بين دوام النوع، وحدوث الأفراد والأعيان، وبيّن أن من اهتدى إلى الفرق بين النوع والعين تبين له فصل الخطأ من الصواب في مسألة الأفعال، ومسألة الكلام والخطاب، وكشف له الحجاب عن الصواب في هذا الباب، الذي اضطرب فيه أولوا الألباب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٣) .
وبين ﵀ أن التفريق بين النوع والعين هو الذي نطق به الكتاب والسنة والآثار، وأن الرب أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجدًا له، وأن كل ما
_________________
(١) قائلها: أبو عبد الله محمد بن يوسف الشافعي اليمني، لم يعثر له على ترجمة انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية مقدمة التحقيق ١/١٠٩، وتحقيق القصيدة لصلاح الدين مقبول ص٩٩.
(٢) انظر: تحقيق القصيدة مع تحقيق قصيدة الحمية الإسلامية لصلاح الدين مقبول ص١١٥ - ١١٦.
(٣) انظر: الصفدية ١/٦٥، ٢/١٤٠.
[ ٢٨٩ ]
سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادثًا، ولا يلزم أن يكون نفس كماله الذي يستحق متجددًا، بل لم يزل عالمًا قادرًا مالكًا غفورًا متكلمًا كما شاء، كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) وغيره من أئمة السلف (١) . وذكر أن أكثر أهل الحديث ومن وافقهم لا يجعلون النوع حادثًا، بل قديمًا، ويفرقون بين حدوث النوع، وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه، ولا يدوم كل واحد من الأعيان الفانية.
ومن الأعيان الحادثة ما لا يفنى بعد حدوثه كأرواح الآدميين، فإنها مبدعة، كانت بعد أن لم تكن، ومع هذا فهي باقية دائمة (٢) .
والقول بقدم النوع لا ينفيه شرع ولا عقل، بل هو من لوازم كماله، كما قال - سبحانه - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . والخلق لا يزالون معه، وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، والعقل يفرق بين كون الفاعل يفعل شيئًا بعد شيء دائمًا، وبين آحاد الفعل والكلام، فيقول: كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقًا بالفاعل وأن يكون مسبوقًا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلًا وأبدًا.
وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلًا بعد فعل فهذا من كمال الفاعل (٣)، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثًا، فلا بد أن يكون ممكنًا، والإمكان ليس له وقت محدود، فما من وقت يُقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فليس لإمكان الفعل وجواز ذلك وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنًا جائزًا صحيحًا، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرًا عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها (٤) . ولا يلزم من دوام النوع دوام كل واحد من أعيانه
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٤٠، الصفدية له ١/٦٥.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٤٨.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٧، ٢٣٩.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٩.
[ ٢٩٠ ]
وأشخاصه، ولذلك يفرق ابن تيمية ﵀ بين فعل الحوادث في الأزل، وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث.
فإن الأول يقتضي أن فعلًا قديمًا معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء.
والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئًا بعد شيء: فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه، وذاك يقتضي قدم فعل معين (١) .
إن قول ابن تيمية ﵀ بقدم النوع، لا يعني مشاركة الخالق - سبحانه - في القدم، بل كل فعل فهو مسبوق بالعدم، وهو مسبوق بفاعله - أيضًا - كما قال ﵀:
(قولكم: الحادث - من حيث هو - يقتضي أنه مسبوق بغيره، أو الحركة من حيث هي، تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير.
يقال لكم: الحادث المطلق لا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج (٢)، وإنما في الخارج موجودات متعاقبة، ليست مجتمعة في وقت واحد، كما تجتمع الممكنات والمحدثات المحدودة، والموجودات والمعدومات، فليس في الخارج إلا حادث بعد حادث، فالحكم: إما على كل فرد فرد، وإما على جملة محصورة، وإما على الجنس الدائم المتعاقب.
فيقال لكم: أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقًا بغيره، أو أن الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة، أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقًا؟
أما الأول والثاني فلا نزاع فيهما، وأما الثالث فيقال: أتريدون به أن الجنس مسبوق بعدم، أم مسبوق بفاعله، بمعنى أن لا بد له من محدث؟
_________________
(١) انظر: الصفدية ٢/٤٩.
(٢) ذكر ابن تيمية ﵀ أن لفظ (الحادث) لفظ مجمل: يراد به النوع، ويراد به الشخص، انظر: درء تعارض العقل والنقل له ٤/١٦٠.
[ ٢٩١ ]
الثاني: مسلّم، والأول محل النزاع) (١) .
فقوله ﵀ الثاني مسلّم: أي جنس الحوادث مسبوق بفاعله.
وقال ﵀: (كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقًا بالفاعل، وأن يكون مسبوقًا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلًا وأبدًا فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق) (٢) .
وحين يناقش المتكلمين الذين يفرقون بين الماضي والمستقبل، يبين ﵀ أن لا فرق بينهما، فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود، ولا هذا موجود الآن، فكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضيًا أو مستقبلًا أمر نسبي (٣)، وناقشهم في رأيهم بأن إمكان جنس الحوادث له بداية، بأنهم إذا أقروا بأن جنس الحوادث ممكن بعد أن لم يكن ممكنًا، فهذا دليل على ضعف حجتهم؛ لأن الإمكان ليس له وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الإمكان إلى الامتناع من غير حدوث شيء، ولا تجدد شيء، وهذا ممتنع في صريح العقل (٤) .
وأما اشتراطهم على دوام إمكان جنس الفعل والحوادث بكونها مسبوقة بالعدم، فهذا يتضمن الجمع بين النقيضين؛ لأن كون هذا لم يزل، يقتضي أنه لا بداية لإمكانه، وأن إمكانه قديم أزلي. وكونه مسبوقًا بالعدم يقتضي أن له بداية، وأنه ليس بقديم أزلي، فصار مضمون كلامهم: أن ماله بداية ليس له
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٩/١٥٣.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٧ - ٢٢٨.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٥١ - ٥٢.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٩ - ١٦٠.
[ ٢٩٢ ]
بداية، فإن المشروط بسبق العدم له بداية، وإن قدر أنه لا بداية له كان جمعًا بين النقيضين (١) .
وفي مقابل رأي المتكلمين الذين يرون حدوث النوع وحدوث الأفراد، فقد ناقش ابن تيمية ﵀ رأي الفلاسفة الذين يرون قدم النوع وقدم الأعيان والأفراد: فذكر أولًا سبب قولهم وهو: أنهم لما اعتقدوا أن الفاعل يمتنع أن يصير فاعلًا بعد أن لم يكن، ويمتنع أن يحدث حادثًا لا في وقت، وأن الوقت يمتنع في العدم المحض ظنوا أنه يلزم قدم عين المفعول، فالتزموا مفعولًا قديمًا أزليًا لفاعل، وذكر أن هذا القول باطل (٢)، فليس شيء من أعيان الآثار قديمًا، لا الفلك، ولا غيره، ولا ما يسمى عقولًا ولا نفوسًا ولا غير ذلك، كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرًا في مجموع الحوادث. بل التأثير الدائم الذي يكون شيئًا بعد شيء، وهذا من لوازم ذاته، فيكون مؤثرًا في حادث بعد حادث، وفي وقت بعد وقت (٣) .
وبعد مناقشاته ﵀ المتكلمين والفلاسفة بيّن منشأ غلط الطائفتين، في عدم تفريقها بين قدم النوع، وحدوث الأفراد، وأن هذا راجع إلى غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ذلك فقال:
(ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ذلك. فطائفة - كأرسطو وأتباعه - قالت: لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان والحوادث حادثًا، وأن يكون مبدأ كل حركة وحادث صار فاعلًا لذلك بعد أن لم يكن، وأن يكون الزمان حادثًا بعد أن لم يكن حادثًا فضلوا ضلالًا مبينًا مخالفًا لصريح المنقول المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، مع مخالفته لصريح المعقول.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٦٠ - ١٦١، الصفدية له ١/٦٥.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٢٠٨.
(٣) انظر: الصفدية لاين تيمية ٢/٤٧.
[ ٢٩٣ ]
وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن لم يكن شيء من ذلك، أو أنه يجب أن يكون لا على الجميع لم يزل معطلًا، ثم حدثت الحوادث بلا سبب أصلًا) (١) .
وذكر أن القول الأخير لم ينقل عن الأنبياء ولا عن أصحابهم، وهو - أيضًا - يخالف صريح العقل (٢) .
وبعد هذا: تبين واتضح أن شيخ الإسلام لا يقول بقدم العالم ولا بقدم شيء منه، وأن كل فعل فهو مسبوق بفاعله.
ومن ظن أن القول بقدم النوع يستلزم القول بقدم العالم، فإن هذا الظن راجع إلى أن هذا لم يعلم في المسألة إلا قولين: قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته.. وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام.. الذين يقولون: إن الرب لم يزل لا يفعل شيئًا ثم أحدث الفعل بلا سبب أصلًا (٣) .
فالقول بقدم النوع لا يستلزم القول بقدم العالم (٤)، ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀ يقرر حدوث العالم في مواضع متعددة:
فقال ﵀: (وأما أهل الملل وأئمة الفلاسفة وجماهيرهم فيقولون: إن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن ما قامت به الحوادث من
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٤٢ - ٢٤٣، وانظر: في مناقشات الفلاسفة والمتكلمين حول الزمان والحدوث، والطروء والتغير: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٥، ٢٤٢، منهاج السنة له ١/١٥٤، ١٧٢، تهافت الفلاسفة للغزالي ص١٠٧ - ١١٦، ١٢٥، شرح المقاصد للتفتازاني ٢/١٨٤، قراءة في علم الكلام للجزيري ص٤٧ - ٦٥.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٢، منهاج السنة النبوية له ٢/١٣٨.
(٤) انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/٥٠ - ٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٩.
[ ٢٩٤ ]
الممكنات فهو مخلوق محدث) (١)
وقال: (كل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو - سبحانه - المختص بالقدم والأزلية، فليس في مفعولاته قديم، وإن قدر أنه لم يزل فاعلًا، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ليس في المفعولات قديم ألبته، بل لا قديم إلا هو - سبحانه - وهو وحده الخالق لكل ما سواه، وكل ما سواه مخلوق كما قال - سبحانه - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]) (٢) .
وقال ﵀ (اتفق سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله كل ما سوى الله مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم تقدمه، بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، فهو المختص بالقدم، كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية، وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له) (٣) .
وبهذا يتبين أن شيخ الإسلام يقرر حدوث العالم، وأن قدم النوع لا يستلزم قدم العالم، ما دام الفعل مسبوقًا بفاعله، كما عليه السلف والأئمة.
ويتبع القول بقدم النوع: ما افتراه المناوئون لابن تيمية أن يقول بقدم جنس العرش، وأنه لا زال يخلق عرشًا ويفني آخر، وهذا ادعاء لا أساس له من كلام شيخ الإسلام ﵀ (٤) .
_________________
(١) الصفدية ١/١٣٠.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٧٢.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/١٢٣ - ١٢٥، وانظر: في إثبات حدوث العالم عند ابن تيمية: الصفدية ١/٧٤، ٨١، درء تعارض العقل والنقل ١/٣٤٣، ٣٤٨، ٨/٢٨٧، ٢٩٠، منهاج السنة النبوية ١/٣٦٠ - ٣٦٤، ٢/٢٧٢ - ٢٧٣.
(٤) لم يذكر المناوئون نصًا عن ابن تيمية، وغاية ما هنالك أن جلال الدين الدواني ذكر في شرح العضدية أنه وقف على كلام لابن تيمية يقول فيه بقدم جنس العرش، ولم ينقله وهذا غير كاف، وانظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٧، ابن تيمية ليس سلفيًا لعويس ص٢٤٢.
[ ٢٩٥ ]
بل المنقول عنه أن كل ما في العالم فهو محدث مخلوق، وليس مع الله قديم من مخلوقاته - كما تقدم بيانه قريبًا -.
ولا يزال ابن تيمية ﵀ يقرر هذه المسألة بعد أخرى، حتى لا يفهم منه أنه يقول بقدم شيء من العالم لا العرش ولا غيره.
وتحدث عن العرش - في مواضع متعددة - مبينًا أنه مخلوق بعد أن لم يكن، وأنه ليس بقديم، ومن هذا قوله ﵀:
(في الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودًا قبل خلق هذا العالم أرض وماء وهواء، وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام أخر، فإن العرش - أيضًا - مخلوق، كما أخبرتنا بذلك النصوص، واتفق على ذلك المسلمون) .
ففي هذا النص يصرح ابن تيمية ﵀ أن العرش مخلوق محدث بعد أن لم يكن، ويقرر أن هذا هو ما أخبرت به النصوص، واتفق عليه المسلمون (١) .
وقال في شرح حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ عن الحديث إنه: (لم يذكر خلق العرش، مع أن العرش مخلوق أيضًا، فإنه يقول: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وهو خالق كل شيء: العرش وغيره، ورب كل شيء: العرش وغيره) (٢) .
وقال عن الحديث - أيضًا -: (ليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقًا، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقًا كما أخبر به في مواضع أخر) (٣) .
وعلى هذا (فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٤.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٧، ٢٣٢.
[ ٢٩٦ ]
كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن) (١) .
وأما القول بأن ابن تيمية يرى أن العرش أول المخلوقات فهذا غير صحيح، فترجيح ابن تيمية ﵀ كون العرش خلق قبل القلم، لا يعني أنه أول المخلوقات، ولم يتعرض لذلك ابن تيمية ﵀ لا من قريب ولا من بعيد، بل كان كثيرًا ما ينبه إلى أن النصوص لم تصرح ولم تدل على إثبات أول المخلوقات، فقال ﵀: (وأما في حديث عمران فلم يخبر بخلقه - أي العرش -، بل أخبر بخلق السماوات والأرض، فعلم أنه أخبرنا بأول خلق هذا العالم، لا بأول الخلق مطلقًا) (٢) .
وقال: (وإذا كان إنما قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق) (٣) .
وقال عن حديث عمران (ت - ٥٢هـ): (وليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقًا) (٤) .
وقال عن الحديث السابق: (إن النبي ﷺ لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء، وبابتداء المخلوقات بعد ذلك) (٥) .
وأما الزعم بأن مذهب ابن تيمية ﵀ في قدم النوع موافق لرأي الفلاسفة، فهذا غير صحيح من وجهين:
الوجه الأول: أن شيخ الإسلام ﵀ وافق السلف في إثبات الصفات، وأن الله يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء ﷾.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٢٨.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٤.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٦.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٧.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٢٠، وبهذا يتبين خلط الشيخ الألباني ﵀ حين ذكر الخلاف في خلق العرش والقلم أيهما أولًا؟ ورجح أن القلم خلق أولًا، وظن أن القول بأن العرش خلق أولًا معناه أن العرش أول المخلوقات، واتضح خلطه ﵀ حين قال بأن ابن تيمية يرى أن العرش أول المخلوقات، ثم قال في الصفحة التي تليها بأن ابن تيمية يرى حوادث لا أول لها، فكيف يكون هذا؟
[ ٢٩٧ ]
وأما الفلاسفة فهم وإن أثبتوا دوام الفاعلية للرب لا عن اختيار ومشيئة، وأثبتوا وجود الله، فهم في الحقيقة معطلة لا يؤمنون بصفات الله ﷿ ولا بأسمائه، وقالوا: إن المخلوقات لازمة لله أزلًا وأبدًا.
الوجه الثاني: أن لازم مذهب الفلاسفة في قدم النوع، وقدم العين والفرد، هو التعطيل عن الفعل، إذ على قولهم: لم يزل الفلك مقارنًا له أزلًا وأبدًا فيمتنع أن يكون شيء مفعولًا له؛ لأن الفاعل لا بد أن يتقدم على فعله.
فهم عطلوا الرب عن الفاعلية التي هي أظهر صفات الرب - تعالى - ولهذا وقع الإخبار بها في أول ما نزل على الرسول ﷺ: ﴿قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١- ٥] فالخلق يتضمن فعل الله، وخلق الإنسان يعني خلق الله الأشياء شيئًا بعد شيء.
والتعليم يتضمن قول الله وتعليم الإنسان يعني دوام هذه الصفة وتكرارها شيئًا بعد شيء، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقال: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ١ - ٥] .
وترتب على هذا قول الفلاسفة بعدم علم الله بالجزئيات، وعلم الله إنما هو بالكليات، والكليات أمر ذهني لا وجود له في الخارج، وإذا لم يعلم شيئًا من الجزئيات لم يعلم شيئًا من الموجودات، فامتنع أن يعلّم غيره شيئًا من العلم بالموجودات المعينة؛ لأن من لا يعلم شيئًا يمتنع أن يعلم غيره (١) .
ويرى ابن تيمية أن قول الفلاسفة أردأ الأقوال في المسألة، ويفضل قول
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ٢٩٨ ]
المتكلمين على قول الفلاسفة، فالمتكلمون أقرب إلى الإسلام والسنة من الفلاسفة، وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة، وذلك من وجوه:
أحدها: أن يقول المتكلمون للمتفلسفة: أنتم ادعيتم قدم العالم، بناء على قدم الزمان - عندكم -، ووجوب دوام فاعلية الرب، ونحو ذلك، مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث، إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها ما يدل على قدم شيء من العالم لا السماوات التي أخبرنا الله أنه خلقها والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا غير ذلك.
الثاني: أن يقال: دوام فاعلية الرب - تعالى - ودوام الحوادث، يمكن معه أن تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته، وتحدث شيئًا بعد شيء، وأن تحدث حوادث منفصلة شيئًا بعد شيء، وعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم قديمًا.
الثالث: أن يقال للفلاسفة: ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة لدوام فاعلية الرب ودوام الحوادث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه، فإن هذا يقتضي أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث، وأنتم على قولكم يلزم ألا يكون أحدث شيئًا من الحوادث (١) .
وقد رد شيخ الإسلام ﵀ على القائلين بقدم العالم، وأطال النفس في ذلك. وبين أن جماهير العقلاء، وأهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس (٢)، وأصناف المشركين، وجماهير أساطين الفلاسفة لا يقولون بقدم العالم، وهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، وأن هذا
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/٢١١ - ٢١٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤.
(٢) المجوس: هم الذين أثبتوا أصلين للعالم، جعلوهما خالقين معبودين: هما النور والظلمة، يعبدون النار ويستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وهم لهم شبهة كتاب. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١٢٠ - ١٢١، البرهان للسكسكي ص٩٠ - ٩١، رسالة في الرد على الرافضة للمقدسي ص١٣٤.
[ ٢٩٩ ]
العالم كله مخلوق والله خالقه وربه (١) .
وذكر أن الفلاسفة الأوائل كانوا مقرين بحدوث العالم، وأن أول من اشتهر عنه القول بقدم العالم هو أرسطو (ت - ٣٢٢ق. م) (٢) .
وليس مع الفلاسفة دليل على قدم العالم، أو قدم شيء منه، وعامة حججهم إنما تدل على قدم نوع الفعل، وليس في شيء من أدلتهم ما يدل على قدم الفلك، أو شيء من حركاته، ولا قدم الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك (٣) .
وكل ما يحتج به الفلاسفة في إثبات قدم العالم فإنه يلزم من القول به من المحذور أعظم مما فرّ منه، ويدل على نقيض ما يقصد، حتى يؤول الأمر إلى أن يعترف المبطل ببطلان قوله، وبطلان كل ما يدل على قوله، أو ينكر الوجود بالكلية. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] (٤) .
ولازم القول بقدم العالم هو التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق على بطلانه حتى الفلاسفة أنفسهم، ويلزم أيضًا من القول بقدم العالم أن يكون الفاعل مستلزمًا لمفعوله، لا يجوز أن يتراخى عنه مفعوله. فإن الفاعل لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يجب اقتران مفعوله به.
وإما أن يجب تأخر مفعوله عنه.
وإما أن يجوز فيه الأمران.
فلو كان العالم قديمًا لم يجز أن يكون فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله؛ لأن ذلك جمع بين النقيضين: كيف يكون مفعوله قديمًا أزليًا، ويكون متأخرًا عنه حادثًا بعد أن لم يكن؟
_________________
(١) انظر: شرح حديث النزول ص٤٤٤ - ٤٤٥.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٣٠، ٢٣٦، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٦٧.
(٣) انظر: الصفدية ١/٥٩، ١٣١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤ - ٢٣٥.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/١٤٨.
[ ٣٠٠ ]
وأما الاحتمال الثالث وهو جواز الأمرين فهو باطل؛ لأنه يجعل وجود المفعول ممكنا، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، والقول في المرجح كالقول في غيره إذ لا يخلو من الأقسام الثلاثة المذكورة.
فتبين أن العالم لو كان قديمًا للزم أن يكون مبدعه مستلزمًا له، ووجود المؤثر التام في الأزل ممتنع، ذلك أن أثره إن كان خاليًا من الحوادث لزم أن لا يكون في العالم شيء من الحوادث، وهذا خلاف الحس.
وأما إن كان أثره متضمنًا للحوادث، فهذا ممتنع؛ لأنه يلزم منه صدور ما فيه الحوادث عما لا حوادث فيه، فالحوادث هي - أيضًا - من الصادر عنه.
وفي الجملة: فقدم العالم لا يكون إلا مع كون المبدع واجبًا بذاته (١)، وصدور الحوادث عن الموجب بذاته ممتنع، فصدور العالم عن الموجب بذاته ممتنع، فقدم العالم ممتنع (٢)
وقول الفلاسفة في قدم العالم باطل من وجوه كثيرة منها:
١ - أن عمدة رأي الفلاسفة في قدم العالم هو امتناع حدوث الحوادث بلا سبب حادث، فيمتنع تقدير ذات معطلة عن الفعل لم تفعل، ثم فعلت من غير حدوث سبب. وهذا لا يدل على قدم العالم ولا قدم شيء منه، وإنما يدل على قدم نوع الفعل، وأن الله لا زال فعالًا (٣) .
٢ - أن يقال: دوام الحوادث في الماضي: إما أن يكون ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا، فلو كان ممتنعًا بطل قولهم، وعلم أن الحوادث لها ابتداء.
وإن كان ممكنًا: أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مسبوقة بحوادث
_________________
(١) الموجب بذاته: هو الذي يكون وجوده من ذاته، لا يحتاج إلى شيء أصلًا، وهو الموجود الذي يمتنع عدمه امتناعًا تامًا، وليس الوجود له من غيره، بل من ذاته. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/٥٤١ - ٥٤٢.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٢٧، ٧٥ - ٧٧.
(٣) انظر: منهاج السنة لابن تيمية ١/١٤٨ - ١٤٩، الصفدية له ١/١٣٢.
[ ٣٠١ ]
قبلها، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وعلى التقديرين فلا يلزم قدم العالم (١) .
٣ - أن القول بقدم العالم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آنٍ واحد، وهذا محال باتفاقهم مع جماهير العقلاء، بل يتضمن وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد، ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد، وهذا مما يصرحون بامتناعه، مع قيام الدليل على امتناعه، ويتضمن امتناع وجود حادث، ويتضمن وجود الحوادث بلا مؤثر تام، وكل هذا ممتنع.
٤ - أن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد، فإذا قدّر قديمان: كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى، كما يقولونه في الأفلاك، فهذا ممتنع؛ لأن كلًا منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية، مع أن أحدهما أكثر من الآخر، وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه، فيلزم أن يكون ما لا أول له ولا آخر يقبل أن يُزاد عليه ويكون شيء آخر أكثر منه، وهذا ممتنع (٢) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ لم يكن يقول بقول الفلاسفة، ولم يكن يرتضيه، بل كان رده عليهم كثيرًا وصريحًا في بيان خطئهم.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/١٣١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/١٦١ - ١٦٣، وقد فصل شيخ الإسلام الرد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم في كثير من كتبه، إلا أن حديثه عن هذه المسألة تركز في ثلاثة من كتبه تقريبًا وهي: الصفدية، ودرء تعارض العقل والنقل وخاصة الجزء الثامن، ومنهاج السنة النبوية الجزء الأول والثاني، وانظر على سبيل المثال: الصفدية ١/٢٠، ٢٧، ٤١، ٥٩، ٧٥، ١٢٨، ١٣٠ - ١٣٤، ٢٣٦، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢/١٧٤، منهاج السنة النبوية ١/١٤٨ - ٢١٣، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٦٧، ٢٨٢، ٨/١٦١، ٢٩٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤. وانظر بعد ذلك: تهافت الفلاسفة للغزالي ص٨٩، لباب العقول للمكلاتي ص١٥٤، الذخيرة للطوسي ص١٣ - ٧١.
[ ٣٠٢ ]