مناقشة دعوى أن شيخ الإسلام ينهى عن زيارة القبور
تتميز هذه الدعوى (مسألة شد الرحل) بالذات، والدعوى التي تليها (مسألة التوسل)، عن غيرها من المسائل المنتقدة على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأمر مما يجعلها أكثر إثارة، وأوسع نقاشًا مع الخصم، ألا وهو: أن بداية الانتقاد على ابن تيمية ﵀ من قبل مناوئيه كان في حياته، فعُقدت جلسات، وقامت مناظرات بينه وبين خصومه، بل وأُلفت الكتب في الرد على ابن تيمية ﵀ في حياته، مما جعله يؤلف ردودًا عليها تبين وجه الحق في المسألة، والمسائل الملتبسة على الخصم وعلى العامة حتى يتضح الحق ويحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، فألف (الرد على الأخنائي) وألف (الرد على البكري)، إضافة إلى كتب ورسائل أخرى تبين قوله في الموضوع.
وقد بين ﵀ أن لفظ (الزيارة) لفظ مجمل يدخل فيها الزيارة الشرعية والزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك، بل صار في عرف كثير من الناس إذا أطلق لفظ زيارة قبور الأنبياء والصالحين إنما يفهم منه الزيارة البدعية.
وإذا كان اللفظ مجملًا يحتمل الحق والباطل عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ السلام عليه. (١)
وقد ذكر ﵀ الخلاف الدائر بين السلف في شرعية زيارة القبور.
فقال طائفة من السلف: إن زيارة القبور محرمة مطلقًا، وأن النهي عن الزيارة لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀ ولم
_________________
(١) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٤٠ - ١٤١، قاعدة عظيمة ص٩٣.
[ ٣٢٨ ]
تشتهر، ولما ذكر البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀ زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت عند القبر.
ومنهم من لا يستحبها، ومنهم من يكرهها مطلقًا، كما نقل عن النخعي (١)،
والشعبي (ت - ١٠٤هـ) وابن سيرين (٢)، وهؤلاء من أجلة التابعين.
ونقل ابن بطال (٣) عن الشعبي (ت - ١٠٤هـ) أنه قال: (لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني) (٤) .
وقال النخعي (ت - ٩٦هـ) ﵀ (كانوا يكرهون زيارة القبور) (٥) .
ولا خلاف بين المسلمين أن النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور، وقيل في سبب ذلك: لأن ذلك يفضي إلى الشرك، وقيل: لأجل النياحة عندها، وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها، كما ذكر طائفة من العلماء في قول الله ﷿: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى (٦) .
_________________
(١) النخعي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحًا، وصدق رواية، وحفظًا للحديث، فقيه العراق، كان إمامًا مجتهدًا، ت سنة ٩٦هـ. انظر في ترجمته: التاريخ الكبير للبخاري ١/٣٣٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/٢٧٩.
(٢) ابن سيرين: محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، أبو بكر، إمام وقته في علوم الشريعة، تابعي جليل، في أذنه صمم، اشتهر بالورع وبتأويل الرؤيا، ت سنة ١١٠هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٢٦٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٣٢١.
(٣) ابن بطال: علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي، أبو الحسن، عالم بالحديث، من أهل قرطبة، له شرح صحيح البخاري، ويعرف بابن اللحام، الإمام الحافظ المحدث، ت سنة ٤٤٩هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/٤٧، شجرة النور الزكية لمخلوف ص١١٥.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/٣٤٥ كتاب الجنائز، وفيه (لزرت قبر ابنتي) .
(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/٣٤٥ كتاب الجنائز.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٠/١٦٨ - ١٦٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/٣٦٠.
[ ٣٢٩ ]
لكن اختلف العلماء بعد ذلك: هل نسخ هذا التحريم أم لا؟
فقيل لم ينسخ - كما سبق -، وقال آخرون: بل نسخ ذلك، واختلف هؤلاء هل نسخ إلى الندب أم إلى الإباحة؟
فقال قوم: إنما نسخ إلى الإباحة، وقال قوم: نسخ إلى الاستحباب (١) .
وبين أن الأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار:
فالزيارة إذا تضمنت أمرًا محرمًا من شرك أو كذب أو ندب أو نياحة: فهذه زيارة محرمة.
وأما إن كانت الزيارة لمجرد الحزن على الميت، لقرابته أو صداقته: فهي مباحة، وهذا كزيارة قبر الكافر فرخص فيها؛ لأجل تذكر الآخرة، لا للدعاء له والاستغفار له.
قال الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (٢) .
وأما إن كانت الزيارة لقبور المؤمنين للدعاء للموتى كالصلاة على الجنازة: فهذا مستحب قد دلت السنة عليه (٣) .
ويقسم ابن تيمية ﵀ الزيارة - في مواضع أخرى - إلى قسمين؛ زيارة شرعية، وزيارة بدعية، ومرد هذا الاختلاف إنما هو التنوع في التقسيم
_________________
(١) انظر: الجواب الباهر ص٤٤، قاعدة عظيمة ص٦٣.
(٢) سبق تخريجه ص٣٠٦ من هذا البحث.
(٣) انظر: الجواب الباهر ص٤٥ - ٤٦، قاعدة عظيمة ص٦٣، ٦٦، الرد على الأخنائي ص٨٣.
[ ٣٣٠ ]
والعرض، حسب حاجة المخاطب (١) .
وبهذا يتبين أن ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة القبور مطلقًا، بل فرق بين الزيارة المحرمة، والزيارة المباحة، والزيارة المستحبة.
وأما زيارة قبر الرسول ﷺ الزيارة الشرعية فهي ما يفعله علماء المسلمين (يصلون في مسجده ﷺ، ويسلمون عليه في الدخول للمسجد، وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين) (٢) .
وزيارة قبر النبي ﷺ ليست واجبة باتفاق المسلمين، ولم يرد في الكتاب والسنة أمر بزيارة قبر النبي ﷺ على وجه الخصوص، وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة: الصلاة والتسليم عليه، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (٣)، فزيارة قبره مستحبة كزيارة قبور غيره.
وقد اتفق العلماء على أن أهل المدينة لا يزورون القبر النبوي كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه، لا للدعاء ولا لغيره، بل كانوا يأتون المسجد، وهم في كل صلاة في مسجد رسول الله ﷺ، أو في مسجد غيره يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويصلون عليه ويسألون الله له الوسيلة إذا سمعوا الأذان.
وأما حكم إتيان أهل المدينة قبر الرسول ﷺ إذا قدموا من سفر، أو غير أهل المدينة إذا قدموا من سفر، فهذا فيه قولان:
القول الأول: الجواز لفعل ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ فتابعه جماعة، وإن لم يكن هذا من السنن المشهورة، إذ لم يأمرهم الرسول ﷺ بذلك، كما أمرهم أن يسلموا عليه في الصلاة.
_________________
(١) انظر: قاعدة جليلة ص٣٢، الجواب الباهر ٤٧، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٣٢٦، ٣٣٤، ٣٤٣، ٢٦/١٤٨، ٢٧/٧٠، ١١٩، وغيرها.
(٢) الجواب الباهر ص٢٢.
(٣) انظر: الفتاوى الكبرى ٢/٥، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٢٦.
[ ٣٣١ ]
والقول الثاني: المنع من إتيان القبر، والاكتفاء بالصلاة والسلام عليه في المسجد (١) .
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ الخلاف بين أهل العلم حين السلام على الرسول ﷺ عند القبر، وعلى صاحبيه، هل يستقبل القبر، أم يستقبل القبلة؟
فقال الأئمة الثلاثة مالك (ت - ١٧٩هـ)، والشافعي (ت - ٢٠٤هـ)، وأحمد (ت - ٢٤١هـ)، ﵏ إنه يستقبل القبر، ويستدبر القبلة، فيسلم على الرسول ﷺ من تلقاء وجهه، ثم ينحرف قليلًا فيسلم على أبي بكر (ت - ١٣هـ) ثم ينحرف قليلًا ويسلم على عمر (ت - ٢٣هـ) ﵄، وهذا فعل أكثر الصحابة.
وأما مذهب أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ فإن المسلم على الرسول ﷺ يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره (٢) .
وأما وقت الدعاء فإنه يستقبل القبلة اتفاقًا، وكان مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ من أعظم الأئمة كراهية لذلك.
وأما الحكاية التي تذكر عنه أنه قال للمنصور (٣) لما سأله عن استقبال الحجرة بالدعاء فأمره بذلك، وقال: (هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم)، فهذه كما يذكر ابن تيمية ﵀ كذب على مالك ليس لها إسناد معروف، وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه (٤) .
وأما قصد القبر ليدعو الزائر لنفسه، فهذا بدعة، لم يكن أحد من الصحابة يقف عند قبر الرسول ﷺ ليدعو لنفسه.
_________________
(١) انظر: قاعدة عظيمة ٥٨، ٨٨، الرد على الأخنائي ص١٧.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/١٤٦ - ١٤٧، قاعدة جليلة ص٢٩٣، قاعدة عظيمة ص٦١، ٨٩، الرد على الأخنائي ١٩٠.
(٣) المنصور: عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي، أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، ذو هيبة وشجاعة ودهاء، له مشاركة حسنة في الفقه والعلم، ت سنة ١٥٨هـ. انظر في ترجمته: فوات الوفيات للكتبي ٢/٢١٦، الكامل لابن الأثير ٥/١٧٢.
(٤) انظر: قاعدة جليلة ص٢٩٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/١٤٧، ٢٧/١١٨، وانظر: الحكاية في الشفاء للقاضي عياض ضمن شرحيه ٣/٣٩٧ - ٣٩٨.
[ ٣٣٢ ]
قال ابن تيمية ﵀ (لم يكن أحد من الصحابة يقصد شيئًا من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لا يصلي عنده، ويدعو عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، ولا يقولون إن الدعاء عنده أفضل، ولا الدعاء عند شيء من القبور مستجاب) (١) .
ويتعجب ﵀ من كثير من الناس وقد نهي عن الصلاة عندها وإليها، كما قال ﷺ: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٢)، ثم هو يقصد الدعاء عندها، فهل يقول مسلم عاقل: إن مكانًا نهينا أن نعبد الله فيه بالصلاة لله يكون الدعاء فيه مستجابًا (٣) .
وهل يجوز التمسح بالقبر وتقبيله وتمريغ الخد عليه؟
أجاب ﵀ بأن هذا منهي عنه باتفاق المسلمين، وليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها. إلا الحجر الأسود، لما ثبت في الصحيحين أن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ قال: (والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك) (٤) .
وأما الاستلام فلا يستلم إلا الركنان اليمانيان، فمن زار قبر النبي ﷺ فإنه لا يستلمه، ولا يقبله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وكل هذا لأجل المحافظة على التوحيد، وحماية جنابه؛ لأن من أصول الشرك اتخاذ القبور مساجد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
وبهذا يتبين أن شيخ الإسلام ﵀ لم ينه عن الزيارة الشرعية للقبور
_________________
(١) قاعدة عظيمة ص٥٧.
(٢) سبق تخريجه ص٣٠٨.
(٣) انظر: قاعدة عظيمة ص٥٧.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٤٦٢ كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود، ومسلم في صحيحه ٢/٩٢٥ كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، واللفظ له.
[ ٣٣٣ ]
مطلقًا، أو قبر الرسول ﷺ، وإنما نهى عن الزيارة غير الشرعية وهي ما ينهى عنه الإسلام، وقد أنصفه ابن عابدين (١)
في قوله: (وما نسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها - أي زيارة قبر الرسول ﷺ -، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاث (٢)، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيه لزيارة سائر القبور) (٣) .
وأما احتجاج مثبتة الزيارة البدعية بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وأن ذلك يدل عليها، فقد رد ابن تيمية ﵀ عليهم مبينًا المعنى الصحيح للآية بقوله:
(دعاهم - سبحانه - بعدما فعلوه من النفاق إلى التوبة وهذا من كمال رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة، وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين.. وقوله (جاءوك): المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه.
وأما في مغيبه ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه، والرد إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة.
وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به
وأما مجيء الإنسان إلى الرسول ﷺ عند قبره، وقوله: استغفر لي، أوسل لي ربك فهذا لا أصل له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فعله واحد من
_________________
(١) ابن عابدين: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره، ولد وتوفي في دمشق، ت سنة ١٢٥٢هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٦/٢٦٧.
(٢) الصواب أن يقال: (الثلاثة) .
(٣) حاشية رد المحتار ٢/٦٢٦.
[ ٣٣٤ ]
سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفًا بينهم ) (١)، فليس في الآية أمر بزيارة قبره ﷺ ولا شد الرحل إليه.
وأما الأحاديث التي تحث على زيارة قبر النبي ﷺ بخصوصه، فليس فيها حديث واحد صحيح، بل هي إما من الموضوع، أو من الحديث الضعيف الذي لا يصح الاحتجاج به، ولا العمل به.
فأما الحديث الأول الذي ذكروه في فضل الزيارة وهو: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، فهذا رواه الدارقطني (٢) ﵀ في سننه (٣)، من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله بن عمر العمري.
وموسى بن هلال: قال عنه أبو حاتم (ت - ٢٧٧) ﵀: مجهول (٤) .
وقال العقيلي (٥): لا يتابع على حديثه (٦) .
وقال ابن عدي (٧): أرجو أنه لا بأس به (٨) .
_________________
(١) قاعدة في المحبة (ضمن جامع الرسائل ٢/٣٧٥ - ٣٧٦) .
(٢) الدارقطني: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني الشافعي، أبو الحسن، إمام عصره في الحديث، ولد بدار القطن من أحياء بغداد، ورحل إلى مصر، وعاد إلى بغداد، وتوفي بها سنة ٣٨٥هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ١٢/٣٤، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٥٩.
(٣) سنن الدارقطني (ضمن التعليق المغني على سنن الدارقطني ٢/٢٨٨ كتاب الحج حديث ١٩٤) .
(٤) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٢٦.
(٥) العقيلي: محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، صاحب الجرح والتعديل والضعفاء، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ، ت سنة ٣٢٢هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٢/٢٩٥، الرسالة المستطرفة للكتاني ص١٠٨.
(٦) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٢٦.
(٧) ابن عدي: عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد الجرجاني، أبو أحمد، نشأ بجرجان، قال السهمي: لم يكن في زمانه مثله، صاحب كتاب الكامل في ضعفاء الرجال، ت سنة ٣٦٥هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٦/١٥٤، طبقات الشافعية للسبكي ٣/٣١٥.
(٨) الكامل لابن عدي ٦/٢٣٥٠.
[ ٣٣٥ ]
وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ): صالح الحديث (١)، لكن الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ أنكر عليه هذا الحديث (٢) .
ورواه موسى بن هلال عن عبد الله بن عمر العمري، خلافًا لمن قال إنه: عبيد الله بن عمر العمري، فالمكبر ضعيف، وأما أخوه عبيد الله المصغر فثقة ثبت.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ على من قال بأن الحديث من رواية عبيد الله الكبير المصغر الثقة، لا من رواية عبد الله الصغير المكبر المضعف، بأن أحد الأسانيد فيه التصريح بالكنية بأبي عبد الرحمن، وهي كنية الصغير المكبر المضعف فقال:
(فذكره هذا - أي الكنية بأبي عبد الرحمن - قاطع للنزاع من أنه عن المكبر لا عن المصغر، فإن المكبر هو الذي يكنى بأبي عبد الرحمن) (٣) .
وبهذا يتبين أن الحديث ضعيف كما قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀:
(وهو مع هذا حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن، ضعيف الإسناد عندهم لا يقوم بمثله حجة، ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا الضعفاء في هذا العلم) (٤) .
وأما الحديث الثاني وهو: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) .
فهذا رواه البيهقي (٥)
في سننه (٦)، والدارقطني (ت - ٣٨٥هـ) في سننه (٧) ومدار الحديث على حفص بن سليمان:
_________________
(١) وفي نسخة: صويلح الحديث، انظر: الحاشية من ميزان الاعتدال ٤/٢٢٦.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/٢٢٥ - ٢٢٦.
(٣) لسان الميزان ٦/١٣٥.
(٤) الصارم المنكي ص٢١، ونقل الشوكاني في الفوائد المجموعة ص١١٧ عن السخاوي في المقاصد الحسنة: أن ابن خزيمة أشار إلى تضعيفه.
(٥) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر، الحافظ العلامة الفقيه، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، منها: السنن الكبرى، ودلائل النبوة، ت سنة ٤٥٨هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٥٧، النجوم الزاهرة للأتابكي ٥/٧٧.
(٦) السنن الكبرى كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي ﷺ ٥/٢٤٦.
(٧) سنن الدارقطني (ضمن التعليق المغني على سنن الدارقطني كتاب الحج حديث ١٩٢ ٢/٢٧٨) .
[ ٣٣٦ ]
وهذا قال عنه البخاري (ت - ٢٥٦هـ): تركوه (١) .
وقال ابن حبان (٢) في المجروحين: (كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها، ويرويها من غير سماع، وقال ابن معين ﵀ ليس بثقة) (٣) .
وقال ابن أبي حاتم (ت - ٣٢٧هـ) ﵀: (ضعيف الحديث) (٤) .
وقال ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) ﵀: (وعامة حديثه عن من روى عنهم غير محفوظة) (٥) .
والخلاصة قول ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ (متروك الحديث مع إمامته في القراءة) (٦) .
وفي سنده - أيضًا -: ليث بن أبي سليم: وهو ضعيف متروك الحديث - أيضًا - كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في تقريب التهذيب (٧) .
قال ابن تيمية ﵀ (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا، دون قراءته) (٨) .
وأما الحديث الثالث وهو: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) .
_________________
(١) التاريخ الكبير له ٢/٣٦٣.
(٢) ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، أبو حاتم، القاضي، شيخ خراسان، أحد الأئمة، رحالة مصنف، دامت رحلته ما يزيد على ثلاثين عامًا، من أوعية العلم، ومن عقلاء الرجال، ت سنة ٣٥٤هـ. انظر في ترجمته: لسان الميزان لابن حجر ٥/١١٢، الرسالة المستطرفة للكتاني ص١٦٥.
(٣) المجروحين لابن حبان ١/٢٥٥.
(٤) الجرح والتعديل ٣/١٧٣ - ١٧٤.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/٧٩١.
(٦) تقريب التهذيب ١/١٨٦.
(٧) انظر: تقريب التهذيب ٢/١٣٨.
(٨) انظر: الرد على الأخنائي ص٢٨، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٢١٧، وانظر: ٢٤/٣٥٧، ٢٦/١٤٩، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٢، قاعدة جليلة ص١٣٤، قاعدة عظيمة ص٨٦.
[ ٣٣٧ ]
فهذا ذكره ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) في ترجمة النعمان بن شبل (١) .
قال عنه ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ): بعد أن ذكر أنه يروي عن مالك: (يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات) (٢) .
وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) عن هذا الحديث: إنه (موضوع) (٣) .
وعده جماعة من أهل العلم في عداد الموضوعات (٤) .
قال ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث: (لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على رسول الله ﷺ، ومعناه مخالف الإجماع، فإن جفاه (٥) الرسول ﷺ من الكبائر، بل هو كفر ونفاق وأما زيارته فليست واجبة باتفاق المسلمين) . (٦)
وأما حديث (من زار قبري أو من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا) .
فهذا رواه البيهقي (ت - ٤٥٨هـ) في سننه (٧)، وقال بعد ذكر الحديث:
(هذا إسناد مجهول) (٨)؛ لأن في سنده رجلًا من آل عمر.
وأما سوار بن ميمون راوي الحديث عن (رجل من آل عمر) فقال عنه ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) (شيخ مجهول الحال قليل الرواية، بل لا يعرف له رواية إلا هذا الحديث الضعيف المضطرب) (٩) .
ثم ذكر اختلاف الرواة في اسمه هل هو سوار أو ميمون ثم قال:
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/٢٤٨٠.
(٢) المجروحين ٣/٧٣.
(٣) ميزان الاعتدال ٤/٢٦٥.
(٤) انظر: تذكرة الموضوعات لابن طاهر الهندي ص٧٦، تنزيه الشريعة المرفوعة للكتاني ٢/١٧٢، الفوائد المجموعة للشوكاني ص١١٨.
(٥) الصواب: جفاء.
(٦) الفتاوى الكبرى ٢/٥، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٣٤٢، ٢٧/٢٩، ٣٥، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٢، الرد على الأخنائي ص٢٧.
(٧) السنن الكبرى كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي ﷺ ٥/٢٤٥.
(٨) السنن الكبرى ٥/٢٤٥.
(٩) الصارم المنكي ص١٠١.
[ ٣٣٨ ]
(والله أعلم هل كان اسمه سوارًا أو ميمونًا، فكيف يحسن الاحتجاج بخبر منقطع مضطرب نقلته غير معروفين، ورواته في عداد المجهولين) (١) .
وفي أحد أسانيد الحديث: هارون بن قزعة.
قال عنه الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) (هارون بن قزعة المدني عن رجل في زيارة قبر النبي ﷺ. قال البخاري: لا يتابع عليه) (٢) .
وذكر ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) كلام البخاري (ت - ٢٥٦هـ) عنه السابق ولم يعلق عليه (٣)، مما يفيد أنه ارتضى هذا الحكم.
وقال الأزدي (٤): متروك.
وقد ذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) كلام الأزدي (ت - ٤٠٩هـ) هذا في ترجمة هارون بن قزعة، بعد قول الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) عنه (لا يعرف) (٥) .
لكن الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) تعقب الإمام الذهبي في إيراده كلام الأزدي (ت - ٤٠٩هـ) في الذي لا يعرف وقال: (والذي أراد الأزدي هو الأول) (٦) أي هارون بن قزعة، وقد بين ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ ضعف الحديث، وأن سبب هذا الضعف أمور متعددة وهي: (الاضطراب والاختلاف والانقطاع والجهالة والإبهام) (٧) .
وعلى كل حال: فليس في أحاديث فضل الزيارة حديث واحد صحيح، بل كلها إما ضعيفة، وإما موضوعة، كما قال ابن تيمية ﵀:
_________________
(١) الصارم المنكي ص١٠١.
(٢) ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٨٥.
(٣) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٧/٢٥٨٨.
(٤) الأزدي: عبد الغني بن سعيد بن علي الأزدي المصري، أبو محمد، محدث الديار المصرية، صاحب كتاب المؤتلف والمختلف، إمام زمانه في الحديث، كان ثقة، ت سنة ٤٠٩هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٣٩٠، سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢٦٨.
(٥) ميزان الاعتدال ٤/٢٨٨.
(٦) لسان الميزان ٦/١٨١، ١٨٣.
(٧) الصارم المنكي ص١٠٢.
[ ٣٣٩ ]
وليس في زيارة قبر النبي ﷺ حديث حسن، ولا صحيح، ولا روى أهل السنن المعروفة، كسنن أبي داود، والنسائي (١) وابن ماجه (٢)، والترمذي (٣)، ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند أحمد ونحوه، ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئًا، بل عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة) (٤) .
وأما حكاية الإجماع على استحباب الزيارة، وأن شيخ الإسلام لا يراها.
فقد أجاب شيخ الإسلام ﵀ بأكثر من أربعين وجهًا على هذه الحكاية للإجماع، وعلى زعمهم أنه يخالف الإجماع فيها: فذكر أنه لم يقل بخلاف الإجماع مطلقًا، وإنما مقصود المخالفين بلفظ (الزيارة): الزيارة التي تستلزم السفر وشد الرحل، فهناك فرق بين زيارة القبور، وبين السفر لزيارة القبور، أما الأول فهو مستحب على قول الجمهور، وأما الثاني فلم يقل به الأئمة المجتهدون.
_________________
(١) النسائي: أحمد بن علي بن شعيب بن علي النسائي، أبو عبد الرحمن، صاحب السنن، القاضي الحافظ، من نسا بخراسان، جال البلاد واستوطن مصر، وثار عليه الحساد، فخرج إلى الرملة، ت سنة ٣٠٣هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٢/٢٣٩، الرسالة المستطرفة ص٩ - ١٠.
(٢) ابن ماجه: محمد بن زيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، ابن ماجه، صاحب السنن، أحد الأئمة في الحديث، رحل إلى البصرة وبغداد والشام والحجاز، ت سنة ٢٧٣هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/٥٣٠، شذرات الذهب لابن العماد ٢/١٦٤.
(٣) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي، أبو عيسى، صاحب السنن، تتلمذ على البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، ومن أئمة المحدثين، رحل إلى بلاد كثيرة، وعمي في آخر عمره، مات بترمذ سنة ٢٧٩هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٤٠٧، ميزان الاعتدال للذهبي ٣/٦٧٨، تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/٣٨٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٣٥٦ - ٣٥٧، وانظر: ٢٧/٢٥، ٢٩، ٣٥، ١٨٥، ٢١٦، قاعدة عظيمة ص٨٥. وانظر: في مناقشة أحاديث الزيارة والرد عليها: الصارم المنكي لابن عبد الهادي ص٢٠ - ١٨٧، أوضح الإشارة للنجمي ص١٣٣ - ١٧١.
[ ٣٤٠ ]
وأما جعل جنس الزيارة مستحبًا بالإجماع فهذا باطل؛ لأنهم لم يفرقوا ويفصلوا بين المشروع والمحرم، فالزيارة بعضها مشروع، وبعضها محرم بالإجماع، والمخالفون لابن تيمية ﵀ أنكروا هذا التفصيل، وهذا مخالف للإجماع، والحكم به باطل بالإجماع.
وأما حكاية الإجماع على جواز السفر لزيارة القبر فهذا ليس بصحيح، بل فيه نزاع مشهور، ودعوى الإجماع باطلة ما لم تثبت بنقل صحيح، وبتتبع واستقراء لأقوال العلماء المجتهدين.
وإذا كان هذا الأمر لا إجماع فيه فهو مما تنازع فيه العلماء، وما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول إجماعًا، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وأيضًا: فإن الأمور المتنازع فيها بين العلماء المجتهدين لا يصح لأحد من القضاة أن يفصل النزاع فيها بحكم، وقوله كقول آحاد العلماء إن كان عالمًا، وأما إن كان مقلدًا كان بمنزلة العامة المقلدين (١) .
وأما الاحتجاج بالقياس على جواز زيارة قبر النبي ﷺ بجواز زيارة قبر غيره، فهذا لا ينكره أحد، حتى ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة قبر النبي ﷺ لمن كان في مسجد رسول الله ﷺ، ومن نقل عنه خلاف ذلك فهو باطل، والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع (٢) .
وأما تخريجات المناوئين لابن تيمية كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) لفظة (الزيارة) في قول الناس: زرت قبر النبي ﷺ، فقد ذكر ابن تيمية تخريجات الناس لهذه الكراهة (٣) .
ورجح ثلاثة احتمالات:
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٢٩٦.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٢٩٣.
(٣) انظر: قاعدة عظيمة لابن تيمية ص٦١، ٧١.
[ ٣٤١ ]
الأول: أن قبر النبي ﷺ لم يرد في فضل زيارته أحاديث مخصوصة، أو سنة متبعة (١) .
الثاني: أن لفظ (الزيارة) صار في عرف الناس يحتمل الزيارة الشرعية، والزيارة المحرمة، فلا يصح الإطلاق لهذا اللفظ، وهذا محتمل لمعنى حق وآخر باطل (٢) .
الثالث: أن زيارة قبر الرسول ﷺ ليست في مقدور أحد، فهو داخل الحجرة، وإن ما يفعله الناس هو السلام عليه، فما بقي أحد يمكنه أن يزور قبره كما تزار سائر القبور، وإنما يمكن دخول مسجده، وهذا هو الذي يعنيه الناس بزيارة قبره، وهي تسمية غير متطابقة.
وقال ابن تيمية ﵀ عن هذا التخريج: (وهذا من أحسن ما يعلل به كراهة من كره أن يقال زرت قبره) (٣) .
وأما إذا أتى بلفظ (السلام) على رسول الله ﷺ فهذا لا يكره بالاتفاق (٤)
وأما حديث شد الرحل: فقد توقف عنده ابن تيمية ﵀ طويلًا مبينًا الكثير من جزئياته، حتى لا يلتبس كلامه، ولا يفهمه المخالف على غير ما أراده ﵀.
فبين أن السفر إلى المساجد الثلاثة مشروع بنص هذا الحديث، قال ﵀:
(وقد اتفق أئمة الدين على أنه يشرع السفر إلى المساجد الثلاثة: المسجد
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٤٢، ٢٦/١٤٩، ٢٧/١٦٦، قاعدة جليلة له ٢٩٦، الجواب الباهر له ص٥٠.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤٤٤، قاعدة جليلة ص٢٩٦، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٣٠.
(٣) قاعدة عظيمة ص٧٠، وانظر: ص٦١.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٣٤٢.
[ ٣٤٢ ]
الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، والمسجد الأقصى) (١)، وذكر أن هذا هو فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - (٢) .
ومشروعية السفر إلى المساجد الثلاثة ليست للوجوب إنما هي للندب والاستحباب، فلم يقل أحد: إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما (٣) .
والمساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام كالصلاة إليه دون غيره، والطواف ونحوه، وأما المسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات فإنه يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما، لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما (٤) .
وفضيلة المسجد النبوي ليس لأجل مجاورته القبر، بل هي ثابتة له في حياة الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ وكذلك هي ثابتة بعد موته، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبره وكذلك المسجد الأقصى، فكيف لا يكون مسجد الرسول ﷺ مفضلًا لا لأجل القبر.
قال ﵀: (فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر، أو أنه إنما يستحب السفر إليه؛ لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل، مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ، وهذا تنقص بالرسول وبقوله ودينه، مكذب له فيما قاله، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه) (٥) .
وأما السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة فغير مشروع اتفاقًا، وحرمه الجمهور، مع أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت في الحديث
_________________
(١) الجواب الباهر ص٤٣.
(٢) انظر: قاعدة عظيمة ص٤٨.
(٣) انظر: الرد على الأخنائي ص٤١.
(٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٢٥.
(٥) الرد على الأخنائي ص١٧.
[ ٣٤٣ ]
الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها» (١) .
وقد ذكر ﵀ الخلاف في حكم السفر إلى زيارة القبر، وأن للعلماء فيه قولين مع أن النزاع مرجوح ضعيف في هذه المسألة، فمن قائل: إنه معصية وهو قول الجمهور، ومن قائل: إنه ليس بمحرم، لكن لا فضيلة فيه، وليس بمستحب، فهو مباح، ولم يقل أحد باستحباب السفر إلى زيارة القبر، ومن قال به فهو مخالف للإجماع (٢) .
وهذا يجعلنا نفهم مراد العلماء الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا محمد ﷺ، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، وليس إلى قبره؛ لأن السفر إلى مسجده هو المشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم، أما السفر إلى قبره - فكما ذكر آنفًا - أنه لم يقل أحد باستحبابه (٣) .
وأما أصل زيارة القبور فلم يحرم ابن تيمية زيارتها، بل يرى الاستحباب - كما هو قول الجمهور - ومع ذلك فقد قال بعدم نسخ المنع من زيارة القبور بعض أئمة التابعين كالنخعي (ت - ٩٦هـ)، والشعبي (ت - ١٠٤هـ) وابن سيرين (ت - ١١٠هـ) - ﵏ جميعًا - (٤) .
ولذا فإن ابن تيمية ﵀ يفرق بين الزيارة الشرعية المستحبة، وبين السفر لزيارة القبر، فالأول مشروع اتفاقًا، وأما الثاني فغير مشروع (٥)، فلم يكن أحد
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٤٦٤ كتاب المساجد، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وابن خزيمة في صحيحه ٢/٢٦٨ جماع أبواب فضائل المساجد، باب فضل المساجد، والبيهقي في سننه ٣/٦٥كتاب الصلاة، باب فضل المساجد، والبغوي في شرح السنة ٢/٣٤٦كتاب الصلاة، باب فضل المساجد، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/٥٠.
(٢) انظر: الرد على الأخنائي ص١٣، ١٥، الفتاوى الكبرى ٢/٦، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٧٠، ٨١١.
(٣) انظر: الرد على الأخنائي ص١٣٥.
(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/١٤٨، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٩٧، الرد على الأخنائي ص٣٨، ٤٢، ١٦١.
(٥) انظر: الرد على الأخنائي ص١٣، ٢٣، ٢٥، ٤٨.
[ ٣٤٤ ]
من الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر، لا قبر نبي ولا غيره، بل كان عامتهم يأتون المدينة النبوية، ويصلون في مسجده ﷺ، ويسلمون عليه في الصلاة، ويرون ذلك هو غاية المطلوب (١) وأما حديث (لا تشد الرحال)، فهل المقصود به النهي، أو النفي فقط؟
فقد ذكر ﵀ أنه لم يعرف نزاع بين السلف من الصحابة، والتابعين والأئمة أن مراد هذا الحديث هو النهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة.
وقد جاء الحديث بصيغة النهي كما ورد عن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشدوا الرحال» (٢) .
وقد أجاب ﵀ على من قال بأن النفي في الحديث محمول على نفي الاستحباب بثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا التخريج تسليم من قائله أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة، ولا هو من الحسنات، ومن سافر لاعتقاده أن هذا السفر طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك.
وأما إذا قدر شد الرحل إليها لغرض مباح فهذا جائز من هذا الباب.
الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم.
الثالث: يكدر على تخريجهم النفي في الحديث على نفي الاستحباب، ما رواه أبو سعيد (ت - ٧٤هـ) - في الحديث السابق - عن رسول الله ﷺ قوله: «لا تشدوا الرحال» (٣) .
وهو نهي صريح منه ﷺ لأمته عن شد الرحل لغير المساجد الثلاثة (٤) .
_________________
(١) انظر: قاعدة عظيمة ٥٧، ٥٨، الرد على الأخنائي ص١١١، ١٣٨.
(٢) سبق تخريجه ص٣١٧.
(٣) سبق تخريجه ص٣١٧.
(٤) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١/١٤٢ - ١٤٣، الرد على الأخنائي له ص١٥، ٣٠، ٤١.
[ ٣٤٥ ]
ويرجح ﵀ في تقدير الاستثناء المفرغ في الحديث لفظ (مكان) فيكون معنى الحديث:
لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد، ومن ظن أن هذا التخريج يلزم منه النهي عن السفر لطلب علم أو تجارة أو غير ذلك، فهو ظن خاطئ، ولا يلزم من ذلك التقدير هذا اللازم، قال ﵀:
(أما السفر لتجارة، أو جهاد، أو طلب علم، أو زيارة أخ في الله، أو صلة رحم، أو نحو ذلك، فإنها لم تدخل في الحديث؛ لأن تلك لا يقصد فيها مكان معين، بل المقصود ذلك المطلوب حيث كان صاحبه، ولهذا لم يفهم أحد من هذا هذه الأمور) (١) .
وأجاب ﵀ عن الشبهة القائلة بأن زيارة قبر النبي ﷺ ميتًا، كزيارته في حياته، وقد استدل أصحابها بحديث الذي سافر لزيارة أخ له في الله وهو قول الرسول ﷺ: «إن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها (٢)، قال: لا غير أني أحببته في الله ﷿، فقال: فإني رسول الله إليك، فإن الله أحبك كما أحببته فيه» (٣) .
وبين ﵀ أن زيارة الأخ في الله الحي - كما في الحديث - نظير زيارة النبي ﷺ في حياته، وذلك بزيارة أصحاب النبي ﷺ له حال حياته.
وأما قياس زيارة القبر كزيارته حيًا فهذا لم يقل به أحد من علماء المسلمين، وهذا من أفسد القياس، فمن المعلوم أن من زار الحي حصل له بمشاهدته، وسماع كلامه، ومخاطبته، وسؤاله، وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه.
_________________
(١) قاعدة عظيمة ص١٠٠.
(٢) أي تحفظها وتراعيها وتربيها انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٤١١ مادة (ربب) .
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٩٨٨ كتاب البر والصلة، باب فضل الحب في الله، وأحمد في مسنده ٢/٤٦٢ من حديث أبي هريرة.
[ ٣٤٦ ]
وليس رؤية القبر أو ظاهر جدار الحجرة بمنزلة رؤية الرسول ﷺ ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه ﷺ، وهذا من أبطل الباطل.
وأما السفر إلى الرسول ﷺ في حياته فهو:
إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافر للمقام عنده بالمدينة، وهذا السفر انقطع بفتح مكة لقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (١) .
وإما أن يكون المسافر إليه وافدًا إليه ليسلم عليه، ويتعلم منه ما يبلغه قومه كالوفود الذين كانوا يفدون إليه ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، وقد أوصى ﷺ في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم» (٢)، وكان السفر إليه في حياته لتعلم الدين، ولمشاهدته وسماع كلامه ﷺ.
ومعلوم أنه ﷺ لو كان حيًا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وأما قصد القبر بالسفر: فليس عند قبره ﷺ مصلحة من مصالح الدين، وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون المسافر للزيارة غير معظم للرسول ﷺ التعظيم التام، والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان، فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لمجرده مفسدة راجحة لا
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٣ كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، ومسلم في صحيحه ٣/١٤٨٧ - ١٤٨٨، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة واللفظ له، والترمذي في سننه ٤/١٤٨، كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٣٨٨ كتاب الجهاد، والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، والترمذي في سننه ٤/١٥٦، كتاب السير، باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى، وأبو داود في سننه ٣/٤٢٤ كتاب الخراج، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب.
[ ٣٤٧ ]
مصلحة فيها بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة، ومن شبه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه (١) .
وأما دعوى أن الزيارة إذا كانت جائزة أو قربة، فالوسيلة إليها جائزة أو قربة، فهذه دعوى باطلة، فليس كل ما كان جائزًا، أو مستحبًا، أو واجبًا جاز التوسل إليه بكل طريق، بل هذا الطريق يكون في المحرم المنهي عنه فقط، فكل ما كان منهيًا عنه كان التوسل إليه محرمًا.
وأما ما كان مأمورًا به فلا بد أن يكون له طريق، لكن لا يجوز أن يتوسل إليه بكل طريق، بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله - مثل الفواحش والبغي والشرك به والقول عليه بغير علم - لم يجز ذلك.
وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات، وقد قال ﵊: «صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة» (٢) .
ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلي هناك جمعة أو جماعة لم يكن هذا مشروعًا، بل هو محرم عند جمهور العلماء.
وكون الرحلة إلى القربة معصية كثير في الشريعة كالرحلة للصلاة والاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك لو رحل العبد إلى الحج بدون إذن سيده، وكذلك لو رحلت المرأة بغير زوج ولا ذي محرم لأمر مشروع غير واجب، وكذا لو أراد أن يسافر إلى الحج لكن الطريق يحصل فيه ضرر في دينه أو عرضه أو ماله.
وكذلك من طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه لم يكن له أن يسافر بالمال
_________________
(١) انظر: الرد على الأخنائي ١٤١ - ١٥٠.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/١٣١، كتاب الصلاة باب فضل صلاة الجماعة، ومسلم في صحيحه ١/٤٤٩ كتاب المساجد باب فضل الجماعة.
[ ٣٤٨ ]
الذي يجب صرفه في قضاء دينه، وهذا كثير في الشريعة أن يكون العمل في أصله مشروعًا، لكن الطريق إليه والوسيلة غير مشروعة (١) .
وبعد هذا تبين لنا أن شيخ الإسلام ﵀ متابع لمن قبله من السلف والأئمة، يجيز زيارة القبور الزيارة الشرعية - بما فيها قبر الرسول ﷺ، وينهى عن الزيارة غير الشرعية، ويرى حرمة شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة، وأنه لا صحة لما لفّقه أعداؤه عليه، وما لبسوا فيه من الحق بالباطل على عامة الناس، ولهذا قيل في الرد عليهم:
وما نسبتم إليه عند ذكركم ترك الزيارة أمرٌ لا يقول به
فقد أجابكم عن ذا بأجوبة أزال فيها صدى الإشكال والشبه
وقد تبين هذا في مناسكه لكل ذي فطنة في القول معربه
رميتموه ببهتان يشان به فالله ينصفه ممن رماه به
وفي الجواب أمور من تدبرها سقى الأنام بها من صفو مشربه
ولم يكن مانعًا نفس الزيارة بل شد الرحال إليها فادر وانتبه
تمسكًا بصحيح النقل متبعًا خير القرون أولي التحقيق والنَّبه
مع الأئمة أهل الحق كلهم قالوا كما قال قولًا غير مشتبه
وقد علمت يقينًا حين وافقه أهل العراق على فتياه فافت به (٢)
_________________
(١) انظر: الرد على الأخنائي ص١٧٧ - ١٨١.
(٢) القائل أبو عبد الله محمد بن يوسف الشافعي اليمني، وانظرها: محققة مع نظيرتها الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية تحقيق صلاح الدين مقبول أحمد ص١٢٢ - ١٢٤، وقد ذكر في البيت الأخير موافقة أهل العراق أي علماء بغداد شيخ الإسلام في فتواه التي تمنع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة، انظرها: مسطورة في مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٩٤ - ٢١٣، وفي العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٤٢ - ٣٦٠.
[ ٣٤٩ ]