إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ -٧١] .
أما بعد (١):
_________________
(١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه أن يفتتحوا بها أكثر أمورهم، وقد أخرج حديث خطبة الحاجة: النسائي في سننه، كتاب النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح (٦/٨٦)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح (٢/٢٣٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، حديث ١٨٩٢ (١/٦٠٩)، وأحمد في مسنده (١/٣٩٢ - ٣٩٣، ٤٣٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح (٢/١٨٢ -١٨٣)، وقد توسع الشيخ الألباني في تخريج هذا الحديث في رسالته: (خطبة الحاجة) . وصححه، انظر: صحيح سنن الترمذي له ١/٣٢١.
[ ٥ ]
فإن من أعظم منن الله ﷾ على عباده أن بعث فيهم رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهداهم إلى صراطه المستقيم.
ولقد بين الله ﷿ هذه المنة بقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
وقد بقيت الأمة فترة من الزمن على الجادة السوية، والسيرة المرضية، تعتمد - بمجموعها - على المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة، وتَعُبُّ من منهلهما الروي.
ثم جاء على الأمة الزمن الذي تقاذفت فيه بها الأهواء والبدع، فابتعد فئام عن ذلك المنهل، وبدأ يدب في جسم الأمة الضعف والمهانة، وذلك وفق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من افتراق الأمة، كما افترقت اليهود والنصارى، حتى جاء زمان على الأمة كانت سوق البدعة فيه رائجة، وكاد ينطفئ نور السنة، إذ كانت الدولة على خلاف السنة، فكانت الكلمة لأهل الأهواء، والسلطة بأيديهم، حتى انتشرت كثير من البدع والأهواء عند العامة والضعفاء (١) .
وكان للمبتدعة مصالح ومطامح في ظل البدعة، وغياب السنة، تغيب تلك المصالح إذا قام أئمة السنة بواجبهم، وحذروا من الدخائل على المعتقد والدين، فنهج المبتدعة نهجًا أبعدوا فيه علماء أهل السنة عن ملاقاة الناس، وأقصوهم لئلا يقولوا كلمة الحق، فيفتضح أمرهم وكان التاريخ دولًا بين أهل السنة وأهل البدعة، فمرة تكون الغلبة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء، وقد تكون السنة أو البدعة في مكان دون مكان.
_________________
(١) انظر لمعرفة بدايات ظهور البدع في صدر الإسلام: الأهواء والفرق والبدع عبر تاريخ الإسلام للعقل.
[ ٦ ]
وكان من قدر الله وتوفيقه أن يبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (١) .
ومن هؤلاء الأعلام المجددين: العلامة المجاهد، الإمام الرباني، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (٦٦١ - ٧٢٨هـ) ﵀؛ ذلك العلامة الفذ الذي لا يملك منصف من الكفار أو من المسلمين، من أعدائه أو من محبيه إلا أن يثني عليه كثيرًا حين ذكره، بما يحضر ذلك المثني من صفات وخصائص لابن تيمية ﵀؛ ولأجل أن يكون الكلام عن ابن تيمية ﵀ منصفًا، فسأذكر مثالين لوصفه ﵀ من قِبل معاصريه الذين رأوه، وخالطوه.
فأولهما: قول ابن الزملكاني (٢)
﵀ عنه: (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا من مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود في سننه ٤/٤٨٠ كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، والحاكم في مستدركه ٤/٥٢٢ كتاب الفتن والملاحم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/١٢٣.
(٢) ابن الزملكاني: محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري الشافعي، ابن الزملكاني، شيخ الشافعية بالشام، وانتهت إليه رئاسة المذهب في التدريس والإفتاء والمناظرة، كان جيد العبارة، حسن التقرير، قوي القريحة، كان معجبًا بابن تيمية ثم تغير عليه، مات في طريقه إلى مصر، وكان في نيته أن يؤذي ابن تيمية فدعا عليه، فلم يبلغ أمله ومراده، كما يذكر ابن كثير والله أعلم بالسرائر ت سنة ٧٢٧هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٣، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٧٨.
[ ٧ ]
والترتيب، والتقسيم والتبيين) (١) .
وثانيهما: قول الإمام الذهبي (٢) ﵀ عنه: (كان يقضى منه العجب، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، يستدل ويرجح، ويجتهد، وحق له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو إلى المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف وكان قوالًا بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه، ومن نابذه وخالفه ينسبني إلى التغالي فيه وأنا أقل من أن ينبه على قدره كلمي، أو أن يوضح نبأه قلمي ) (٣) .
وكان ابن تيمية ﵀ يواجه التيارات البدعية في عصره، ويناقش ما تحمله من مخالفات عقدية، حريصًا على تصحيح العقيدة في نفوس الناس، وتنقيتها مما شابها من كثير من الانحرافات، إذ يرى ﵀ أن الراد على أهل البدع مجاهد (٤)، إلا أن من كان شيخ الإسلام يهدم بنيانهم من القواعد، لم يطب لهم صنيعه، فحاولوا بشتى الوسائل تشويه صورته عند كل أحد، وبكل الوسائل، فلم يكونوا يتورعون عن سبه وشتمه، ورموه بالجهل تارة، وبالزندقة أخرى، ونسبوه إلى البدعة، ولم يبق إلا ما هو أعظم منها، ألا وهو التكفير،
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص١٠٩.
(٢) الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي، التركماني الأصل، ولد بدمشق، وطلب العلم بها، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، له مؤلفات كثيرة ومشهورة في التاريخ والسير مثل: تاريخ الإسلام، سير أعلام النبلاء وغيرها، ت سنة ٧٤٨هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/٤٢٦، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٥٣.
(٣) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم مستلة منه للعجمي ص٢٣ - ٢٥) بتصرف.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/١٣.
[ ٨ ]
وقد فعلوا، فكفروه ﵀ ووجهوا إليه ﵀ تُهمًا في شخصه، ومنهجه، وعقيدته، وانتقدوه في مسائل علمية أخرى، فكانت بعض التُّهم والدعاوى قد وجهت إليه في حياته، فأسهم بنصيب وافر في بيان قوله، والاستدلال له وربطه بمنهج السلف ناقلًا عنهم، ومناقشًا شُبه الخصوم، ومبينًا ضعفها وعوارها، مع علمه ﵀ بمناهج المخالفين، وأسباب تلك المخالفة؛ ولذا فقد نظر ﵀ إلى هذه المخالفة من الجانب الإيجابي، مبينًا أن وجود المناوئين والمخالفين لعقيدة السلف، والرد عليهم، هو باب من أبواب ظهور الدين وانتشاره، قال ﵀: (من سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (١) .
واستمرت الردود والدعاوى ضد ابن تيمية ﵀ بعد وفاته إلى هذا العصر، وهذا من سنة الله ﷿ في الحياة أن يستمر الصراع بين الحق والباطل، ومن صور استمرار هذا الصراع: أن يشكك أهل الباطل بنقلة الحق وأعلامه وأئمته، ثم التشكيك والقدح بما يحملون وما يبلغون من عقائد وعلوم، حتى لا يبقى لأهل الباطل إلا باطلهم، ومن أبرز حملات أهل الباطل على عقيدة السلف: قدحهم في ابن تيمية ﵀ والرد عليه فألفوا المؤلفات، وكتبوا الردود والرسائل، وملؤوا الكتب بالحواشي التي ملؤوا بها زيفهم وضلالهم تجاه هذا العَلَم، وتجاه عقيدة السلف الصالح، واستنفروا شعراءهم، فكان لسلف أهل الباطل تلامذة واصلوا بث الحقد على شيخ الإسلام، وعلى منهجه، وزادوا وأوغلوا في الضلالة، ونشروا بين الناس ما كان مغمورًا من ردود ومناقشات بين شيخ الإسلام ﵀ ومخالفيه، وقامت مؤسسات لأهل الباطل، ودور نشر همها الرد على عقيدة السلف، فكان لزامًا على أهل الحق أن يقوموا بواجبهم تجاه أهل الضلال ليردوا كيدهم في نحورهم، وليعيدوهم خائبين، ببيان الحجة، ونقد الشبهة بمنهج علمي معتدل، فكانت هذه الرسالة جهدًا من
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨ - ٥٧، وانظر العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٦٤.
[ ٩ ]
الجهود التي يقوم بها أهل السنة تجاه المبتدعة، سائلًا الله ﷿ التوفيق والقبول، كما أسأله سبحانه أن يحفظ هذه الدولة (الدولة السعودية)، وأن ينصرها ويبارك فيها، حيث وفقها لإحياء ما اندرس من مؤلفات ابن تيمية ﵀، بطبعها، ونشرها، وتوزيعها، لتسهل الاستفادة منها، ولتكون في أيدي الطالبين، وذلك من بداية قيام هذه الدولة؛ إقامة للسنة، وإخمادًا للبدعة، فأسأل الله أن يوفق القائمين عليها لكل خير، ويسدد خطاهم، ويعينهم على أمور دينهم ودنياهم إنه سميع مجيب.