جواز التوسل بالنبي، ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم جواز التوسل بالنبي ﷺ
يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ جواز التوسل بالنبي ﷺ في أحواله الأربعة:
فالحال الأول: التوسل به قبل خلقه: لحديث: «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه.
قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله ﷾: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) (١) .
والحال الثاني: التوسل به ﷺ بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا:
_________________
(١) الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/٦١٥ كتاب التاريخ، قال الحاكم: صحيح، وتعقبه الذهبي بأنه موضوع.
[ ٤٤٥ ]
ويستدلون لذلك بحديث عثمان بن حُنيف (١)
﵁ أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئتَ دعوت لك، وإن شئتَ أخرت ذاك، فهو خير، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ»، قال: ففعل الرجل، فبرىء (٢) .
والحال الثالث: التوسل به ﷺ في البرزخ كالتوسل به وهو في قبره، ويستدلون لذلك بحديث دعاء النبي ﷺ لأم علي بن أبي طالب ﵁، ومنه قوله: (اللهم بحق نبيك، والأنبياء الذين قبلي) (٣) .
قال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) في بيان الدلالة الثانية: من الحديث (الثانية في التوسل به بعد وفاته؛ لأن قوله ﷺ: والأنبياء الذين من قبلي، معطوف على نبيك، وهي دلالة ظاهرة في التوسل بهم بعد وفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالتوسل به ﷺ بعد وفاته أولى) (٤) .
وحديث عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ حين قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إليها، فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون
_________________
(١) عثمان بن حنيف بن واهب بن الحكيم الأنصاري الأوسي، أول مشاهده أحد، وقال الترمذي: (شهد بدرا)، استعمله علي على البصرة قبل أن يقدم عليها، سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٨٩، الإصابة لابن حجر ٢/٤٥٩.
(٢) الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة ص٤١٧، وابن ماجه في سننه ١/٤٤١ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة، وأحمد في مسنده ٤/١٣٨ من حديث عثمان بن حنيف، والحاكم في مستدركه ١/٣٦٣ كتاب صلاة التطوع، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/١٦٦ - ١٦٨، باب في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه، وصححه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه ١/٢٣٢.
(٣) الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/١٢١، وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي ٩/٢٥٧.
(٤) تحفة الزوار ص١١١.
[ ٤٤٦ ]
بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق) (١) .
ويذكرون قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر الرسول ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا، قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك يا رسول الله ﷺ إلى ربي - ﷿ - وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء بقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال راوي هذه القصة العتبي (٢): ثم استغفر الأعرابي وانصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له، فخرجت خلفه فلم أجده (٣) .
والحال الرابع: التوسل به ﷺ في عرصات القيامة، حين يلجأ الناس إليه ليشفع لهم الشفاعة العظمى (٤) .
_________________
(١) الحديث أخرجه الدارمي في سننه ١/٤٣ - ٤٤ باب ما أكرم الله به نبيه بعد موته، وهو ضعيف، ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري ص٦٧، والألباني في التوسل ص١٠٤.
(٢) العتبي: محمد بن عبد الله بن عمرو الأموي، أحد الفصحاء الأدباء من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب، كان من أعيان الشعراء بالبصرة، ت سنة ٢٢٨هـ. انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي ٢/٢٥٣، شذرات الذهب لابن العماد ٢/٦٥.
(٣) انظر: مثير الغرام الساكن لابن الجوزي ٢/٣٠١ - ٣٠٢، وانظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٧٥، الجوهر المنظم للهيتمي ص١٢٤ - ١٢٥.
(٤) انظر: شفاء السقام للسبكي ص١٥٣، تحفة الزوار للهيتمي ص٨٩ - ١٣٦، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٣٠، ٣٩، المقالات السنية للحبشي ص٩٩، محق التقول للكوثري (ضمن المقالات ص٤٦١) .
[ ٤٤٧ ]
ويرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه أول من منع التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته (١) .
ويرون أنه أخرج الأحاديث الصحيحة في التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، عن دلالتها حين منع التوسل به ﷺ بعد وفاته (٢) .
ويرون أن من لم ير التوسل بعد وفاته، فلازمه أنه يرى أنه ليس برسول الآن، وليس له جاه (٣) .
ويرون أن من أنكر التوسل بالنبي ﷺ بحجة أنه بدعة فهو ذو فهم سقيم، وصدر ضيق، فروح الشريعة الإسلامية توجب التمييز بين أنواع البدعة، فمنها البدعة الحسنة، والبدعة السيئة، وأن هذا التوسل من البدعة الحسنة (٤) .
_________________
(١) انظر: شفاء السقام للسبكي ص١٥٣.
(٢) انظر: السيف الصقيل للسبكي، حاشية الكوثري ص١٥٥.
(٣) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٦٨، ٧١، ٧٩، ٨٠.
(٤) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٣٣.
[ ٤٤٨ ]