يستلزم القول بقدم العالم ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى أن قول شيخ الإسلام بإمكان حوادث لا أول لها يستلزم القول بقدم العالم
ادعى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يقول بقدم العالم بناء على قوله ﵀ بإمكان حوادث لا أول لها، ظنًا منهم أنه ليس في المسألة إلا قولان: قول المتكلمين الذين يرون امتناع حوادث لا أول لها ردًا على القائلين بقدم العالم، وقول الفلاسفة الذين يرون قدم العالم، فقال أبو بكر الحصني (ت - ٨٢٩هـ) في رده على ابن تيمية ﵀ (مبحث الرد عليه في القول بقدم العالم) (١) .
وقال آخر عن ابن تيمية ﵀: (أنه أثبت قدم الزمان) (٢) .
ويدّعون أن ابن تيمية ﵀ هو أوّل من قال بإمكان حوادث لا أول لها، كما يقول علي السبكي (ت - ٧٥٦هـ): (هذا هو الذي ابتدعه ابن تيمية والتزم به حوادث لا أول لها) (٣) . وحين يجدون ابن تيمية ﵀ يستدل بأقوال السلف، يبدأون بالإجابة عن هذه النصوص واحدًا تلو الآخر، ولا يجدون لها مخرجًا،
_________________
(١) دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد ص٦٠.
(٢) انظر: المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص٦٨.
(٣) السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ص٦٣.
[ ٢٨٣ ]
إلا أن يقولوا عن الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ إنه كان فيما سبق لا يخوض في صفات الله - سبحانه - ويصفون هذه بطريقة السلف، ثم انخدع بالكرامية، وأصبح مجسمًا مختل العقل عند تأليفه النقض (١) .
ويزعم المناوئون أن ابن تيمية ﵀ قد استفاد هذا القول من الفلاسفة، وبالأخص من متأخريهم، قال أحدهم: (اتفقت فرق المسلمين - سوى الكرامية وصنوف المجسمة - على أن الله - سبحانه - منزه من أن تقوم به الحوادث، وأن تحل به الحوادث، وأن يحل في شيء من الحوادث، بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة، ودعوى أن الله لم يزل فاعلًا متابعة منه للفلاسفة القائلين بسلب الاختيار عن الله - سبحانه -) (٢) .
وقال آخر: (ابن تيمية قد أخذ هذه المسألة - أعني قوله بقدم نوع العالم - عن متأخري الفلاسفة؛ لأنه اشتغل بالفلسفة) (٣) .
وانتقدوا عليه ﵀ قوله بقدم النوع، وحدوث الأفراد فقالوا: إنه يقول بـ (القدم النوعي في الكلام، مع أنه لا وجود للكلي إلا في ضمن الأفراد، فلا معنى لوصف النوع بالقدم، بعد الاعتراف بحدوث كل فرد من أفراده) (٤) .
وقال: (عدم فناء النوع في الأزل بمعنى قدمه، وأين قدم النوع من حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس بخلاف المستقبل) (٥) .
ويقولون: إنه يرى أن جنس الحوادث أزلي كما أن الله أزلي، أي لم يسبق الله - تعالى - بالوجود (٦) .
_________________
(١) انظر: حاشية السيف الصقيل للكوثري ص٧١ - ٧٢.
(٢) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٦.
(٣) المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص٧٢، وانظر: ص٦٨.
(٤) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٦٣.
(٥) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٧٤، وانظر: المقالات للكوثري ص٣٩٦، ٤١٥، المقالات السنية للحبشي ص٦٥، ٦٦، ٧٤، التنبيه والرد للسقاف ص٦ - ٢٣.
(٦) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٥.
[ ٢٨٤ ]
ولذلك قالوا عنه بأنه يقول بالقدم الجنسي للعرش، أي أن الله لا يزال يعدم عرشًا ويحدث آخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلًا وأبدًا (١) .
قال علي السبكي (ت - ٧٥٦هـ) في ابن تيمية ﵀:
يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله - سبحانه - عما يظن به (٢)
وقد قال ابن حجر العسقلاني (ت - ٨٥٢هـ) عن مسألة إمكان حوادث لا أول لها: (وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية) (٣) .
وتتلخص الدعاوى في الآتي:
١ - استشناع القول بإمكان حوادث لا أول لها، وأنه أول من قال بهذا القول.
٢ - رد القول بالقدم النوعي، وحدوث الأفراد، وهذه تابعة للتي قبلها.
٣ - قولهم بأنه يرى قدم جنس العرش، وهذه تابعة للتي قبلها.
٤ - قولهم بأنه موافق للفلاسفة في هذا القول (٤) .
_________________
(١) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٧، ٦٨، وانظر: حاشية الكوثري على السيف الصقيل ص٧٥، ابن تيمية ليس سلفيًا لمنصور عويس ص٢٤٢.
(٢) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦١، وانظرها في تحقيق صلاح الدين مقبول أحمد للحمية الإسلامية ص٣٢، ١٠٧.
(٣) فتح الباري ١٣/٤١٠.
(٤) ومن العجب أن يفهم الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ من ابن تيمية أنه يقول بأن العرش أول مخلوق، فقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٢٠٧ ضمن فوائد حديث: (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم)، قال: (وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله ﷺ وإنما يقول به من قال كابن تيمية وغيره استنباطًا واجتهادًا) . وذكر - أيضًا - في ص٢٠٨: أن من فوائد الحديث: الرد على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وأن ابن تيمية أطال في رده على الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها، وأنه جاء بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، وذكر أن ذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض، وود الألباني أن لم يلج ابن تيمية هذا المولج، وهذا عجيب من الألباني ﵀.
[ ٢٨٥ ]