وإهانته لهم، ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى بغض شيخ الإسلام الأنبياء والصالحين، وإهانته لهم
يعتقد المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يبغض الأنبياء والصالحين، وأن في قلبه ضغينة وحقدًا عليهم، وإذا سئلوا عن سبب هذه النظرة منهم إليه، وعن مبرراتها؟.
أجابوا: بأن الاستشفاع بالرسول ﷺ بعد موته جائز، وأنه لا يلزم من الاستشفاع به ﵊ بعد موته أن يكون المستشفع قد عبده من دون الله، أو اتخذه إلهًا وربًا، وشريكًا لله - ﷿ - في الإلهية، وأن من جعل بين هذين الأمرين تلازمًا فقد أُتي من جهله، وسوء فهمه، وعدم تعقله (١) .
ويرون أن الاستشفاع بالأموات قد أقرت به القرون الأولى إلى أن جاء ابن تيمية ﵀ ثم حرمه بعد ذلك من عند نفسه (٢) .
وأجابوا - أيضًا - بأن التبرك بآثار الصالحين جائز، قد أقر به الصحابة في
_________________
(١) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص١٢١.
(٢) انظر: البراهين الجلية للموسوي ص٣٥، الوهابية في الميزان للسبحاني ص٢٩٣.
[ ٤٦٣ ]
عهد رسول الله ﷺ، ومن بعدهم، إلا أن ابن تيمية ﵀ يحرم هذا النوع من التبرك (١) .
ومن تبريرهم لبغض شيخ الإسلام ﵀ للأنبياء والصالحين: أنه ينكر الاستغاثة بالرسول ﷺ، كما قال السبكي (ت - ٧٥٦هـ): (اعلم أنه يجوز، ويحسن التوسل، والاستغاثة، والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه ﷾ ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء) (٢) .
وقال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ): (من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مُثلة: أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به ﷺ) (٣) .
ويرون أن الاستغاثة بمخلوق لا تكون عبادة له إذا صاحبها إيمان بالله وحده.
فإذا كان المستغيث بمخلوق مؤمنًا بالله، فلا يكون عابدًا لهذا المخلوق، إنما عبوديته لله وحده (٤) .
ويرون أن المنع من الاستغاثة بالكلية مصادم للأحاديث الصحيحة، ولفعل السلف والخلف (٥)، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
_________________
(١) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ١٥٣، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٢٧٤.
(٢) شفاء السقام ص١٥٣.
(٣) الجوهر المنظم ص١٤٨، وانظر: شواهد الحق للنبهاني ص٥٥.
(٤) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص١٤٢، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ١٠٦.
(٥) انظر: حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص١١٠.
[ ٤٦٤ ]
ويستشهدون لجواز الاستغاثة بالرسول ﷺ بقصص، وأخبار وأشعار (١)، أشهرها قصيدة البوصيري (٢)،
وفيها قوله:
يا أكرم الرسل مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلّى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم (٣)
ومنها قوله - أيضًا - في همزيته:
الأمان الأمان إن فؤادي من ذنوب أتيتهن هواء
قد تمسكت من ودادك بالحبـ * ل الذي استمسك به الشفعاء
فأغثنا يا من هو الغوث والغيـ ث إذا أجهد الورى اللأواء (٤)
_________________
(١) انظر: نماذج من هذه في دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص١١٧ إلى نهاية الكتاب، وشواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق ص٣٠٠ - ٤١٠ فقد ذكر قصصًا وأشعارًا كثيرة، القصيدة البغدادية في مدح خير البرية للشافعي، مجموعة القصائد والموالد والأشعار في المدائح النبوية (مجموع)، شرح الهمزية في مدح خير البرية لمحمد شلبي، القصائد الوترية في مدح خير البرية للبغدادي (ورتبها على حروف المعجم)، طراز البردة لمحمد كامل عبد العظيم، المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة لابن حسين.
(٢) البوصيري: محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله البوصيري المصري أبو عبد الله، شاعر، حسن الديباجة، أبياته قوية المباني، لكنه مخرف في الاعتقاد، ت سنة ٦٩٦ هـ. انظر في ترجمته: فوات الوفيات للكتبي ٣/٣٦٢، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٤٣٢.
(٣) انظر: ديوان البوصيري ص٢٤٨، وفي طبعة مستقلة للبردة طبعتها الدار العالمية، قال: يا أكرم الخلق بدلًا من: يا أكرم الرسل، وقال: إذا الكريم تجلى، بدلًا من: إذا الكريم تحلّى. ص٢٩ - ٣٠.
(٤) انظر: ديوان البوصيري ص٧٢ - ٧٣.
[ ٤٦٥ ]