وأن شيخ الإسلام يحرم ذلك، ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى جواز التوسل بالأنبياء والصالحين،
وأن شيخ الإسلام يحرم ذلك
يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ جواز التوسل بذوات المخلوقين من الأنبياء والصالحين، وأن هذا من شريعة الإسلام، قد جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة.
فمن الكتاب يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] .
إذ الوسيلة عامة تشمل التوسل بالأشخاص، والتوسل بالأعمال، بل يرون أن المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك رغم تقول كل مفتر (١) .
وأما من السنة فيستدلون بحديث توسل عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ بالعباس (ت - ٣٢هـ) ﵁ وبغيره (٢) .
وأما الإجماع: فقد حكى الإجماع على جواز التوسل بذوات الأنبياء في حياتهم حضورًا أو غائبين، وبعد مماتهم: جمع منهم، ويرون أن هذا هو اتفاق
_________________
(١) انظر: محق التقول في مسألة التوسل للكوثري ضمن مقالات الكوثري ص٤٥٠.
(٢) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص٤٥١، مصباح الأنام للحداد ص٦٣، حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء ﵉ لمخلوف ص٣٧ - ٣٨.
[ ٤٢٨ ]
السلف عبر القرون المفضلة الأولى، حتى جاء ابن تيمية ﵀ بعد القرن السابع، وخرق هذا الإجماع:
(وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أَنِ ابتدع إنكار ذلك الحراني) (١) .
(الخلاف هو على التوسل بالميت الصالح، ولم يكن يختلف على جوازه أحد من السلف إلى القرن السابع، حيث ابتدع ابن تيمية هذا الخلاف الفتان) (٢) .
(وطوال أربعة عشر قرنًا: لم ينكره أحد سوى ابن تيمية وتلاميذه في القرن الثامن الهجري!) (٣) .
(التوسل بالأموات زعم ابن تيمية أنه ممنوع) (٤) .
وقال السبكي (ت - ٧٥٦هـ): (لم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) (٥) .
ولا يكتفي المناوئون لابن تيمية ﵀ بإباحة التوسل بالأنبياء والصالحين، واستحبابه، بل يرون أن التوسل مشروع بعامة المسلمين وخاصتهم (٦) .
وينكرون على من منع سؤال أولياء الله الموتى، بأنه لا حجة لهم إذا استدلوا بحديث: «إذا سألت فاسأل الله» (٧)، لأن الأموات الصالحين أحياء في
_________________
(١) محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص٤٦٨.
(٢) الإفهام والإفحام لمحد زكي إبراهيم ص٧.
(٣) الوهابية في الميزان لمحمد السبحاني ص١٦٢.
(٤) مصباح الأنام للحداد ص٥٤.
(٥) شفاء السقام ص١٥٣.
(٦) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص٤٦٦.
(٧) الحديث أخرجه أحمد في مسنده ١/٢٩٣ من حديث ابن عباس ﵄؛ وصححه الألباني كما في صحيح الجامع ٢/١٣١٧ - ١٣١٨.
[ ٤٢٩ ]
قبورهم يتصرفون، وأنه تواتر عن المصطفى ﷺ على أن موتى المؤمنين في البرزخ يعلمون، ويسمعون، ويرون، ويقدرون على الدعاء، وأن الشكوى لهم من ظلم الظالم قد تفيد، فلهم ما شاء الله من التصرفات (١) .
ويرون تخطئة ابن تيمية ﵀ حين فرق بين التوسل بالأحياء الحاضرين القادرين، وبين التوسل بالميت، بأنه لا دليل على التفريق بين الحي والميت، ومن فرق بين الحي والميت فهو دليل على أنه يرى فناء الأرواح، وهذا يؤدي إلى إنكار البعث (٢) .
ويذكرون مثالًا على جواز التوسل بالصالحين الموتى: أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ كان يتوسل بأبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ ببغداد، يأتي إلى ضريحه ويركع ركعتين، ويتوسل به (٣) .
_________________
(١) انظر: حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٢٦١ - ٢٦٢.
(٢) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص٤٥٠.
(٣) انظر: مصباح الأنام للحداد ص٥٧.
[ ٤٣٠ ]