ولد ﵀ يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة ٦٦١هـ. في حرّان. (٤)
وفي سنة ٦٦٧هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق (٥)، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٣٥.
(٢) ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، حافظ للحديث، عارف بالأدب، من كبار الحنابلة، أخذ عن ابن تيمية، وصنف في مناقبه، ورد على السبكي في الصارم المنكي، ت سنة ٧٤٤هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/٤٢١، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٤١، بغية الوعاة للسيوطي ١/٢٩.
(٣) العقود الدرية ص٢.
(٤) انظر: العقود الدرية ص٢.
(٥) انظر: قطعة من ذيل تاريخ الإسلام للذهبي ص٢٢، والأعلام العلية للبزار ص٢١.
[ ٢٢ ]
علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره (١) .
ومما ذكره ابن عبد الهادي ﵀ عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.
وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي (٢)، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه (٣) حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًا، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) (٤) .
(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالبًا - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.
_________________
(١) انظر: القول الجلي لمحمد صفي الدين البخاري ص١٩٥.
(٢) ابن عبد القوي: محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المرداوي المقدسي، المحدث النحوي، درس وأفتى، وصنف وبرع في العربية واللغة، كان حسن الديانة دمث الأخلاق، كثير الإفادة، قرأ عليه ابن تيمية العربية، ت سنة ٦٩٩هـ. انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي ٨/١٩٢، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٤٥٢.
(٣) سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، إمام النحو، وحجة العربية، طلب الفقه والحديث، ثم أقبل على العربية حتى صار أعلم المتقدمين بالنحو، ت سنة ١٨٠هـ. انظر في ترجمته: تاريخ العلماء النحويين للمعري ص٩٠، تاريخ بغداد للخطيب ١٢/١٩٥.
(٤) العقود الدرية ص٣.
[ ٢٣ ]
فإنه لم يكن مستعارًا، بل كان له شعارًا ودثارًا، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) (١) .
وكان ﵀ حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار (٢) ﵀ (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثًا، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) (٣) .
وكان ﵀ ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صينًا، تقيًا، برًا بأمه، ورعًا عفيفًا، عابدًا، ذاكرًا لله في كل أمر على كل حال، رجاعًا إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافًا عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ عنه: (ثم لم يبرح شيخنا ﵀ في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد
_________________
(١) الأعلام العلية للبزار ص٢٢.
(٢) البزار: عمر بن علي بن موسى البغدادي الأزجي البزار، عني بالقرآن والحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق، وأخذ عن ابن تيمية وترجم له، وحج مرارًا، كان حسن القراءة، ذا عبادة، ت سنة ٧٤٩هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/٢٥٦، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٦٣.
(٣) الأعلام العلية ص٣١، ٣٢.
[ ٢٤ ]
في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) (١) .