امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة ٧٠٥هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة (٢)، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ
_________________
(١) انظر: ابن تيمية السلفي لمحمد هراس ص١٦ - ١٧.
(٢) انظر تفصيل ذلك في: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٦ - ٣٩، وحكاية المناظرة في العقيدة الواسطية في مجموع الفتاوى ٣/١٦٠ - ١٩٤.
[ ٢٨ ]
الإسلام ﵀ أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد (١) .
واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة ٧٠٧هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.
وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية (٢) في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام ﵀ فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولًا عند رغبتهم وإلحاحهم.
وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهًا إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.
وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص١٩٦ - ١٩٨.
(٢) الصوفية: نسبة إلى لبس الصوف - على الصحيح - ويرى بعض الباحثين أن بداية التصوف هو الزهد في الدنيا، والتمسك بالأخلاق مثل: زهد إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض وغيرهما، ثم بعد ذلك تعددت فرق الصوفية، وازدادت بعض الفرق بعدًا عن الحق وغلوًا حتى قال بعضهم بالحلول والاتحاد، وقالوا بترك الواجبات وعمل المحرمات تعبدًا. انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٦١، الصوفية الفقراء لابن تيمية، (ضمن مجموع الفتاوى ١١/٥ - ٢٤)، التصوف لطلعت غنام ص٥ - ٢٨، نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها لعرفان عبد الحميد ص١١٥ - ١٢٤، المذاهب الصوفية ومدارسها لعبد الحكيم قاسم.
[ ٢٩ ]
وفي سنة ٧٠٩هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلًا لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون (١) بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية ﵀ وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.
وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق (٢)، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة ٧٢٠هـ إلى سنة ٧٢١هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.
وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلامًا له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد ﷺ، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة ٧٢٦هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة ٧٢٨هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف (٣) .