قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ): (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا
_________________
(١) ألفه ابن تيمية ﵀ بعد نقد المحصل بثلاثين سنة كما في الدرء ١/٢٢ وقبل الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، انظر: الفرقان ص١٩٩.
(٢) ألفه ابن تيمية قبل الفرقان بين وأولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما في الفرقان ص١٨٩.
(٣) ألفه ابن تيمية بعد الدرء كما في النبوات ص٧٧، وبعد بغية المرتاد كما فيه ص١٢٠، وبعد شرح الأصفهانية كما فيه ص٢٢٦، وبعد الجواب الصحيح كما فيه ص٢٢٧.
(٤) من كتبه التي هي في عداد المفقود: جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، وقد ذكرها في أكثر من موضع انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٥/٢٤٠، والفتاوى الكبرى ٥/٣٧، ومن الكتب المفقودة: شرح أول المحصل للرازي، وقد ذكره ابن تيمية في الصفدية ٢/١٥١، ٢٨١، وفي منهاج السنة ١/١٦٨، ودرء تعارض العقل والنقل ١/٢٢، ومن كتبه المفقودة الرد على ابن سينا في الإشارات، وقد ذكرها ابن تيمية في الصفدية ٢/٢٨١، وفي درء تعارض العقل والنقل ٤/٢٥٨، وممن اعتنى بإحصاء كتب شيخ الإسلام: الحافظ ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص٢٦ - ٦٧، وانظر: الثبت لعلي الشبل فقد ذكر عددًا كبيرًا من مؤلفات ابن تيمية ﵀، ومجموعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية للشيباني.
[ ٣٣ ]
يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم (١) والتبيين) (٢) .
وقال أيضًا فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) (٣) .
وكتب فيه قوله:
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر (٤)
وقال ابن دقيق العيد ﵀ (٥):
(لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) (٦) .
_________________
(١) في هذا رد على من قال بوجود الخلل في عبارة ابن تيمية بسبب الإيجاز، كما ذكر ذلك د. عمر فروخ في ابن تيمية المجتهد ص٩٢.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٧ - ٨.
(٣) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٩/٢٧٢.
(٤) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٩، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢، وهذا الثناء من ابن الزملكاني على ابن تيمية كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/١٣٧ يمثل المرحلة الأولى من مراحل ابن الزملكاني مع ابن تيمية، فقد تغير عليه، فقد سافر سفره الذي مات فيه، وفي نيته أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تيمية، والأعمال بالنيات، كما يذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/١٣٢ والله أعلم بالسرائر.
(٥) ابن دقيق العيد: محمد بن علي بن وهب القشيري المنفلوطي، أبو الفتح المعروف بابن دقيق العيد، صاحب التصانيف، ولي القضاء بمصر، ت سنة ٧٠٢هـ. انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٨١، الدرر الكامنة لابن حجر ٤/٢١٠، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٥.
(٦) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص١١١.
[ ٣٤ ]
وقال أبو البقاء السبكي (١): (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) (٢)، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) الإمام السبكي (٣) كتب معتذرًا مبينًا رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخاره بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) (٤) .
وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي،
_________________
(١) أبو البقاء السبكي: محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي السبكي، بهاء الدين، أخذ عن القونوي وأبي حيان، فمهر في العربية والفقه وأصول الفقه والتفسير، باشر القضاء مرارًا، ت سنة ٧٧٧هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٤/١٠٩ - ١١٠، بغية الوعاة للسيوطي ١/١٥٢ - ١٥٣.
(٢) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٩٩.
(٣) السبكي: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي، أبو الحسن، أحد الحفاظ المفسرين، ووالد التاج السبكي صاحب الطبقات، ولي القضاء في الشام، ثم عاد إلى القاهرة، وتوفي فيها، له ردود على شيخ الإسلام في مسائل كثيرة كمسألة شد الرحل (الزيارة)، وفناء النار، ومسألة الطلاق وغيرها، ت سنة ٧٥٦هـ. انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي ١٠/١٣٩، الدرر الكامنة لابن حجر ٣/١٣٤، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٨٠.
(٤) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص١٠٠.
[ ٣٥ ]
ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:
(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) (١) .
وقوله: (ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحدًا أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف) (٢) .
وقال: (هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) (٣) .
ومما قاله في رثائه:
يا موت خذ من أردت أو فدع محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانقصمت عرى التقى واشتفى أولو البدع
غيبت بحرًا مفسرًا جبلًا حبرًا تقيًا مجانب الشيع
اسكنه الله في الجنان ولا زال عليًا في أجمل الخلع
مضى ابن تيمية وموعده مع خصمه يوم نفخة الفزع (٤)
_________________
(١) ذيل تاريخ الإسلام للذهبي ص٢١ - ٢٢.
(٢) ذيل تاريخ الإسلام للذهبي ص٢٣.
(٣) ذيل تاريخ الإسلام ص٢٣.
(٤) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٧٣.
[ ٣٦ ]
وقال فيه: (كان قوالًا بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه) (١) .
وقال عنه: (لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي، فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالًا ولا جاهًا بوجه أصلًا، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوبًا له مغفورة في سعة كرم الله تعالى) (٢) .
وقال الشوكاني ﵀ (٣)
(إمام الأئمة (٤) المجتهد المطلق) (٥) .
_________________
(١) ذيل تاريخ الإسلام ص٢٣.
(٢) ذيل تاريخ الإسلام ص٢٥ - ٢٦، وللاستزادة في ثناء الذهبي على شيخ الإسلام انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٤، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص٣٨٨ - ٤٠١، والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٦٨ - ٧٣، الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦٠، وغيرها، وقد أطلت في ذكر النقولات عن ثناء الإمام الذهبي على شيخ الإسلام ابن تيمية لتجلية موقف الذهبي من شيخه، وللرد على من زعم أن الذهبي أرسل نصيحة لشيخه تدعى النصيحة الذهبية، يحذره وينصحه، وقد ألف محمد بن إبراهيم الشيباني رسالة نقد فيها (النصيحة الذهبية) سندًا ومتنًا، فأجاد وأفاد، وسماها (التوضيح الجلي في الرد على (النصيحة الذهبية) المنحولة على الإمام الذهبي)، فجزاه الله خيرًا.
(٣) الشوكاني: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، الإمام العلامة المجتهد، محدث فقيه مفسر مؤرخ، ولي القضاء مدة، وله مؤلفات أشهرها: نيل الأوطار، وفتح القدير، البدر الطالع، ت سنة ١٢٥٠هـ. انظر في ترجمته: البدر الطالع للشوكاني ٢/٢١٤، التاج المكلل لصديق حسن خان ٤٤٢.
(٤) لو قال: إمام الأئمة في عصره لكان أولى، لأن إمام الأئمة على الإطلاق هو الرسول ﷺ وهو إمام المرسلين. ولذلك صلى بالأنبياء إمامًا ليلة المعراج، فالأنبياء هم أئمة الناس، ونبينا ﷺ إمامهم. وشيخ الإسلام قدوته في ذلك رسول الله ﷺ وهو مؤتم به.
(٥) البدر الطالع ١/٦٣ - ٦٤.
[ ٣٧ ]
رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته (١) .