١- جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " كلاّ والله لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطرًا ولتقصرنّه على الحق قصرًا " ١.
٢- وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَثَلُ القائم على حدود الله والمُدْهن٢ فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبّون على الذين في أعلاها فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تَصْعَدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإننا
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: ٣١- كتاب الملاحم، ١٧- باب الأمر والنهي ٤/٥٠٨-٥٠٩، والترمذي: ٤٨- كتاب التفسير، ٦- باب ومن سورة المائدة، ٥/٢٥٢-٢٥٣، وابن ماجه: ٣٦- كتاب الفتن، ٢٠- باب الأمر بالمعروف ٢/١٣٢٧-١٣٢٨، وضعّف الحديث بالانقطاع، لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وقد أخرج ابن ماجه الحديث من روايتين: إحداهما: عن أبي عبيدة عن النبي ﷺ، وهذا مرسل، والأخرى: عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ، مثل رواية أبي داود والترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ٢ في روايةٍ عند أحمد ٤/٢٧٠، "مثل القائم على حدود الله تعالى والراتع فيها والمدهن " وفي رواية عنده: ٤/٢٧٣-٢٧٤، "مثل المدهن والواقع في حدود الله قال سفيان مرة: "القائم في حدود الله مثل ثلاثةٍ ركبوا ". و"المُدْهن" من الإدْهان، وهو المحاباة في غير حق، والمراد به هنا التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ٩٩ ]
ننقبها من أسفلها فنستقي. فإن أَخذوا على أيديهم فمنعوهم نَجوا جميعًا وإن تركوهم غرقوا جميعًا" ١.
٣- وقال ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
ولاشك في أن معاني هذه النصوص هي من أحكام الدين ومقاصده، ولا يستطيع أحد أن يُبْطلها، أو ينفي ثبوتها ضمن ما شرعه الله من أحكام ومقاصد جليلة لهذا الدين، فقد أوجب الله تغيير المنكر، بَيْدَ أَنه إنما يكون بالأسلوب والطريق الذي أمر الله به، فينبغي أن ينزّل الحكم على ما أنزله الله عليه.
والخطاب في مثل هذه النصوص عامّ للأمة، بما فيهم السلطان ونائبه والعلماء والدعاة وسائر المسلمين، وهو خطاب لمجموع الأمة وليس لفرد من أفرادها، والمراد منه مَنْع المنكر بالوسائل المناسبة المطلوبة من كل شخص، وليس لفردٍ ليس له سلطة شرعية أن يقوم بإزالة المنكر بالقوة، فقد يؤدّي
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ الترمذي: ٣٤- كتاب الفتن، باب رقم ١٢، في ٤/٤٧٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد: ٤/٢٦٨، بلفظ نحوه أيضًا في ٤/٢٧٠و٢٧٣-٢٧٤. ٢ أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، ح ٤٩ ١/٦٩، وأبو داود: ٢- كتاب الصلاة، ٢٤٨- باب الخطبة يوم العيد ١/٦٧٧-٦٧٨، وفي:٣١- كتاب الملاحم، ١٧- باب الأمر والنهي ٤/٥١١، والترمذي: ٣٤- كتاب الفتن، ١١- باب ما جاء في تغيير المنكر ٤/٤٦٩-٤٧٠. وأخرجه النسائي: ٤٧- كتاب الإيمان، ١٧- باب تفاضل أهل الإيمان ٨/٩٨.
[ ١٠٠ ]
ذلك إلى منكر أكبر، وهذه النصوص لا يراد بها ذلك، والنصوص الأخرى تَمْنع مثل هذا. وكيف يُفْهم من نصوص الشريعة أنه يجوز فِعْل مثل هذا المنكر وهي التي تأمر بإزالة المنكر؟!.
إن هذه النصوص مراد فيها معنى إيجاب تغيير المنكر مع توافر أسلوب الحكمة والاستطاعة، ومنها قوله ﷺ: "مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
ومن العجيب أن يأخذ بعض الناس مثل هذا النص وحده معزولًا عن بقية النصوص الأخرى ذات العلاقة بالموضوع، وينزّله -بسبب ذلك- على غير معناه الذي عناه الشارع، فلا يَفْهم منه إلا إيجاب تغيير المنكر، ولا يَلْتفت إلى ضرورةِ تَوَافُرِ شروط التغيير للمنكر ووسائله وأساليبه المناسبة، وقد يتمسك ببعض الأساليب التي لا تليق شرعًا بالتغيير، مع أن هذا النص ليس فيه الأمر بغير أسلوب الحكمة، والنصوص الأخرى لا توهم جواز تغيير المنكر بمنكر، أو الخروج عن الحكمةِ والأسلوب الرفيق، الهادي إلى الله تعالى: "وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
على أن هذا أيضًا لا يُبْطل القول بـ"إن الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن" بَيْد أنه ينبغي أن ينزّل كل شيء في منزله الصحيح، فإذا لم يمكن التغيير بأسلوب الدعوة والهداية فإنه يتعيّن على مَنْ له سُلْطان، مِنْ ولاية عامة أو خاصة، أن يستخدم سلطانه في تغيير المنكر، وهنا يقال: "إن الله ليزع
_________________
(١) ١ سبق تخريجه آنفًا.
[ ١٠١ ]
بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، بشرط أن لا تكون البداية بهذا، وإنما بأسلوب الدعوة والرفْقِ والأُخوةِ واللين والمحبة؛ لأنه يمكن أن نقول أيضًا، "إن الله ليزع بالقرآن ما لا يزع بالسلطان"، فمن يَنْظر للواقع ولفطرة الناس لا يمتري في ذلك، بل إن هذا هو الأصل، وأما التغيير بالسلطان فهو بمثابة الكي يكون آخر الدواء إذا قدّر أن المصلحة الشرعية تقتضي التغيير به.
ولا يفوت هنا أن أُنبِّه إلى أنّ هذا إنما هو في مجال التعامل العام مع عموم الناس، أما القضايا المرفوعة للسلطان فلها أحكامها القضائية الشرعية المعلومة، فليست مما فيه هذا الموضوع.
وأخيرًا ينبغي هنا التنبُّهُ إلى دلالةٍ مهمّة، تدل عليها النصوص الواردة في كلٍ مِن الرفق واللين، والشدّة والغِلظة، وهي دلالة مجموع النصوص، والنظر إلى مقْصدها العامّ؛ فبالنظر إلى جميعها يتبيّنُ لنا: أَنّ الشدّة والغِلظة في الدعوة خطأٌ يأباه هذا الدين، ويَرُدُّه سيرة سيد المرسلين ﷺ؛ وأنّ الرفق واللين قد جاء الأمر بهما أمرًا عامًّا، وجاء الثناء عليهما ثناءً عامًَّا، ليس في ذلك حالةٌ مستثناةٌ مِن هذا الأمر وهذا الثناء؛ بخلاف الشدة والغِلظة؛ فإنّ ما جاء مِن النصوص التي يمكن أن يُستدَل بها عليهما، لا تَدُل على ذلك صراحةً، ثم لم يأتِ ذلك في صورة الدعوة العامّة إليهما، وإنما في حالاتٍ استثنائيةٍ قد تقتضي ذلك؛ ولهذا جاء لفظ الحديث الشريف: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنْزع من شيء إلا شانه" ١. وهكذا ما ماثَلَهُ مِن الأحاديث
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم، ٢٥٩٤، البر والصلة والآداب، وأخرجه أبو داود ٩- الجهاد، ١- باب ماجاء في الهجرة وسكنى البدو ٣/٧، وأخرجه أحمد ٦/٥٨ و١١٢، و١٢٥ و١٧١، و٢٠٦، و٢٢٢.
[ ١٠٢ ]
التي سبقت الإشارة إليها١؛ بينما لا نجِدُ في نصوص الشرع مثل هذا العموم في الحديث عن الشدّة والغِلظة!.
وأَمرٌ آخر نلاحظه في دلالة هذه النصوص، وهو أن الرفق واللين لم يَرِد في النصوص الشرعية ذمٌّ لهما مطلقًا؛ بينما قد ورَدَ في النصوص الذمُّ للشدّة والعنف؛ كما في قوله ﷺ: "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" ٢. وقوله ﷺ: "إن الله رفيق يُحِبُّ الرفْق في الأمر كله" ٣. وقوله ﷺ: "يَسِّروا ولا تُعسّروا وَبشِّروا ولا تُنفّروا" ٤. وقد سبق ذكْر هذه الأحاديث في "بيان المنهج والأسلوب الصحيحين للأخذ بالسُّنَّة والدعوة إليها".
_________________
(١) ١ في "بيان المنهج والأسلوب الصحيحين للأخذ بالسُّنَّة". ٢ أخرجه مسلم: ٢٥٩٢، ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، ٤/٢٠٠١، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦، وأحمد في المسند: ٤/٣٦٢،٣٦٦. ٣ أخرجه البخاري: ٨٨- استتابة المرتدين، ٤- إذا عرّض الذمي أو غيره بسبّ النبي ﷺ، الفتح ١٢/٢٨٠، وفي مواضع أُخَرَ. وأخرجه مسلم في مواضع متعددة، منها الموضع السابق، ح٧٧، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦ وغيرهم. ٤ أخرجه البخاري عن أنس، ٣-كتاب العلم، ١١- باب ما كان النبي ﷺ يتخوّلهم بالموعظة والعلم كي لا يَنْفِرُوا، الفتح ١/١٦٣، وفي مواضع أخر. وأخرجه مسلم في: ٣٢- الجهاد، ح ٤، وفي مواضع أُخَرَ، وأحمد في مواضع متعددة منها: ١/٢٢٩و٢٨٣.
[ ١٠٣ ]
وبهذا يتبيّن أنه لا دليل في الشرع يدعو إلى العنف والشدّة في الدعوة١، وأنه لا حجةَ لصنفين مِن الناس في هذا الباب:
الصنف الأول: مَن أخطأ عن براءةٍ وحُسْن قصدٍ؛ فأخذ بجانب الشدّة في الدعوة ظنًّا منه بأن هذا هو طريق الدعوة إلى الله تعالى. ومِثْل هذا نقول له: اتّق الله وصَحّح الفهم.
الصنف الثاني: مَن اتخذ الدين تُكأةً لأَكْل الدنيا، وزَعمَ أن الشدة والغِلظة هما طريق الدعوة إلى محاسن هذا الدين، وليس هدفه الدين، وإنما الدنيا!. ومِثْل هذا نقول له: اتّق الله؛ فإنّ القضيةُ عندك ليست قضية فَهْم، وإنما هي قضيّة لَهْم!.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، فلولاه ما اهتدينا إليه.
_________________
(١) ١ ويُنْظر أيضًا ما سبق في موضوع: الحكمة في الدعوة إلى السنّة وصُوَرٌ مِن مظاهرها.
[ ١٠٤ ]