أمثلة لتعدُّدِ الصُّوَر لبعض السنن
تعدُّد الصوَر مِما يتبيّن به منهج الإسلام في الدعوة إلى السنة، ويتبين به كذلك طبيعة السنة في هذا الدين.
وقد تَبَيَّنَ مما سبق أنّ السنّة في أمرٍ ما قد لا تَلْزم صورة واحدة محدّدة في جميع الأحوال، بل قد تكون السنّة في أمْرٍ ما على صُوَرٍ متعددة، والسنن التي جاءت على هذا الوجه كثيرة، ومن هنا لَزِم التنبيه إلى هذا الأمر؛ كي لا يأخذ المرء وجهًا واحدًا من السنّة في موضوعٍ ما ويُبْطلُ الوجه الآخر من السنّة، ولا أريد حصْر هذا النوع من السنن هنا، وإنما أضرب بعض الأمثلة لها فيما يلي ليستبين المعنى، فمن ذلك:
١- الدعاء للميت في صلاة الجنازة١، قال ابن قدامة ﵀ بعد أن ذكر الآثار الواردة في ذلك: وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه، وليس فيه شيء مؤقت٢ أي محدّد لا يجوز إلا به.
٢- ويُسنّ تعزية أهل الميت، قال ابن قدامة ﵀: يستحبّ تعزية أهل الميت. لا نعلم في هذه المسألة خلافًا٣.
ومع ذلك فليس في ألفاظ التعزية شيء محدَّد لا تجوز إلا به أو ينبغي
_________________
(١) ١ يُنْظر: المغني: ٣/٤١٦-٤٣١. ٢ المغني: ٣/٤١٦. ٣ المغني ٣/٤٨٥.
[ ١٠٦ ]
التقيّد به، قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم في التعزية شيئًا محدودًا١.
٣- والردّ من المعزَّى على من عزّاه ليس فيه ألفاظ محدّدة من باب أولى.
٤- وغسْل الأعضاء في الوضوء بين مرّة واحدة إلى ثلاث مرات، كل ذلك مجزئ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
٥- وعدد الركعات في قيام الليل أقله ركعتان سوى الوتر، ولا حدّ لأكثره. وقد جاءت روايات متعدّدة في صلاة النبي ﷺ من الليل، وبين بعضها خلاف في العدد، فبعضها أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، وفي بعضها أنه كانه يصلّي ثلاث عشرة ركعة٣.
والصواب أن التحديد في عدد الركعات ليس هو الأصل في قيام الليل، وأن الصحابة الذين رووا التحديد في قيام النبي ﷺ كل منهم روى ما رأى، ﵁، وقد قال النبي ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى " ٤، فأطلق ولم يحدد.
_________________
(١) ١ المغني: ٣/٤٨٥. ٢ يُنْظر: المغني: ١/١٧٩،١٩٢-١٩٣. ٣ يُنْظر: صحيح الإمام البخاري: ١٩- التهجد. الأبواب الأُولى منه، ولاسيما العشرة الأُولى، وكتاب التروايح، والباب رقم ٢٤ من كتاب المناقب منه أيضًا. ويُنْظر: ٦-صلاة المسافرين. من صحيح الإمام مسلم. ويُنْظر: "المغني" لابن قدامة: ٢/٥٦٠-٥٦١. ٤ متفق عليه، أخرجه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه منها: كتاب الصلاة: باب الحِلَق والجلوس في المسجد. ومسلم في صحيحه في: صلاة المسافرين: باب صلاة الليل مثنى مثنى
[ ١٠٧ ]
ومن هنا يُعْلَم أنه ما كان ينبغي أن تُجْعل صلاة التراويح وعدد ركعاتها -هل هي عشرون ركعة أو أقل أو أكثر- قضيةً يُثار فيها الخلاف والتعصب للآراء!.
٦- وعدد ركعات الوتر قد جاءت فيه روايات متعددة مختلفة، ما بَيْنَ ثلاث ركعات إلى تسع أو إحدى عشرة ركعة١. وليس الأصل في ذلك تحديد عددٍ مُعَيّن، فقد قال النبي ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفْت الصبح فأوتر بواحدة". متفق عليه٢.
٧- وكيفية صلاة الوتر، قد جاءت بها الروايات على صور متعددة، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من كل؟؟أوتأو ركعتين وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهّد ولم يُسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهّد ويسلّم، وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهّد ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويُسلّم "٣.
فإذا كانت الروايات في كيفية صلاة الوتر يُفْهَمُ منها هذه الصُّوَرُ كلها فلماذا تثار فيها الخلافات والتعصبات للآراء ومذاهب الأئمة؟!.
_________________
(١) ١ يُنْظر: "المغني" لابن قدامة: ٢/٥٨٨-٥٨٩. ٢ مضت الإشارة آنفًا إلى موضعه من الصحيحين. ٣ المغني: ٢/٥٨٩، ويُنْظر باقي المبحث إلى ص٥٩١.
[ ١٠٨ ]
لعلّ في هذه الأمثلة التفصيلية كفاية لإثبات الحقيقة التي أشرت إليها من أنّ السنة في بعض الأمور قد لا تَلْزم صورة واحدة أو وجهًا واحدًا. ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة أخرى كثيرة غير هذه. ولكن أكتفي -إضافة إلى ما سبق- بسرد إجماليّ لبعض الأمثلة الأخرى فيما يلي:
٨- الترجيع في الأذان، وعدم الترجيع، كل ذلك جائز١.
٩- الإفراد في الإقامة، والتثنية، كل ذلك جائز٢.
١٠- الجهر بالبسملة، والمخافتة بها في الصلاة، كلاهما جائز٣.
١١- ألفاظ التشهّد المتعددة الثابتة عن النبي ﷺ، كلها جائزة، ولا ينبغي أن يُرَدَّ بعضها ببعض.
١٢- أنواع الاستفتاح الثابتة في الصلاة، كلها جائزة.
١٣- ألفاظ الدعاء الثابتة للمتزوج، كلها جائزة.
١٤- ألفاظ الدعاء الثابتة لمن أطعم الطعام، كلها جائزة.
١٥- وكذلك الحال بالنسبة لخطبة الحاجة، فهي واردة عن النبي ﷺ، ولكنها ليست لازمة في كل حال، كما تدل عليه الروايات الأخرى الثابتة عن النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ يُنْظر ما في الصفحات: ١٤٩، ١٥٥. مِن هذا الكتاب. ٢ يُنْظر ما في ص: ١٤٩-١٥٠، ١٥٥. مِن هذا الكتاب. ٣ يُنْظر ما في الصفحات: ١٥٠-١٥١، ١٥٣-١٥٦. مِن هذا الكتاب.
[ ١٠٩ ]