*
مثل قوله: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة" ١.
وقوله: "فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" ٢.
وقوله: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ فإن من فارق الجماعة قِيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ٣.
وقوله: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول تَحْلق الشَّعْر ولكن تَحْلق الدين" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، ٧- باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/٤٦٦، حديث ابن عباس ﵄: يد الله مع الجماعة، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وقال: وتفسير الجماعة عند أهل العلم: هم أهل الفقه والعلم والحديث. ٢ عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان إلخ الحديث أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، ٧- باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/٤٦٥-٤٦٦، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٣ أخرجه البخاري: ٩٢- كتاب الفتن، ٢- باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"، الفتح: ١٣/٥، لكن بلفظٍ فيه: فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية، وكرره في ٩٣- كتاب الأحكام، ٤- باب السمع والطاعة للإمام، ما لم تكن معصية، الفتح ١٣/١٢١. وأخرجه مسلم بلفظ البخاري في: ٣٣- كتاب الإمارة، ح ٥٥،٥٦، ط. محمد فؤاد عبد الباقي ٣/١٤٧٧-١٤٧٨. ٤ أخرجه بهذا اللفظ الترمذي، صفة القيامة، ٥٦- باب سوء ذات البين هي الحالقة، ٤/٦٦٣-٦٦٤. وأخرجه أبو داود إلى قوله: "هي الحالقة" في كتاب الأدب ٥٨-بابٌ في إصلاح ذات البين: ٥/٢١٨.
[ ١٣٨ ]
وقوله: "من جاءكم وأَمْركم على رجل واحد منكم، يريد أن يُفرّق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا مَنْ كان" ١.
وقوله: "يُصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أَخطؤوا فلكم وعليهم" ٢.
وقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرقة، منها واحدة ناجية، واثنتان وسبعون في النار" -قيل: ومَن الفِرقة الناجية؟ قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة" ٣.
وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها، هو: التفرق والاختلاف فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم، وإنْ كان بعض ذلك مغفورًا لصاحبه، لاجتهاده الذي يُغْفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو لغير ذلك.
لكن يُعْلم أنّ رعايته من أعظم أصول الإسلام. ولهذا كان امتياز أهل
_________________
(١) ١ أخرجه بنحوه مسلم في: ٣٣-الإمارة ح٥٩ و٦٠ ط/ محمد فؤاد: ٣/١٤٧٩-١٤٨٠، وغيره. ٢ أخرجه البخاري في: ١٠-الأذان، ٥٥-باب إذا لم يُتِمّ الإمام وأتم مَنْ خلفه. الفتح: ٢/١٨٧. وغيره. ٣ يُنْظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني: ١/٣٥٦-٣٦٧ و٣/٤٨٠، والمستدرك للحاكم: ١/١٢٨، وقد رواه أيضًا أحمد في المسند: ٣/١٢٠ و١٤٥، وأبو داود في سننه: الباب الأول من كتاب السنّة، والترمذي في: الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، وابن ماجه في: الفتن، باب افتراق الأمم. وغيرهم، وانظر الحاشية رقم ٩٠-٩١.
[ ١٣٩ ]
النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة والجماعة، ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره.
وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو: "الإجماع" فإن الله لا يَجْمع هذه الأمة على ضلالة.
ومِن الناس مَن يُخالف أهل السنّة والجماعة وهدْي هذا الدين؛ متعللًا بما ورد عنهم مِن الخلاف في تلك المسائل، كالروافض والمعتزلة، ونحوهم، ممن ينتحل القياس والعقل، ويَطعن في كثير مما ينقله أهل السنّة والجماعة، ويعللون ذلك بما ذُكِر من الاختلاف ونحوه، وربما جَعل ذلك بعضُ أرباب الملة من أسباب الطعن فيها وفي أهلها، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه الأمور الصغار ساعيًا في هدم قواعد الإسلام الكبار.
وبهذا يتبين مكانة اجتماع الكلمة على الهدى والدين مِن خلال نصوص الدين ومقاصده، ويتبين أن مادّة الاجتماع هي التي جاء بها هذا الدين، لا الافتراق؛ وأيُّ شيء يَجمع الكلمة أعظم مِن هذا الذي جاء به الإسلام، وأمرَ به: إذا كان الله تعالى:
- قد أمرنا بطاعته، وطاعة رسوله، وأولي الأمر منّا.
- وأمرنا عند التنازع في شيء أن نرده إلى الله وإلى الرسول.
- وأمرنا بالاجتماع والائتلاف.
- ونهانا عن التفرق، والاختلاف.
[ ١٤٠ ]
- وأمرنا أن نستغفر لمن سبقنا بالإيمان.
- وسمّانا المسلمين.
- وأمرنا أن ندوم عليه إلى الممات.
فهذه النصوص، وما كان في معناها، توجب علينا الاجتماع في الدين، كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين. وولاةُ الأمور فينا هم خلفاء الرسول.
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، ويكثرون"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أوفوا بيعة الأول فالأول، وأَدّوا لهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" ١.
وقال أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء" ٢.
ورُوي عنه أنه قال: "وددت أني قد رأيت خلفائي". قالوا: ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يحيون سنتي، يعلمونها الناس" ٣؛ فهؤلاء هم ولاة
_________________
(١) ١ البخاري: ٦٠-الأنبياء، ٥٠-باب ما ذكر عن بني إسرائيل. الفتح: ٦/٤٩٥. ٢ جزء مِن حديثِ: "مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا"، أخرجه الترمذي، ٢٦٨٢، العلم، وأبو داود، ٣٦٤١، العلم. وقال ابن حجر عنه: "طرف من حديث أبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا، من حديث أبي الدرداء، وحسّنه حمزة الكناني وضعّفه باضطرابٍ في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها". الفتح: ١/١٦٠. ٣ ذكْره له بصيغة التمريض يوحي بضعفه عنده، ولكن الحديث موضوع، ولفظه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم ارحم خلفائي". قلنا: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس". = رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عيسى بن عبد الله الهاشمي، قال الدارقطني: كذاب. مجمع الزوائد: ١/١٢٦، وقال الذهبي عن حديثه هذا بعد أن أورده في "الميزان" ١/١٢٦-١٢٧: وهذا باطل؛ فالحديث موضوعٌ مِن هذا الوجْه، ويُنظر "الضعفاء والمتروكين" للدارقطني، رقم ٥٣. وليس في أحمد هذا غير قول الدارقطني؛ ولذلك يؤخذ به، حسب قواعد الجرح والتعديل. وقد رُوي الحديث عن غيره لكن لا تقوم بهم حجة. يُنظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة"، برقم ٨٥٤. وكأن الإمام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-ساق الحديث مِن حفظه؛ فسبقت ذاكرته إليه بدلًا مِن غيره من الأحاديث التي وردت على هذه الصيغة من الأحاديث الثابتة؛ فحصل الخطأ عندئذٍ في لفظ الحديث وفي تصوِّر درجته. وفي صحيح مسلم: ٢-الطهارة، ح:٣٩ "وددت أَنّا قد رأينا إخواننا " الحديث، وفي آخره: "أُناديهم: ألا هلمّ! فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا"!!.
[ ١٤١ ]
الأمر بعده، وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسّرها السلف ومَنْ تبعهم من الأئمة، كالإمام أحمد وغيره، وهو ظاهرٌ، قد قررناه في غير هذا الموضع.
[ ١٤٢ ]