كانت الخلافات الفقهية بين الأئمة مبنيةً على أدلةٍ ترجع إلى الرواية أو الرأي، وعلى قواعد وأصولٍ علمية في الاستدلال. وجميعهم متفقون على طلب الحق بدليله، والحفاظ على كيان الإسلام وأهله، وهُمْ-بهذه الرغبة، وهذه الغاية-متفقون غير مختلفين؛ لأنّ غايتهم واحدة على أيّ حالٍ، سواء اتفقوا في الرأي الفقهيّ أو اختلفوا.
وعلى الرغم مِن هذا إلا أنّ مَن جاء بعدهم، ممن خفيت عليه هذه الحقيقة مِن أتباعهم قد خالف هذا المنهج، بسبب تعصّبه لمتبوعه، وغلوّه فيه، واتخاذه
[ ١٤٢ ]
مقياسًا له دائما في تمييز الحق والصواب.
وبهذا المسلك استحكمت في بعض الناس ظاهرة التعصب والغلوّ، وأصبح بعض الناس يتعامل مع ظاهرة الخلافات الفقهية تعاملًا غير فقيه، وأصبح بعضهم يتجاوز الحق إذا جاء على لسان المخالف له؛ وحصلت-بسبب هذا التنازع والخلاف في العبادات الظاهرة والشعائر-أنواعٌ مِن الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون.
[ ١٤٣ ]