أمّا الأصل الأول وهو الجماعة -وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق؛ ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنّة- فنقول:
[ ١٤٨ ]
يتبيَّنُ هذا الأصل بتطبيق القواعد التالية:
- القاعدة الأُولى: غالبُ الخلاف إنما هو في أمور مستحبة ومكروهة:
عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات، لا في واجبات ومحرمات. فهذه قاعدة بها يتوصّل الباحث عن طريق النجاة في هذا الأمر إلى فهْم حقيقة الخلاف الوارد عن الأئمة في أبواب الفقه.
أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة:
المثال الأول:
الرجل إذا حج متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا كان حجه مُجْزئًا عند عامة علماء المسلمين. وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك١.
المثال الثاني:
الأذان، سواء رجّع فيه أو لم يرجّع، فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وسواء ربّع التكبير في أوله أو ثنّاه، وإنما يُخالِف في ذلك بعض شواذ المتفقهة، كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة بـ:"حي على خير العمل".
المثال الثالث:
الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية، بأيتها أقام صحت إقامته عند عامة
_________________
(١) ١ ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب، أو يمنع، ذلك، فمن الشيعة من يوجب المتعة، أي التمتع في الحج، ويحرِّم ما عداها، ومن الناصبة من يحرّم المتعة ولا يبيحها بحال..
[ ١٤٩ ]
علماء الإسلام، إلا ما تنازع فيه شذوذ الناس.
المثال الرابع:
الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز، لا يبطل الصلاة، وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما، أو يكره الآخر، أو يختار أن لا يقرأ بها.
فالمنازعة بينهم في المستحب، وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عامة العلماء، فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما: هل هما واجبان أم لا؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فهذا في الجهر الطويل بالقدر الكثير، مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر.
فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة بذلك، وما أعلم أحدًا قال به، فقد ثبت في الصحيحين١ عن النبي ﷺ أنه كان في صلاة المخافتة يُسمعهم الآية أحيانًا٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في: ١٠-الأذان، ٩٧-باب القراءة في العصر، عن أبي قتادة الفتح: ٢/٢٤٦ وأخرجه في مواضع أُخر. ومسلم في ٤-الصلاة ح١٥٥ ١/٣٣٣. ٢ ذَكَر الإمام ابن تيمية هنا أدلةً أخرى على هذا الأمر، فقال: وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيتُ بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولُ". ومعلومٌ أنه لولا جهره بها لما سمعه النبي ﷺ، ولا الراوي، ومعلومٌ أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك. البخاري في: ١٠-الأذان، باب رقم ١٢٦ الفتح: ٢/٢٨٤. وكذلك ثبت في الصحيح: عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح: "سبحانك اللهم = وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار، والسنّة الراتبة فيه: المخافتة. صحيح الإمام مسلم: ٤-كتاب الصلاة، ١٣-باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، ح٥٢. وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالاستعاذة. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه جهر بقراءة الفاتحة على الجنازة، وقال: لتعلموا أنها السنّة. ولهذا نظائر. البخاري: ٢٣-الجنائز، ٦٥-باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، "الفتح: ٣/٢٠٣".
[ ١٥٠ ]
وأيضًا فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن الزبير ونحوه، ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره، وتكلم الصحابة في ذلك ولم يُبطِل أحدٌ منهم صلاةَ أحدٍ في ذلك، وهذا مما لم أعلم فيه نزاعًا، وإن تنازعوا في وجوب قراءتها، فتلك مسألة أخرى.
المثال الخامس:
القنوت في الفجر، إنما النزاع بينهم في استحبابه، أو كراهيته وسجودِ السهو لتركه، أو فعله، وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة مَنْ ترك القنوت، وأنه ليس بواجب، وكذلك مَنْ فَعلَه إذْ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا الموضع، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء فيما أعلم.
المثال السادس:
القنوت في الوتر هل هو في جميع الحول أو النصف الآخر من رمضان؟ إنما هو في الاستحباب، إذ لا نزاع أنه لا يجب القنوت، ولا تبطل الصلاة به،
[ ١٥١ ]
وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده.
المثال السابع:
تكبيرات العيد الزوائد، إنما النزاع في المستحب منها، وإلاّ فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله.
المثال الثامن:
أنواع الألفاظ في التشهد كلها جائز، ما أعلم في ذلك خلافًا، إلاّ خلافًا شاذًّا، وإنما النزاع في المستحب.
المثال التاسع:
أنواع الاستفتاح في الصلاة. وأصل الاستفتاح، إنما النزاع في استحبابه، وفي أي الأنواع أفضل، والخلاف في وجوبه خلافٌ قليلٌ.
- القاعدة الثانية: إذا كان خلافهم إنما هو في الاستحباب عُلِم اجتماعهم على الجواز:
وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِم الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن، فإن جميعها جائز، وإن كان من الناس من يختار بعض القراءات على بعض.
وبهذا يزول الفساد المتقدم فإنه إذا عُلِم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة، لم يكن النزاع في الاختيار ضارًا، بل قد يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها.
[ ١٥٢ ]
ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يُظْلم مَنْ يختار المفضول، ولا يُذَمّ، ولا يُعاب، بإجماع المسلمين. بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين.
- القاعدة الثالثة: لا يجوز أن يُعْطَى الحُكم الفرعيّ فوق حقه، ولا أن يُنْقَصَ عنه:
ولا يجوز التفرّق بذلك بين الأمة.
ولا أن يُعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون مَنْ أتى بغير ذلك المستحب من أمورٍ أخرى واجبة ومستحبة أفضلَ بكثير.
ولا يجوز أن تُجعل المستحبات بمنزلة الواجبات، بحيث يمتنع الرجل مِنْ تركها، وَيَرى أنه قد خرج من دينه، أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون تَرْك المستحبات لمعارضٍ راجح أفضلَ من فعلها، بل الواجبات كذلك.
- القاعدة الرابعة: مراعاة ائتلاف القلوب يُقَدَّم على بعض المستحبات:
ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسنًا، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب.
وقد أخرجا في الصحيحين١ عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في: ٣-العلم، ٤٨-باب من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه الفتح: ١/٢٢٤. ومسلم في: ١٥-الحج، ح:٣٩٨، فما بعده ٢/٩٦٨-٩٧٢.
[ ١٥٣ ]
لها بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه". وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يَتْرك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعًا لنفرتها. ولهذا نصّ الإمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة. قال القاضي لأن أهلها إذْ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها للتأليف وليعْلِمَهم أنه يُقرأ بها، وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرءونها بحال فيجهر بها ليعْلِمَهم أنه يُقْرأ بها، وأن قراءتها سنّة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع وإجزائه عُلِم أنه داخل في المشروع، فالتنازع في الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات، وبعض العبادات، وبعض العلماء ونحو ذلك، بل قد أمر النبي ﷺ كُلًاّ من القرّاء أن يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمَنْ خالف في ذلك كان ممن ذمّه الله ورسوله، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك.
[ ١٥٤ ]