النظرات النقديّة:
الانتقادات في هذا الباب وفي غيره كثيرة، ولكنّ المهم أن نتنبَّه لها جميعًا، المخطيء وغير المخطيء على حدٍّ سواء؛ لكي نتحاشاها ونبتعدَ عنها لوجه الله تعالى، وهذه الانتقادات التي سأُوردها هنا هي مما وقفتُ عليه واستغربتُه أن يَصْدر من بعض مَن ينتسب إلى السنّة أو إلى المنهج الشرعي أو إلى طلب العلم الشرعيّ؛ ومِن ثمَّ كانت العناية بهذه الأخطاء لاجتنابها وللتنبيه عليها.
فمِن ذلك:
١ - العُجْب والغرور:
فترى بعض الناس يدعو الآخرين إلى العقيدة أو السنّة متلبسًا بشيء من العُجْب الذي يصدّ الآخرين عن قبول الدعوة، مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ الذي يدعو غيره؛ لِيُكْرمه في داره؛ فيقدم له الضيافة بشيء من الفخر والاعتزاز بأنه أكرمه أو أنه هو الذي صنع هذه الأنواع من الطعام؛ فتنقبض نفسه عن كَرَمِهِ وضيافته؛ ويتمنّى لو أنه لم يكن قد دَخَلَ في ساحته.
[ ٦٧ ]
وقد روى أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ: "ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم". قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: "المُسبِلُ والمنّان والمنفِق سلعته بالحَلِفِ الكاذب" ١.
وفي رواية: "المنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلاّ مَنّه" ٢، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
والمنّ مذموم بأيّ صورة كان، سواء أكان في المال أم في غيره.
قال القرطبي: المنّ غالبًا يقع من البخيل والمُعْجَبِ، فالبخيل تَعْظم في نفسه العطيّة وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجَب يحمله العُجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطَى وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله تعالى فيما أنعم به عليه، ولو نظر مصيره لعَلِمَ أنّ المنّة للآخذ؛ لما يترتب له من الفوائد٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: ١- الإيمان، ح ١٧١، ١/١٠٢. ٢ أخرجه مسلم: ١- الإيمان، ح١٧١، ١/١٠٢. ٣ ٢٦٢: البقرة: ٢. ويُنظَر: الآيات بعدها. ٤ نَقَلَه عنه ابن حجر في الفتح: ٣/٢٩٩، ويُنْظر لزامًا ما ذكره الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية وما بعدها في تفسيره: ٢/٣٠٦-٣١٧ فهو كلامٌ نفيس.
[ ٦٨ ]