المنهج والأسلوب الصحيحان في الأخذ بالسنة والدعوة إليها
- المَظَاهِرُ والأدلة-
لكلٍ من المنهج والأسلوب ارتباطٌ وثيق بالفكرة -أيّ فكرة- وبطريقةِ عرْضها. ولأثر كلٍ منهما انعكاسٌ تلقائي على الفكرة، وكم من قضية كانت حقًا ولكن أساء إليها منهجُ أو أسلوبُ عرْضها.
ولا يكفي أن تكون الدعوى صحيحة لِيَقْبَلها الناس، حتى تُعْرَض عليهم بما يناسبها من المنهج والأسلوب الصحيحين.
وهذا هو الأمر الذي يَفْرِضه الإسلام على الداعية حين يدعو إلى شيء من هَدْي الدين؛ فأوجب أن يُدْعى إليه بمنهجٍ سديد وأسلوب صحيح، وإلا فلا يَسُوغ لغير القادر أن يسيء إلى هذا الدين بأخطائه الشخصية منهجًا أو أسلوبًا، وأنّ عليه -إذا كان غير متأهّلٍ للدعوة إليه-أن يتأهّل أَوّلًا، قبل أن يدعو إليه.
والأدلة الموجبة لاتّباع المنهج والأسلوب الصحيحين كثيرة، وسأقتصر هنا على ذكر بعض الآيات والأحاديث في الموضوع، ومن ذلك:
١- اتخاذ الرسول ﷺ أُسوةً حسنة:
قال الله تعالى آمرًا بالاقتداء برسوله ﷺ والأخذ بسنته والاهتداء بهدْيه:
[ ٤٠ ]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ ١.
وقال ﷺ: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وقال: "خذوا عنّي مناسككم فإني لا أدري، لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه" ٣.
٢- الدعوة على بَصيرةٍ:
قال تعالى في أهمية البصيرة في الدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
وقال ﷺ: "من يُرِد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين" ٥.
_________________
(١) ١ ٢١: الأحزاب: ٣٣. ٢ أخرجه البخاري: ١٠- الأذان، ١٨- باب الأذان للمسافر، فتح الباري:٢/١١١ من حديث مالك بن الحويرث، ﵁، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب، باب٢٧، وأخرجه أحمد في المسند: ٥/٥٣. ٣ أخرجه أحمد بن حنبل: ٣/٣٣٧، ٣٣٨، ومسلم: ١٥-الحج، ح٣١٠٢/٩٤٣، وأبو داود: ٥-المناسك، باب رقم٧٨،٢/٤٩٦، والنسائي: الحج، باب الركوب إلى الجمار ح٣٠٦٤، ٥/٢١٩. ٤ ١٠٨:يوسف:١٢. ٥ أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، منها: ٥٧-فرْض الخمس، ٧-باب قول الله تعالى: ﴿فأَنّ لله خُمُسَهُ وللرسول﴾، الفتح٦/٢١٧، و٩٦-الاعتصام بالكتاب والسنّة، ١٠- باب قول النبيّ ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين "، ١٣/٢٩٣، وأخرجه مسلم: ٣٣-كتاب الإمارة ح١٧٥، ٣/١٥٢٤، وأخرجه في الكتاب نفسه ح١٠٠، وأخرجه الترمذي وغيرهم.
[ ٤١ ]
٣- الحكمة والرفق في الدعوة:
قال سبحانه في أهمية: الحكمة١، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ ٢.
وقال ﷺ: "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" ٣.
وقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنْزع من شيء إلا شانه" ٤.
وقال: "إن الله رفيق يُحِبُّ الرفْق في الأمر كله" ٥.
وقال: "يَسِّروا ولا تُعسّروا وَبشِّروا ولا تُنفّروا" ٦.
_________________
(١) ١ يُنظر الموضوع الآتي بعنوان: الحكمة في الدعوة إلى السنّة وصُوَرٌ مِن مظاهرها، ويُنظر تفنيد الشبهة المثارة حول هذا المبدأ في الموضوع الآتي بعنوان: أحاديث ظاهرها يُعارِض مبدأ الرفق والحكمة. ٢ ١٢٥: النحل: ١٦. ٣ أخرجه مسلم: ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، ح٧٤-٧٦ ٤/٢٠٠١، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦، وأحمد في المسند: ٤/٣٦٢،٣٦٦. ٤ أخرجه مسلم، في الموضع السابق، ح٧٨ ٤/٢٠٠، وأخرجه أبو داود ٩- الجهاد، ١- باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو ٣/٧، وأخرجه أحمد ٦/٥٨ و١١٢، و١٢٥ و١٧١، و٢٠٦، و٢٢٢. ٥ أخرجه البخاري: ٨٨- استتابة المرتدين، ٤- إذا عرّض الذمي أو غيره بسبّ النبي ﷺ، الفتح ١٢/٢٨٠، وفي مواضع أُخَرَ. وأخرجه مسلم في مواضع متعددة، منها الموضع السابق، ح٧٧، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦ وغيرهم. ٦ أخرجه البخاري عن أنس، ٣-كتاب العلم، ١١- باب ما كان النبي ﷺ يتخوّلهم بالموعظة والعلم كي لا يَنْفِرُوا، الفتح ١/١٦٣، وفي مواضع أخر. وأخرجه مسلم في: ٣٢- الجهاد، ح ٤، وفي مواضع أُخَرَ، وأحمد في مواضع متعددة منها: ١/٢٢٩و٢٨٣.
[ ٤٢ ]
وفي الآية الآتية إشارة إلى أهمية المنهج الصحيح في مجادلة المخالفين من الكافرين من أهل الكتاب، فهي تَنْهى المؤمنين عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، وليس هذا فحسب بل الآية تأمر المؤمنين بإعلان الحق الذي يؤمنون به ويدعوهم إليهم دِينُهم، ومِنْ ذلك ما يوافقهم عليه أهل الكتاب من أصول الإيمان، وفي هذا إشارة إلى عدم تحاشي إعلان الحق الذي يشاركنا في الإيمان به أهل الكتاب: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُم وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ١.
بل تذهب الآية الآتية إلى أبعدَ مِنْ هذا، إذ تأمر المؤمنين أن يبتعدوا عن سبّ الآلهة الزائفة التي يعبدها المشركون من دون الله، ومع أن مثل هذا المسلك حق في ذاته إلا أنه قد يجرّ المشركين إلى أن يسبّوا الله عَدْوًا بغير علم، فلهذا نهى الله المؤمنين عن سبّ آلهة المشركين الزائفة، وفي هذا تفقيه للمؤمنين وأَمْر لهم أن ينظروا في عواقب الأمور وفي تحقيق المقاصد الشرعية: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًَا بِغَيْرِ عِلْم﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ٤٦: العنكبوت: ٢٩. ٢ ١٠٨: الأنعام: ٦.
[ ٤٣ ]
٤- تبليغ الدعوة البلاغ المبين:
قال تعالى مبيّنًا لعباده المؤمنين أهمية البلاغ والبيان وضرورة العناية بهما وبما يحققهما من الوسائل: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
٥- العناية بفقه الدين وفقه الدعوة إليه:
قال تعالى في أهمية الفقه في الدين والدعوة إليه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجُدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وَإِذَا جَاءَهُم أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٣.
وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٤.
والفقه والبصيرة مما وصف الله به عباده الذين سمّاهم سبحانه: "عباد الرحمن" فَذَكَر أن مِنْ صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا
_________________
(١) ١ ٥٤: النور: ٢٤. ٢ ٤: إبراهيم: ١٤. ٣ ٨٢-٨٣: النساء: ٤. ٤ ٢٤: محمد: ٤٧.
[ ٤٤ ]
عَلَيْهاصُمًّا وَعُمْيانًا﴾ ١.
٦- الوسطية في الدعوة:
قال سبحانه في وصْف عباد الرحمن أيضًا منبّهًا على أهمية التوسط وعدم الإفراط والتفريط: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٢.
وقال ﷿ محذّرًا من الغلوّ: ﴿يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاّ الْحَقَّ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل﴾ ٤.
٧- سلامة القلب للمؤمنين:
ذَكَر اللهُ ﷿ أَنّ من وصْف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُون رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ٧٣: الفرقان: ٢٥. ٢ ٦٧: الفرقان: ٢٥. ٣ ١٧١: النساء: ٤. ٤ ٧٧: المائدة: ٥. ٥ ١٠: الحشر: ٥٩.
[ ٤٥ ]
٨- تحاشي ما يَصْرف الناس عن الهداية:
قال سبحانه على لسان فئة من المؤمنين المفلحين: ﴿وَقَالَ مُوسَى يا قَوْمِ إِن كُنْتُمْ آمُنْتُم باللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظّالِمينَ﴾ ١.
وقال على لسان إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢.
٩- بَذْل الوسع في الاستمساك بالدِّين:
قال تعالى في الاستمساك بأحكام الإسلام وتعاليمه بقَدْر الاستطاعة من غير تقصير: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ﴾ ٣.
وقال ﷺ: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٤.
وقال ﷺ: "إنّ هذا الدين يُسْر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا" ٥.
_________________
(١) ١ ٨٤-٨٥: يونس: ١٠. ٢ ٥: الممتحنة: ٦٠. ٣ ١٦: التغابن: ٦٤. ٤ أخرجه مسلم: ١٥- الحج، ح ٤١٢، باب فرض الحج مرة في العمر ٢/٩٧٥، وأخرجه غيره. ٥ أخرجه البخاري: ٢- الإيمان، ٢٩- باب الدّين يسر ، الفتح ١/٩٣، وفي مواضع أخرى، وأخرجه النسائي، ٤٧- كتاب الإيمان، ٢٨- باب الدّين يُسْرّ، ٨/١٠٦، وأحمد بن حنبل: ٥/٦٩. ١ ١٢٥: النحل: ١٦.
[ ٤٦ ]