لقد ألّف ابن قتيبة ٢١٣-٢٧٦هـ رحمه الله تعالى كتابًا بعنوان: "إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد"، استدرك فيه على أبي عبيد في نيِّفٍ وخمسين موضعًا، وتعاظم بعض الناس في عصره وبعد عصره أن يَعْرض مثلُه بالنقد لأبي عبيد.
وقدّم ابنُ قتيبة للكتاب بمقدمة جميلة أوضح فيها المنهج المتعيّن على المرء في هذا الباب.
وقد أحببت نقلها هنا لأضرب بابن قتيبة مَثَلًا جميلًا يليق بعلمه وفضله، أرجو أن يكون في ذلك ذكرى لنا في هذا العصر الذي أصابنا فيه ما أصابنا، نسأل الله العافية.
قال ابن قتيبة١ رحمه الله تعالى: لعلّ ناظرًا في كتابنا هذا يَنْفر من عنوانه، ويستوحش من ترجمته٢، ويربأ بأبي عبيد ﵀، عن الهفوة، ويَأْبَى له الزلة، ويتحشم قَصْب العلماء، وهَتْك أستارهم. ولا يعلم ما تقلدناه من إكمال ما ابتدأ: من تفسير غريب الحديث، وتشييد ما أَسس، وأن ذاك
_________________
(١) ١ وهو في "إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث"، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري، ص:٤٢-٤٧. بتحقيق عبد الله الجبوري، نقلًا عن مقدمة التحقيق: لكتاب ابن قتيبة: "تأويل مشكل القرآن" للسيد أحمد صقر: ١١-١٤. ٢ أي عنوانه؛ لأنه جعله: إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد. على ما سبق بيانه.
[ ١١٠ ]
هو الذي أَلْزَمَنا إصلاح الفساد، وسدَّ الخلل. على أنّا لم نقل في ذلك الغلط إنه اشتمالٌ على ضلالة، أو زيغٌ عن سنة. وإنما هو في رأيٍ قَضَى به على معنى مستتر، أو حرفٍ غريب مشكل.
وقد يتعثر في الرأي جِلّة أهل النظر والعلماء المبرِّزون، والخائفون لله الخاشعون، فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم- وهم قادة الأنام، ومعادن العِلْم، وينابيع الحكمة، وأَوْلى البَشَرِ بكل فضيلة وأَقْربهم من التوفيق والعصمة- ليس منهم أحد قال برأيه في الفقه إلا وفي قوله ما يأخذ به قوم، وفيه ما يرغب عنه آخرون وكذلك التابعون والناس يختلفون في الفقه وَيَرَدُّ بعضهم على بعض في الحلال أنه حرام، وفي الحرام أنه حلال، وهذا طريق النجاة أو الهلكة، لا كـ"الغريب" و"النحو" و"المعاني" التي ليس على الهافي فيها كبير جُناح، كالشافعي يَرُدُّ على الثوري وأصحاب الرأي١ وعلى مُعَلِّمِه مالك بن أنس.
وأبو عبيد يختار من أقاويل السلف في الفقه، ومن قراءتهم، ويرذل منها، ويدل على عورات بعضها بالحجج البيّنة.
وعلماء اللغة أيضًا يختلفون، وينبّه بعضهم على زلل بعض، والفرّاء يَرُدُّ على إمامه الكسائي، وهشام يَرُدُّ على الفرّاء، والأصمعيُّ يُخطِّئ المفضّلَ وهذا أكثر من أن يحاط به، أو يوقف من ورائه.
_________________
(١) ١ هم أهل الاجتهاد المشتغلون بالقياس والاستنباط أكثرَ مِن اشتغالهم بحفظ النصوص ونقلها، ويُطْلَقُ هذا المصطلح عادةً على الإمام أبي حنيفة، ﵀، ومن سلك مسلكه.
[ ١١١ ]
ولا نعلم أن الله ﷿ أَعطى أحدًا من البشر مَوْثِقًا من الغلط، وأمانًا من الخطأ، فنستنكف له منها، بل وَصَلَ عباده بالعجز، وقَرَنهم بالحاجة، ووصفهم بالضعف، والعجلة، فقال: ﴿ وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيْفًا﴾ ١، ﴿وخُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٢، ﴿ وَفَوْق كُلِّ ذِي عِلْمٍ عليمٌ﴾ ٣.
ولا نَعْلَمَهُ خَصَّ بالعِلْم قومًا دون قوم، ولا وقَفَهُ على زمن دون زمن، بل جَعَلَهُ مشترَكًا مقسومًا بين عباده، يفتح للآخِر منه ما أغلقه عن الأول، وينبه المُقِلَّ منه على ما أغفل عنه المُكْثِرَ، ويُحْييه بمتأخر يتعقب قول متقدم، وتالٍ يَعْتبر على ماضٍ٤.
وأوجبَ على كل من علم شيئًا من الحق أن يظهره وينشره، وجعل ذلك زكاة العلم، كما جعل الصدقة زكاة المال. وقد قيل: اتقوا زلة العالم. وزلة العالم لا تُعْرف حتى تُكْشف، وإن لم تعرف هلك بها المقلِّدون، لأنهم يتلقونها من العالم بالقبول، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها، وإقامة الدلائل عليها وإحضار البراهين.
وقد يَظُّنُّ من لا يعلم من الناس، ولايضع الأمور مواضعها أن هذا اغتياب للعلماء، وطَعْنٌ على السلف، وذِكْر للموتى، وكان يقال: اعْفُ عن ذي قَبْرٍ،
_________________
(١) ١ ٢٨: النساء: ٤. ٢ ٣٧: الأنبياء: ٢١. ٣ ٧٦: يوسف: ١٢. ٤ أي يُعيد النظرَ في رأيه.
[ ١١٢ ]
وليس ذاك كما ظنوا لأن الغيبة سَبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذِكْرهم بالفواحش والشائنات. وهذا هو الأمر العظيم المشبَّه بأكل اللحوم الميتة. فأما هفوة في حرف، أو زلة في معنى، أو إغفال، أو وَهَمٌ أو نسيان -فمعاذ الله أن يكون هذا من ذلك الباب، أو أن يكون له مشاكلًا أو مقاربًا، أو يكون المُنَبِّهُ عليه آثمًا؛ بل يكون مأجورًا عند الله، مشكورًا عند عباده الصالحين، الذين لا يميل بهم هوى، ولا تَدْخلهم عصبية، ولا يَجْمعهم على الباطل تحزُّب، ولا يَلْفِتُهم عن استبانة الحق حَسَدٌ.
وقد كنّا زمانًا نعتذر من الجهل. فقد صِرْنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العِلْم١، وكنا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه والدلالة فصِرْنا نرضى بالسلامة. وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال!!. ولا يُنْكَرُ مع تَغَيُّرِ الزمان، وفي الله خَلَفٌ. وهو المستعان.
ونذكر الأحاديث التي خالَفْنا الشيخَ أبا عبيد ﵀، في تفسيرها. على قلتها في جنب صوابه. وشُكْرِنا ما نَفَعَنا الله به من عِلْمه، معتدِّين في ذلك بأمرين:
أحدهما: ما أوجبه الله على مَنْ عَلِمَ في علمه.
والآخر: أَلاّ يَقِفَ ناظرٌ في كتابنا على حرفٍ خالفناه فيه، فيقضي علينا
_________________
(١) ١ يقصد أنه كان يعتذر من الجهل، وأصبح الآن يحتاج مع الناس إلى أن يعتذر منهم من العلم والرأي ليؤكّد صوابه في رأيه وموقفه، وحُسْنَ نيّتِهِ؛ ليبين لهم أنه على الحق، كما هي حاله في هذا المقطع الذي نقلناه عنه هنا؛ وذلك لأنّ الناس قَلّتْ رغبتهم في الحق، وساءت ظنونهم!.
[ ١١٣ ]
بالغلط، ونحن من ذلك إن شاء الله سالمون. وما أولاك رحمك الله بِتَدَبُّرِ ما نقول: فإنْ كان حقًا، وكنتَ لله مُرِيدًا، أن تتلقاه بقلب سليم، وإن كان باطلًا، أو كان فيه شيء ذَهَبَ عنّا، أن تَرُدّنا عنه بالاحتجاج والبرهان، فإن ذلك أبلغُ في النُّصرَة، وأوجب للعذر، وأشفى للقلوب.
انتهى كلام الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى. ولعل في كلامه هذا عِبْرة وعِظَةً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!.
والمرجوُّ مِن القاريء العزيز أن يعود فيقرأَ كلامه مرةً أُخرى متأمّلًا محاسِنَهُ، وجوانب الأدب فيه، ومَوَاطِنَ الأُسْوَةِ.
[ ١١٤ ]