مذهب أهل السنّة والجماعة
في خلاف الأمة في العبادات
توطئة:
كَتَبَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضوع رسالة نفيسة١، ينبغي أن تُقرأ في سبيل تَصوُّرِ منهجِ الإسلام في مثل هذا القضايا المهمة؛ فأحببت نقل خلاصةٍ لها هنا٢، نظرًا لأهميتها، ونظرًا لموافقتها لهذا الموضوع الذي أَعْرضه، وكذلك نقلت بعض المعاني من رسالته الأخرى التي عنوانها: قاعدة في توحّد الملّة وتعدّد الشرائع وتنوعّها، وتوحّد الدّين المليّ دون الشرعي٣، كما نقلت هنا في البداية شيئًا مِن أسباب الخلاف مِن رسالته الأخرى: رفْع الملام عن الأئمة الأعلام.
_________________
(١) ١ رسالة مطبوعة ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية" ٣/١١٥-١٢٧، بعنوان: "خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنّة والجماعة" عُنيتْ بنشرها وتصحيحها للمرة الأولى سنة ١٣٤٦هـ، إدارة الطباعة المنيرية وعليها اعتمدتُ فيما نقلتُه منها، وهذه الرسالة قد كُرّرتْ في الرسالة الأخرى التي جاءت بعدها مباشرة، في الطبعة المنيرية، حيث نُقلتْ فيها هذه بكاملها بعد أربعة فصول من بدايتها. ٢ وكنتُ في الطبعة الأُولى مِن هذا الكتاب قد نقلتُ الكلام كله بنصّه. ٣ رسالة مطبوعة ضمن: "مجموعة الرسائل المنيرية" ٣/١٢٨-١٦٥، وعلى هذه الطبعة اعتمدتُ فيما نقلتُه منها، وهي كذلك مطبوعة في "مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة" ١٩/١٠٦-١٥٤. ولم تكرر فيها الرسالة التي قبلها، كما هو الشأن في الطبعة المنيرية.
[ ١٣٠ ]
وقد تصرّفتُ في العبارات في كثيرٍ مِن الأحيان، مع المحافظة على المعنى، وحافظتُ في أحيانٍ كثيرة أيضًا على العبارات، كما زدتُ بعض المعاني للربط أو للتوضيح فقط؛ فَجُلُّ الكلام كلامه إلا ما ندَر، وقد تصرَّفت في كلامه بالتقديم والتأخير والحذف إذا كان الكلام استطرادًا أو فيه غموضٌ على القاريء، واعتنيتُ في هذا النقل بعلامات الترقيم، والتفقير وإحالة الآيات والأحاديث، وتصويب الأخطاء المطبعية دون الانشغال أو الإشغال بالتنبيه عليها. وتبقى كلٌ مِن الرسالتين مرجعًا لمن أراد التأكد أو الاستزادة، وإن كنت قد نقلتُ جُلَّ ما فيهما. ومما دعاني إلى هذا التصرّف في عبارات الشيخ، رحمه الله تعالى، ما رأيته مِن صعوبةٍ في ترتيب كلام الشيخ، وذلك بسبب كثرة الاستطرادات، وصعوبة الأسلوب على كثيرٍ مِن القرّاء في زماننا هذا.
مدخلٌ إلى الموضوع:
حصَلَ بين الأمّة خلافٌ في صفات العبادات الظاهرة، مثل: الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر، والتسليم في الصلاة، ورفع الأيدي فيها، ووضع الأكفّ فوق الأكف، ومثل التمتعِ والإفراد والقِران في الحج، ونحو ذلك.
وهذا الخلاف مبنيٌّ على الرواية أو على الرأي.
فالخلاف المبنيّ على الرواية راجعٌ إلى أسبابٍ، والخلاف المبنيّ على الرأي راجعٌ إلى أسبابٍ.
[ ١٣١ ]
وقد تحدَّث شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عن هذا الموضوع في رسالةٍ أخرى قيّمةٍ جديرة بالقراءة، وهي "رفْع الملام عن الأئمة الأعلام"؛ لعل مِن المناسب في هذا المدخل إيراد ما يهمنا منها؛ فمما قال فيها، محدِّدًا لأسباب الخلاف هذه، قوله:
وبعد: فيجب على المسلمين -بعد موالاة الله تعالى ورسوله ﷺ- موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم. يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
إذ كل أمة -قبل مبعث نبينا محمد ﷺ - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول ﷺ في أمته. والمُحْيُونَ لِمَا مات من سنته. بهم قام الكتاب، وبه قاموا. وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
وليعلم: أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عامًا- يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق ولا جليل.
فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ، وعلى أن "كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ"، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيح بخلافه، فلابد أن يكون له من عذر في تركه.
وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
[ ١٣٢ ]
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة -ثم ذكرها الإمام- ومنها ما يلي١:
؟- أن لا يكون الحديث قد بلغه.
- أن يكون الحديث قد بَلَغه لكنه لم يَثْبت عنده.
- اعتقاد ضعف الحديث باجتهادٍ قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر
- اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره.
- أن يكون الحديث قد بلغه، وثبت عنده، لكن نسيه.
- عدم معرفته بدلالة الحديث.
- اعتقاده أن لا دلالة في الحديث.
- اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلّ على أنها ليست مراده.
- اعتقاده أن الحديث معارَض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله -إن كان قابلًا للتأويل- بما يصلح أن يكون معارِضًا بالاتفاق؛ مثل آية أو حديث آخر، أو إجماع.
وتحدّث الإمام ابن تيمية عن السبب الأول فقال:
_________________
(١) ١ تُنظر هذه الأسباب في "رفْع الملام عن الأئمة الأعلام"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، الرسالة كلها.
[ ١٣٣ ]
السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه. ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلّف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه -وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية، أو حديثٍ آخر، أو بموجب قياس، أو موجب استصحاب - فقد يوافق ذلك الحديث مرةً، ويخالفه أخرى.
وهذا السبب: هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة.
وقد كان النبي ﷺ يُحدِّثُ، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل الشيء، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرًا، ويُبَلِّغه أولئك -أو بعضهم- لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر: قد يحدِّث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئًا، ويشهده بعض من كان غائبًا عن ذلك المجلس، ويبلّغونه لمن أمكنهم.
فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء.
وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومَن بعدهم بكثرة العلم، أو جودته.
وأما إحاطةُ واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط١. وقال:
فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كلَّ واحد من الأئمة، أو
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية: ١٣-١٤.
[ ١٣٤ ]
إمامًا مُعَيّنًا؛ فهو مخطئ خطأً فاحشًا قبيحًا.
ولا يقولَنَّ قائل: إن الأحاديث قد دُوِّنت وجُمعت، فخفاؤها -والحال هذه- بعيد.
لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جُمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ﵏.
ومع هذا فلا يجوز أن يُدَّعى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة.
ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ، فليس كلُّ ما في الكتب يعلمه العالم. ولا يكاد ذلك يحصل لأحد. بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها.
بل الذين كانوا قبلَ جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير. لأن كثيرًا مما بلغهم -وصحَّ عندهم- قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية.
فلقد كانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين.
وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية١.
وختم هذا الموضوع بقوله:
فلا بد أن نؤمن بالكتاب كله. ونتبع ما أُنزل إلينا من ربنا جميعه، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض. ولا تلين قلوبنا لاتِّباع بعض السنة، وتَنْفِر
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية:٢٢-٢٣
[ ١٣٥ ]
عن قبول بعضها بحسب العادات والأهواء؛ فإن هذا خروج عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين١.
ومِن أوسعِ أبواب الخلافات بين العلماء الخلاف في فهم الرواية ومدلولها.
وفيما يلي حديثٌ عن طبيعة هذا الخلاف في العبادات الظاهرة، وبيان مؤدَّاهُ عند الأئمة، وبيان المنهج الصحيح في التعامل مع هذا الخلاف، وسيكون الحديث عن هذا وفق العناصر التالية:
- اجتماع الكلمة ومكانته في الإسلام.
- الآثار السيئة للتنازع والاختلاف.
- أنواع الفساد المترتبة على الخلاف.
- طريق العصمة من الفُرقة هو الاعتصام بالأصلين.
- الأصل الأول: الاعتصام بالجماعة.
- أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة.
- الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة.
- أمثلةٌ على تطبيقات هذا الأصل.
- ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز.
- اختلاف التنوع في الأعمال المشروعة.
- المفاضلة بين الأعمال.
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية: ص ١٠٦، وهنا انتهى النقل مِن هذه الرسالة.
[ ١٣٦ ]
- الاختلاف الذي أقرِّوا عليه وساغ لهم العمل به.
[ ١٣٧ ]