من الحكمة والسماحة الأخذ بجانب الورع فيما يتعلق بالحكم على بواطن الناس، وعلى ما في طويات أنفسهم، أو استسهال الحكم عليهم بالكفر ونحوه؛ فإنّ إصدار هذه الأحكام منزلَقٌ خَطِرٌ، ومِثْل هذا إنما هو حقٌّ لله ورسوله ﷺ، وليس لأحدٍ دونهما القول في هذا إلا بحكم الله ورسوله. ولا تخفى نصوص الوعيد الشديد الثابتة عن رسول الله ﷺ في حق مَن أقدم على هذا الأمر بغير أمر الله ورسوله.
ولقد انتشر في المسلمين منذ سنوات داء التكفير والتبديع على غير هدْي الدين وحُكْمه، وإنما على منهج الخوارج، ولكنه للأسف، قد انتشر باسم منهج أهل السنّة والجماعة، وباسم اتّباع الكتاب والسنّة؛ فأصبح الإنسان يُشاهد في المسلمين مَن يتقرَّب إلى الله تعالى بهذا المنهج وهذا الخُلق؛ فيُصبِح الحكم العامّ في المسلمين -عنده-هو البدعة؛ ويُرَتِّب على ذلك وجوب الهجْر، وهو حكمه عنده الذي ينتهجه في حقِّ صاحب البدعة!.
لقد انتشر الحقد والبغضاء بين المسلمين بسبب هذه الوجهة، بل الحقد
[ ٥٤ ]
الدينيّ، للأسف، وهو أمرٌ ليس عليه مَسْحةٌ مِن دينٍ، ولا مَسْحةٌ مِن خُلُقٍ، ولا مَسْحةٌ مِن عقْل١. وهذا الداء ينبغي أن يتصدى له عباد الله المخلصون العالمون بشرعه الداعون إليه، وأن يُحِلُّوا محله الالتزام بأحكام الإسلام، والأخوّة والمحبة، وحُسْن الظن، والوَرَع والحذر مِن الحيلولة بين الناس وبين رحمة الله وفضله، ويُحِلُّوا محله، أيضًا، منهج أهل السنّة والجماعة، والتعاون والتكافل، وسائر ما جاء به الإسلام لإسعاد البشرية وهدايتها. نسأله تعالى التوفيق والسداد.
_________________
(١) ١ وقد بحثتُ هذه النزعة في السلوك والفهم، وناقشتها في كتاب: الأخلاق الفاضلة: قواعد ومنطلقات لاكتسابها"، في الفصل السابع منه: خُلُق التعامل مع المخالف، ط. الأُولى، الرياض، ١٤١٧هـ. وقد توصَّلتُ فيه إلى نتائج أَحَمَدُ الله عليها، وأَتمنى أن يُفِيد منها الراغب في الحق في هذا الباب.
[ ٥٥ ]