المد والجزر في حياة المسلمين
إن ديننا الإسلامي الذي أعلن عن كماله رسول الله ﷺ، حيث قرأ على الناس يوم عرفة قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .
هذا الدين يجمع بين الحيوية التي لا نهاية لها، والنشاط الذي لا يدرك آخره، وقد استطاع أن يبني الإنسان الذي يترقى في الاستقامة والصلاح، ويقوى على مقاومة الانحراف والزيغ، ولما كان هذا الدين الإلهي العالمي خاتم، وكانت أمته هي آخر الأمم التي اختيرت لتبليغه للناس كافة، كان طبيعيًا أن تمر في سيرها الطويل بمراحل عصيبة، وتواجه صراعات لم تواجهها أمة من الأمم، كل هذا لتمتحن في ذكائها وثباتها، وصلاحيتها للحياة، وبالفعل فقد ثبت نقلًا وعقلًا -والناس يشهدون- كيف استطاعت أمة الإسلام أن تخرج من جميع المعارك ظافرة منتصرة، وتغلب أبناؤها على جميع المشاكل والمؤثرات، والتقلبات التي لا تكاد تنتهي، ولا عجب في ذلك لأن الله -﵎- جعل في كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم ﷺ رجالًا ينقلون تعالميه إلى الحياة، ويعيدون للمسلمين الشباب والنشاط، ويثيرون فيهم كوامن القوة للقضاء على الأوضاع الفاسدة الطارئة، وهؤلاء الرجال لا يخلو منهم عصر من عصور الإسلام، ولا يوجد مثلهم في أمة من الأمم، وهذا من حفظ الله تعالى لدينه الذي قدر له أن يواكب الدنيا حتى نهايتها، وهو القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .
[ ١٥ ]
ولو استعرضنا تاريخ الإسلام بشكل سريع من أول عهده حتى اليوم لوجدناه هدفًا لهجمات عنيفة، ومؤامرات خبيثة، لا تعرف الرفق، ولا ترضى إلا هدم بنيانه، ونسف أركانه، منها على سبيل المثال، الباطنية ومذاهبها، وهجوم التتار والصليبيين مرورًا بتحرف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وظهور البدع، وتسرب الأعمال الشركية، وتفشي أعمال الجاهلية، وفتن الإلحاد والزندقة، ولكن الإسلام طوى هذه المحن وأهلها تحت جناحيه، فكانت كأمس الذاهب، وسحق إلى المعالي، وقام رجاله الأقناء بفضح المحرفين والمنحرفين، والمتآمرين، ونفضوا الغبار والخرافات بالدعوة، وصدعوا بالحق الذي أنزل على محمد ﷺ فشق الإسلام طريقه من جديد إلى أسماع القلوب، وفتح عقولًا في ميادين العلم والحكمة والحياة.
وقد ملك رجال الإسلام النوابغ الإيمان بالقوي، والسمو الروحي، والنزاهة عن الأغراض، والتفاني في خدمة الدعوة إلى الخير، فكانوا بهذه الصفات أشبال هذه الليوث التي قام الإسلام في عهده الأول على أكتافهم، والدارس لتاريخ المسلمين عامة، يرى أن حياتهم بين المد والجزر، فإذا أهملوا واجبهم الشرعي ضعف الإيمان في قلوبهم، ودب الوهن في أوصالهم، فتفرقًا طرائق قددًا، وذهبت ريحهم، ولم يستطيعوا مقاومة الفتنة، وأصبحوا كغثاء السيل، فإذا قيض الله تعالى لدينه مجددًا يدعو العباد إلى الخير، ويوقظهم من غفلتهم ويوجههم إلى الدين والعلم، وضح لهم الطريق، واستنار السبيل، وقامت الحجة، وراجت سوق الجنة، كل ذلك بتأثير العاملين المخلصين، وصدقهم وحسن تمثيلهم للإسلام،
[ ١٦ ]
ومعرفتهم بالأخطار الجارفة المحيطة بالأمة، وغيرتهم على إنقاذها من الأدواء الخلقية والاجتماعية ويعلم الله ﷿ أن الأمة الإسلامية رأت أيامًا حالكة السواد، ورياحًا هوجًا ربما لم ترها أمة من قبل ولا من بعد.، ولكن الله سلم.
لقد ظهرت المحن في حياة المسلمين، واختفت بفضل الله ﷿، ثم بجهد الدعاة المصلحين، وقد تحطمت جميع الحركات الهدامة، والموجات العارمة من الشرور والمفاسد، ثم بقي الإسلام هو الإسلام كما أنزله الله ﷿، ولقد رد أبناء الإسلام على مؤامرات الخوارج والمعتزلة والباطنية، وتصدوا لموجات الشر يوم أن "رمانا الشرق بدواهيه، وساق إلينا جيوش التتر تحط على بلدان الإسلام العامرة، كما تحط الجرد على الحقل الزاهر، فلا تدع من مظاهر العمران إلا ما يدع الجراد من البوار والخراب".
أبادت الممالك، وهدمت العروش، حتى بلغ هولاكو عرش الخليفة في بغداد، فذبح الخليفة وهدم العرش، وترك بغداد العظيمة حاضرة الدنيا خرائب وأطلالًا، ثم ساح في الأرض لا يرده شيء، وحسب الضعفاء أنها نهاية الإسلام، فإذا الإسلام يطوي أعداءه.. ويدخلهم في رحابه ويظللهم برايته، ويجعلهم جندًا له وأعوانا، وتنسى المصيبة حتى لا يدري اليوم أكثر الناس ما خبر التتار؟
ويوم القرامطة الذين هزموا جيوش بغداد، وعدوا على الحجاج فذبحوهم ذبح النعاج، واستلو الحجر الأسود، فمن يعرف اليوم ما قصة القرامطة؟ ومن يذكر القتلة الحشاشين من الباطنية، والوحوش السود من
[ ١٧ ]
أتباع صاحب الزنج؟ والمئات من أعداء الإسلام الكبار الذين كانوا أشد قوة وأعظم نكالًا، فلم يعد يدري خبرهم أحد؟ ١.
ولقد واجه عالمنا الإسلامي هجمات كثيرة، ما أن يشعر المسلمون بواحدة منها حتى يلجأوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ فيستمدوا من روح الإسلام قوة تقاوم هذا الزحف، وتجرفه إلى سلة المهملات في زاوية التاريخ، ولا ننسى أوربا يوم رمتنا بجيوشها الصليبية، فتصدى لها المسلمون، وانتهت الحروب الصليبية بهزيمة منكرة للكافرين، ونصر ساحق للمسلمين الذين انتزعوا معاقل الصليبيين، وقامت بعد ذلك قوة إسلامية ممثلة في الخلافة العثمانية٢ التي ذبت عن حياض الإسلام قرونًا كثيرة، وتوالت خطواتها من نصر إلى نصر حتى في قلب أوربا، كل ذلك بسبب اتباع دين الحق بإيمان وصدق، ثم دب في النفوس حب الدنيا وكراهية الموت، وأخلد الناس إلى الترف والدعة٣، وتناسى أكثرهم واجبهم الديني، عندما جمع أعداء الإسلام فلولهم لتحقيق رغبتهم في تمزيق عالم الإسلام، واحتوائه، واستخدموا لهذا الغرض جميع الدسائس والمؤامرات، وعملوا بين صفوف المسلمين بالوقيعة، وإثارة
_________________
(١) ١ هتاف المجد –الشيخ علي الطنطاوي- الطبعة الأولى ١٣٧٩هـ، صفحة ص ١٤٥، الناشر دار الدعوة –دمشق. ٢ ظهرت دولة بني عثمان عام ٦٩٩ هـ، ١٣٠٠م، أشبة ما تكون بالدولة الأموية في جهادها وفتوحها وذلك في أول عهدها. ٣ لقد دب في الأتراك داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء واستبداد الملوك وجورهم، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة، وأصيبوا كذلك بداء الجمود في العلم والصناعة وتنظيم الجيوش.
[ ١٨ ]
الاختلافات من خلال الجمعيات والإرساليات، وأذكوا القوميات، وزرعوا الأحقاد بين العناصر في الدولة الإسلامية الواحدة، كل ذلك للوصول إلى هدفهم في ضرب معاقل الإسلام، وتمزيق أمته، وبدأ العد التنازلي لدولة الخلافة بعد أن وصلت إلى ذروة مجدها، ودب الضعف في أوصالها، وتنفس الشيطان من جديد في ربوع العالم الإسلامي بغياب العلم النافع والوعي السياسي، فتفشى الاستبداد لدى الوزراء، ورؤساء الجيش الإنكشاري الذين لا يعرفون عن السياسة شيئًا، وفوق ذلك فقد انشغل السلاطين بالملذات، وأهملوا شؤون العامة، واهتموا بأمورهم الشخصية، وأساء ولات الأمور في أقاليم الخلافة الواسعة إداراتهم، ولم يهتموا بواجبهم تجاه الشعوب الإسلامية.
ومما زاد الحال سوءًا التدهور العسكري، وتألب الدول الأوربية على دولة الخلافة الإسلامية، والتخطيط للاستيلاء على بلاد المسلمين، وتيقن الصليبيون أن عوامل الضعف دبت في صفوف المسلمين في الداخل وعلى الحدود، ومن هنا فقد عم الانحراف السياسي والاقتصادي والاجتماعي بسبب الانحراف، عن تعاليم الدين الحق، والعقيدة الصحيحة يقول العالم الأمريكي "لوثروب ستودارد" عن الحالة التي وصل إليها الدين عند أهل ذلك الزمان:
"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة "ﷺ" الناس أستارًا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت (أكثر) المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعاء
[ ١٩ ]
الجهلاء يوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من أصحاب القبور١".
وبما أن (نجد) بقعة من العالم الإسلامي فقد أصابها ما أصابه، وجرفها تيار الانحراف عن الدين الإسلامي الصحيح، من شرك وبدع وخرافات.
وبالرغم من هذا التدهور، فإن الشعوب الإسلامية لا تعدم من توجد عنده الرغبة الصادقة في إصلاح هذا الفساد، تحقيقًا لقول رسولنا الكريم ﷺ: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ٢، عند ذلك طلعت شمس الهدى والرشد من واد غير ذي زرع، ورمال الأرض العربية التي كانت قد اشتهرت بطيب العرار والخزامي قد فاح فيها طيب التوحيد من جديد، وعلت كلمة الحق حتى عطرت العالم بأسره، تنادي بالعودة إلى الإسلام ويسره، والاستمداد من نبعه الصافي، فتدلى الثمر وطاب بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ابن نجد من جزيرة العرب، هذه البقعة الواسعة التي تغنى بها الشعراء وذكرها المحدثون، لما لها من مكانة خلدتها في نفوس البشر الأدباء والمؤرخين أحداث وأحداث ولم يذكر الشعراء موضعًا
_________________
(١) ١ رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –تأليف محمد بن عبد الله السلمان ص ٣١. مطابع دار طيبة –الرياض. وانظر أيضًا: حاضر العالم الإسلامي (ترجمة عجاج نويهض) ٤-ص٣٤. ٢ حديث صحيح رواه أبو داود والحاكم.
[ ٢٠ ]
أكثر مما ذكروا نجدًا١ وتشرقوا إليها، وقالوا فيها أعذب وأمتع المعاني التي تزكى الأحاسيس وتطرب النفس.
وإليك ما قاله أحد الأعراب:
أكرر طرفي نحو نجد وإنني إليها وإن لم يدرك الطرف أنظر
حنينًا إلى أرض كان ترابها إذا أمطرت عود ومسك وعنبر
بلاد كأن الأقحوان بروضه ونور الأقاحيس وشيء برد محبر
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي خيام بنجد دونها الطرف يقصر
وما نظري من نحو نجد بنافع أجل ولكني إلى ذاك أنظر
_________________
(١) ١ ليس من السهل فهم جغرافية العرب وخاصة نجد، لأنه لا يوجد هناك تقسيم قبل هذا العصر للولايات والإمارات، وبالإجمال فإن نجد منقسمة إلى ثلاث نواح كبيرة:
(٢) الناحية الشمالية الغربية وتسمى شجرون، مدنها الشهيرة: حائل-والقصر.
(٣) الناحية الشمالية الشرقية وتسمى القصيم، ومن مدنها الشهيرة: عنيزة –بردية.
(٤) الناحية الجنوبية وتسمى العارض، ومن أشهر بلادها الرياض، وتسمى ناحية العارض (بجبل اليمامة) أيضًا، وهذا في الأصل اسم للجبل والناحية التي تقع حولها تسمى (وادي حنيفة) أو "اليمامة" وتقع مدينة العينية مسقط رأس الشيخ محمد، والدرعية مركز دعوته في هذا الوادي، وهي كالقلب في نجد: للمزيد من التفاصيل راجع دائرة المعارف الإسلامية ج٣ ص٨٩٣-٩٦..
[ ٢١ ]
أفي كل يوم نظرة ثم عبرة لعينيك مجرى مائها يتحدر
متى يستريح القلب إما مجاور بحرب وإما نازح يتذكر١
وقال أعرابي آخر:
رأيت بروقًا داعيات إلى الهوى فبشرت نفسي أن نجدًا أشيمها
ألا حبذا نجد ومجرى جنوبه إذا طاب من برد العشي نسيمها
وقال أعرابي آخر:
ألا يا أيها البرق الذي بات يرتقي ويجلو ذرى الظلماء ذكرتني نجدا
ألم تر أن الليل يقصر طوله بنجد وتزداد الرياح به بردا
وقال نوح بن جرير بن الخطفي:
ألا قد أرى أن المنايا تصيبني فمالي عنهن انصراف ولا بد
_________________
(١) ١ معجم البلدان –ياقوت الحموي ج٥ ص٢٦٢.
[ ٢٢ ]
فذا العرش لا تجعل ببغداد منيتي ولكن بنجد حبذا بلدًا نجد
بلاد نأت عنها البراغيت والتقى بها العين والآرام والعفر والربد
وقدم بعض أهل هجر إلى بغداد فاستوبأها وقال:
أرى الريف يدنو كل يوم وليلة وازداد من نجد وصاحبه بعدا
ألا أن بغداد بلاد بغيضة إلي وإن كانت معيشتها رغد
بلاد تهب الريح فيها مريضة وتزداد خبثًا حين تمطر أو تندى١
وقال آخر:
فيا حبذا نجد وطيب ترابه إذا هضبته بالعشي هواضبه
وريح صبا نجد إذا تنسمت ضحى أو سرت جنح الظلام جنائبه
_________________
(١) ١ جريدة أم القرى العدد (٨) ٥/٧/١٣٤٣هـ الموافق ٣٠/١/١٩٢٤م.
[ ٢٣ ]
وأشهد لا أنساه ما عشت ساعة وما إنجاب ليل عن نهار يعاقبه
ولا زال هذا القلب مسكن لوعة يذكراه حتى يترك الماء شاربه١
_________________
(١) ١ حلم في نجد.. علي الطنطاوي ص ٢٤.
[ ٢٤ ]