الأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان
عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ قالا: دعا النبي ﷺ فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا"، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وعراقنا، قال: "إن فيها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفا بالمشرق" ١، وفي رواية أخرى لابن عمر:
قال رجل: فالعراق، فيها ميرتنا وفيها حاجتنا، فسكت، ثم قال: "مطلع قرن الشيطان، وهناك الزلازل والفتن" ٢.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "دخل إبليس العراق فقضى حاجته فيها، ثم دخل الشام فطردوه" ٣.
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث: "يخرج أناس من قبل المشرق ويقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم" ٤.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه أن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃
_________________
(١) ١ أورده في كنز العمال ١٣٥/ ١٤، وعزاه إلى ابن عساكر. ٢ المصدر السابق: ٣١٠/١٢ وقال أخرجه الطبراني، قلت: أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. ٣ المصدر السابق. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد، انظر الفتح ٥٣٥/ ١٣.
[ ٣٥١ ]
قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الفتنة تجيء من ههنا" –وأومأ بيده نحو المشرق- "من حيث يطلع قرن الشيطان" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بارك الله في شامنا ويمننا"، قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال في الثالثة: "هناك الزلازل والفتن، وبهما يطلع الشيطان" ٣.
قال العلامة الكرماني في شرح الحديث:
"نجد يطلع منها قرن الشيطان، هو الأرض المرتفعة، من تهامة إلى العراق"، ثم قال أيضًا: "هي كل ما ارتفع من تهامة إلى العراق، فهو نجد"، وقال في موضع آخر: "ومن كان بالمدينة الطيبة "صلى الله على ساكنها وسلم"، كان نجده بادية العراق، وهي مشرق أهلها"٤.
وبمثله قال العيني في شرحه لصحيح البخاري٥، وقال الخطابي ﵀:
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق حديث (٢٩٠٥) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن: باب الفتنة من المشرق، ومسلم في صحيحه كتاب الفتن حديث ٢٩٠٥. ٣ صحيح البخاري، كتاب الفتن: باب الفتنة من قبل المشرق. ٤ شرح الكرماني لصحيح البخاري، الطبعة المصرية ١٦٨/٢٤. ٥ كتاب الفتن ٣٥٣/١١.
[ ٣٥٢ ]
"نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها"، إلى قوله: "وأما نجد فهي الناحية بين الحجاز والعراق"١.
ونقله الحافظان: ابن حجر والقسطلاني في شرحهما لصحيح البخاري. ونقلا عن الخطابي قوله في معنى "قرن الشيطان": "القرن الأمة من الناس، يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية أن يضرب المثل به فيما لا يحمد من الأمور"٢.
وفي الصحيحين: وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "رأس الكفر نحو المشرق"، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "رأس الكفر قبل المشرق" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا" ٤.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بمثله إلا أنه قال: "يحسر عن جبل من ذهب" ٥، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ٤٧/١٣. ٢ المصدر السابق أيضًا. ٣ البخاري بدء الخلق ٣٥٠/٦، ومسلم باب تفاضيل أهل الإيمان ٣٠/٢. ٤ أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب أشراط الساعة ١٠١/٨، ومسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر عن الفرات، حديث ٢٨٩٤. ٥ المصدر السابق.
[ ٣٥٣ ]
"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو" ١.
وعن أبي بن كعب قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم"، قالها ثلاثًا٣.
وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو العراق: "ههنا، أن الفتنة ههنا، أن الفتنة ههنا، ثلاثا" ٤.
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث بعد أن ذكر أقوالا لمن سبقه من العلماء، قال: "وقوله " منعت العراق درهمها وقفيرها" قال: "قيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها".
_________________
(١) ١ مسلم في صحيحه، الفتن حديث ٢٨٩٤. ٢ المصدر السابق الحديث رقم ٢٨٩٥. ٣ المصدر السابق الحديث رقم ٢٨٩٦. ٤ الإمام أحمد في مسنده ٤٣/٢ وسنده صحيح.
[ ٣٥٤ ]
أخي المسلم:
لقد تبين لك مما ذكرنا من الأدلة النبوية أن العراق بلد الفتن والشرور، والشيطان، والفرقة والاختلاف، ومنشأ الكفر والنفاق والطغيان، مما ثبت عن النبي ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإليك ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام والمسليمن، ممن لهم علم ودراية فيما دونوا من علوم ورواية١.
ثم أتي ببيان أشهر الفتن التي نشأت من العراق فإذا عرفت أن العراق مطلع كل شر وخراب ودمار، فهيا إلى بيان الفتن التي ظهرت منه وفرقت الإسلام والمسلمين، بعد عصر النبوة.
الأولى: أكبرها وأشنعها وهي اغتيال فاروق الأمة، الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، الذي أعز الله به الإسلام، ومناقبه لا تعد ولا تحصى، وليس هنا بيانها فانظرها في مصادرها.
فكما هو معلوم فإن قاتله هو أبو لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله-، وقد أتى من الكوفة، وأصله أعجمي.
الثانية: فتنة ذي النورين الخليفة الثالث: عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وقد ابتدأت من البصرة والكوفة بالعراق، وانتشرت حتى وصلت مصر.
الثالثة: وقعات الجمل وصفين والنهروان، بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان منشأ الفتنة من العراق، وعلى أرض العراق.
_________________
(١) ١ انظر: رسالة الدليل البراق على حوادث الكويث والعراق: تأليف عمر العمروي.
[ ٣٥٥ ]
الرابعة: فتنة الخوارج وتآمرهم ضد الصحابة، وتكليفهم ابن ملجم: بقتل الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وكان ذلك في أكبر مدنها، مطلع قرن الشيطان، (مدينة الكوفة)، وقد قتله سنة ٤٠هـ، الموافقة لـ ٦٦١م، وتكليفهم البرك: بقتل معاوية، وقد ضربه في خاصرته وسلم، ومثلهما: ابن بكر على عمرو في مصر.
الخامسة: ظهور الفرق الضالة المضلة، التي بددت الإسلام وأحدثت فيه الفرق والاختلاف، والاقتتال، وهي:
؟ طائفة الخوارج: الذين خرجوا على الخليفة، ومرقوا من الإسلام، وهم الذين يعتقدون أن عليًا وأصحابه وجميع المسلمين سواهم قد ارتدوا عن الإسلام وكفروا بالله، وهم اشتهروا بـ"المفرطة المكفرة"، وهم عشرون فرقة.
؟ المعتزلة: القائلون بأن العباد خالقوا أفعالهم، وينفون الرؤية ويوجبون الثواب والعقاب، وهم عشرون فرق.
؟ الشيعة: المفرطون في محبة علي ﵁ وهم اثنتان وعشرون فرقة.
؟ البخارية: الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال، والمعتزلة في نفي الصفات، وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق.
؟ الجبرية: القائلة بسلب الاخيار عن العباد، وهم فرقة واحدة.
؟ المشبهة: الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهم خمس فرق.
؟ الحلولية: وهم فرق أخرى.
[ ٣٥٦ ]
وقد ظهرت كلها وظهر أئمتها، من الكوفة منشأ كل فتنة، ومن البصرة وما جاورهما١.
السادسة: مقتل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم.
والسابعة: ادعاء المختار النبوة الكاذبة.
الثامنة: سفك الحجاج الثقفي دماء المسلمين المعصومين، وقهره وامتحانه للعلماء، ومنهم: سيد التابعين سعيد بن جبير ﵁.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال المهلب: إنما ترك الدعاء ﷺ لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن"، ثم قال الحافظ: "وقال غيره: إن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر ﷺ، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، كذلك البدع نشأت في تلك الجهة"٢.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "المراد بذلك اختصاص المشرق بتسلط الشيطان ومن الكفر، كما قال في الحديث الآخر "رأس الكفر نحو المشرق" إلى قوله: "وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومنشأ الكفرة"٣.
_________________
(١) ١ انظر المرقاة شرح المشكاة: الملا علي القاري ٢٠٤/١، وفيها تفصيل كل هذه الفرق وبيانها، وانظر الملل والنحل وغيرهما من كتب الفرق. ٢ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ٤٦/١٣. ٣ انظر النووي شرح مسلم ٣٤/٢.
[ ٣٥٧ ]
وقال العلامة سليمان الندوي ﵀:
"إن الفرق الضالة كلها، والفتن والمفاسد العظام، جميعها ظهرت من بلاد العراق، وهي المراد من طلوع قرن الشيطان من نجد"١.
وحاصل ما تقدم بيانه من أدلة نبوية، وأقوال للصحابة والتابعين، وأهل العلم أن العراق مطلع الأمور المحدثة، والفتن والبدع في الدين، ومنشأ الفرق الضالة المبتدعة التي كان من الكوفة منطلقها ومأواها، بها الداء العضال، ومنها كل داعية ضال، ولقد ثبت باتفاق أئمة الحديث، وعلماء الجغرافيا والتاريخ وشهادة الحوادث أن العراق مطلع الفتن والفساد وموضع كل رذيلة، وغمط كل فضيلة، ولقد جاءت الفتن كما أخبر عنها النبي ﷺ من العراق تترا، كل فتنة أقل ما يتحقق منها الفرقة بين المسلمين.
تاسعًا: فتنة الدولة التركية والدولة الصفوية التي نتج عنها تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام:
١-العراق التركي.
٢-العراق الصفوي.
٣-العراق الفارسي.
وقد أبيد العلماء فيها، ومزقت أسرهم، وشتت عبر الأمصار.
العاشرة: فتنة بيع عربستان للفرس، وقتل علمائهم وأمرائهم.
الحادية عشرة: فتنة حرب صدام مع الخميني ثمانية أعوام، وهدر الطاقات البشرية من أبناء الرافدين، وإيران ومن ساعدهم من الدول العربية.
_________________
(١) ١ الكامل الجامع –سيرة النبي ﷺ ٣٨٥/٣.
[ ٣٥٨ ]
الثانية عشرة: فتنة قتل المهيب الركن: للمسلمين الأكراد وضربهم بغاز الأعصاب والخردل حتى أبادهم وأباد ممتلكاتهم لردهم عن الإسلام.
الثالثة عشرة: فتنة غزو المهيب الركن صدام حسين للكويت، وهدمه لها ولشعبها ومقدراتها، وما أحدث فيها من أعمال لم يسبقه بها أحد من العالمين.
الرابعة عشرة: حشده قواته على حدود دولة الإسلام والمسلمين –المملكة العربية السعودية- وإعلان الجهاد المزيف للقضاء على الإسلام والمسلمين.
هذه الفتن الكبرى التي ظهرت من العراق قرن الشيطان، ومن أراد الزيادة والبيان، فعليه بكتب التاريخ الكبرى، ففيها بيان ذلك وغيره من الفتن التي ليس هنا مجال حصرها١.
ويعلق علامة الشام ناصر الدين الألباني على هذا الحديث بقوله: يستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، ونجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن الكبرى"، من صحيح البخاري للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق. كقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتاب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته٢.
_________________
(١) ١ رسالة الدليل والبراق على حوادث الكويت والعراق. تأليف عمر غرامة العمروي. ٢ انظر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب –محمد مهدي الاستانبولي ص ٩٠ ط (١) ١٤٠٠هـ ١٩٨٠م.
[ ٣٥٩ ]