عقيدة الإمام وفكره
عقيدة الشيخ هي عقيدة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، عقيدة الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، عقيدة أئمة الهدى، أبي حنيفة، والشافعي ومالك وأحمد وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك والبخاري ومسلم وأبي داود، وسائر أهل السنن وأهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير رحمهم الله تعالى يقول ﵀:
ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خلافها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ، فإنه لا يقول إلا الحق١.
ولقد أسس فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على تصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها، بهدف تنظيم العلاقة بين الله ﵎ وبين الإنسان، بحيث يعترف هذا الإنسان الضعيف الفاني بسلطان الله ﷿ في جميع الأمور، فلا يلتفت إلا إليه، ولا يتعلق إلا به، ولا يرجو سواه ﵎، وبهذا يعود بالإسلام إلى ما كان عليه أيام النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وذلك من طريق تركيز النشاط الإنساني للقيام بتطبيق أحكام الإسلام
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الوهاب –القسم الخامس في الرسائل الشخصية: الرسالة الخامسة والثلاثون ص ٢٥٢، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب –الرياض- بدون تاريخ.
[ ٨٤ ]
وحدوده وشعائره الظاهرة والباطنة، وإقامة مجتمع متكامل يؤمن بالإسلام الحق عقيدة وعبادة ومنهج حياة، ويعتمد في كل ما يأتي أو يدع على القرآن الكريم الذي هو كلام الله ﷿ والسنة النبوية التي فيها أحوال الرسول ﷺ وأقواله وأفعاله، ثم الآثار الصحيحة للصحابة والتابعين، ﵃ أجمعين.
يقول، ﵀:
"إذا بانت لنا سنة صحيحة من رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن رسول الله ﷺ في صدرونا أجل وأعظم من أن نقدم عليه قول أحد، فهذا الذي نعتقد وندين الله به"١.
"وقد عمل رحمه الله تعالى جاهدًا طوال حياته أن تصرف جميع أنواع العبادات لله وحده لا شريك له، وإثبات الكمال المطلق لله ﷿، وإفراده بالعبادة، ونفي التشبيه والمثال عنه جل وعلا ومنع التوسل٢ والاستغاثة٣ بغيره، ﷾".
ومجمل القول، فقد اتسم فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالشمول والعمق
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٢٥٢. ٢ التوسل المقر لدى أهل السنة والجماعة هو مراعاة سبيل الله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة، وأما التوسل بالنبي ﷺ فهو الاستسقاء به حال حياته وثبت بغيره من الصالحين الأحياء. ٣ يجوز الاستغاثة بالمخلوق في الأمور الداخلية في عدد الأعمال البشرية التي يطيقها الإنسان، والذي يسمع نداءك إذا دعوته لحاجتك. وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ بحث حول منع طلب الشفاعة من محمد ﷺ بعد موته في الدرر السنية الجزء التاسع ص ٣٠١.
[ ٨٥ ]
في مجال التطبيق العملي، والممارسة السلوكية في شؤون الحياة والاجتماع، بالإضافة إلى كشف كل زيغ وانحراف، ونفض الغبار الذي علق على المفاهيم الصحيحة لتعاليم الإسلام، ولقد كان رحمه الله تعالى إلى جانب شخصيته الوعظية المضيئة يتلهف لإقامة دولة إسلامية قادرة على تحمل مسؤوليات الوازع والراد، فكان للشيخ محمد رحمه الله تعالى فضل الإنجاز والإخراج والريادة للدولة الإسلامية المباركة في جزيرة العرب.
ولقد جمع الله ﵎ لعبده محمد بن عبد الوهاب موهبة القيادة وصفات الزعامة الدينية لدعوة جددت حياة المسلمين، وتجازوت حدودها إلى آفاق وأبعاد واسعة، تم ذلك بفضل الله تعالى، ثم جهاد الشيخ رحمه الله تعالى، ومن معه من المخلصين ضد الشرك بجميع أشكاله وألوانه، وضد البدع والخرافات والانحطاط، ثم أقام وفي فترة وجيزة كيانًا إسلاميًا استوعب نظريات الدولة الحديثة، وأجمع فيها النشاذ وأرسى فيها القواعد الثابتة، لتكون أقدر على المواجهة وتحمل العبء الثقيل والأمانة الكبرى لما يستقبل من الأيام.
ولقد غيرت حركة الشيخ وفق المنهج الإلهي وجه الجزيرة العربية تغييرًا أساسيًا مذهلًا. وكان الشيخ رحمه الله تعالى رائدها الأمين وواضع خطط الإصلاح العملي الذي تمثل في جلسات وندوات للحديث حول العقيدة وأحوال المجتمع، يصحب ذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله ﵎ بالحسنى والموعظة الحسنة بأسلوب وقور، وأخلاق رفيعة، وكلمات وادعة تنبض بالحياة والحياء والوضوح والأصالة، ولاعتماده رحمه الله تعالى على أساسين كبيرين هما: التوحيد الخالص، والدعوة إلى الاجتهاد المشروع، وبهذين
[ ٨٦ ]
الأساسيين أسبغ على أتباعه من بعده روحًا متألفة جديدة، ورأيًا سديدًا فرض احترامه على الموالين والمجافين.
يقول محمد جميل:
"دعا محمد بن عبد الوهاب معتمدًا على القرآن، إلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء"١.
ويكفيك أخي القارئ أن تفتح على سبيل المثال "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، لترى كيف أن هذا الكتاب الصغير في حجمه اشتمل على أمهات المسائل، وتفوق على أكبر الموسوعات التي جمعت فيها كل النصوص، وقد نسج الشيخ رحمه الله تعالى في جميع رسائله على هذا المنوال، وكلها تنادي المسلمين بالعودة إلى يسر الإسلام ونبعه الصافي، كما تدعوهم إلى تطهير شامل للفكر الإسلامي العام الذي أدخل عليه ما ليس منه إحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل -والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون- فقد حرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى العقل الإسلام من قيوده الثقيلة، وأطلقه من معتقلاته الموروثة عن الجاهلية، وانتشله من أعمال الهوان الوثني والجمود والتقليد، وأيقظ "﵀" أحساسيس ومشاعر المسلمين من سباتهم الثقيل، وكان "وجوده ﵀" لا يقدر بثمن على جميع المسلمين في العالم حيث بعثت هذه الدعوة المباركة في كثير من المسلمين روح التحرر من لوثات الوثنية وضرورة إقامة المعركة بين الإيمان والشيطان، وألهمت هذه الدعوة عددًا لا يستهان به في أنحاء المعمورة من المفكرين المسلمين مواقف إيجابية كان لها أطيب الأثر في إيقاظ
_________________
(١) ١ الحلقة المفقودة في تاريخ العرب، تحت عنوان "آل سعود في حكم آل عثمان".
[ ٨٧ ]
الهمم، حتى انبعثت صيحات الحق من هنا وهناك تهتف: شعارنا الوحيد إلى الإسلام من جديد، وهكذا كانت أفكار الشيخ رحمه الله تعالى، والتي تأسست على التقوى من أول يوم قائمة على التوحيد والدين الخالص، وهذا أقوى عوامل المقاومة الجهادية التي أرغمت النفوذ المنحرف والدعوات الهدامة والتقليد الأعمى.
وهذه رسالة موجهة إلى أهل القصيم١ يشرح فيها عقيدته السلفية المباركة قال ﵀:
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى)، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أصرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كيف، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه ﷾ أعلم بنفسه وبغيره وأصدق من أهل التحريف والتعطيل فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات)، فالفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين
_________________
(١) ١ تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدد غزوات ذوي الإسلام، ط ٣-شركة الصفحات الذهبية –الرياض ١٤٠٣هـ- تحقيق ناصر الدين الأمد، ص١٧٠-١٧٨.
[ ٨٨ ]
القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود: وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على صفيه ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عبده نبينا محمد ﷺ؛ وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا تحيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، واعتقد لكل ما أخبر به ﷺ ما يكون بعد الموت، وأؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون)، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، وأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال الله تعالى:
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الانبياء)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ (البقرة) .
وهو لا يرضى إلا التوحيد ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر) .
وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأؤمن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد
[ ٨٩ ]
حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضي، ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضوان الله عليهم. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر) .
وأن أترض عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء وأقر بكرامات الأولياء إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئًا، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له الرسول ﷺ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتولوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل أسرارهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة، وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان ويزيد بالطاعة وينقص بالعصيان هو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن طريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الظاهرة، فهذه عقيدة وجيزة حررتها لتطلعوا على ما عندي والله على ما أقول شهيد.
[ ٩٠ ]
وسئل ﵀ عن معنى "لا إله إلا الله"، فأجاب يقول:
(اعلم رحمك الله أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه لعلهم يرجعون، وليس المراد بقولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد بقولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض ما خالفها ومعاداته، كما قال النبي ﷺ: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا " وفي رواية: "صادقًا من قلبه" وفي حديث آخر: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة. فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات حتى محمد ﷺ حتى جبريل، فضلًا عن غيرهما من الأولياء الصالحين، إذا فهمت ذلك فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله ونفيتها عن محمد ﷺ وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة خردل، فاعلم أن هذه الألوهية هي التي يسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر وهو الذي يسمونه الفقراء الشيخ، ويسميه العامة السيد، وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله، فالذي يزعمه أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم الذين يسمونهم الأولون الإله، والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط، وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة فذلك بأمرين:
الأول: أن تعرف أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وقتلهم وغنم أموالهم
[ ٩١ ]
واستحل نساءهم، كانوا يقرون لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وهذه مسأله عظيمة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم وأموالهم، وكانوا يتصدقون ويحجون ويعتمرون، ويتعبدون ويتركون أشياء من المحرمات.
ولكن الأمر الثاني: هو الذي كفرهم وأحل دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية، وهو أنه لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن استعان بغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك، وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم من الأولياء، وكفروا بهذا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر.
إذا عرفت هذا عرفت معنى لا إله إلا الله، وعرفت أن من ناجى نبيًا أو ملكًا أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ، فإن قال قائل من المشركين نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم ونستغيث بهم بتلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر، فكل كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون عيسى وعزيرًا والملائكة والأولياء يريدون ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
[ ٩٢ ]
زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) . فإذا تأملت هذا تأملًا جيدًا عرفت أن الكفار يشهدون بتوحيد الربوبية، وهو التفرد بالخلق والرزق والتدبير، فهم يناجون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله.
ويشفعون لهم عند الله، وعرفت أن الكفار خصوصًا النصارى من يعبد الله الليل والنهار، ويزهد في الدنيا ويتصدق بما دخل عليه منها معتزلًا في صومعة عن الناس، ومع هذا هو كافر عدو الله مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه ويذبح له وينذر له، فقد تبين لك صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك ﷺ: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ"، فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم وأوله وآخره، ورأسه وشهادة أن لا إله إلا الله واعرفوا معناها وأحبوها وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم وجادل عنهم ومن لم يكفرهم، وقال ما على منهم أو قال ما كلفني بهم فقد كذب على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم ولا تشركون به شيئًا، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.. ولنختتم كلامنا بآية ذكرها الله في كتابه تبين أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفرًا من الذين قاتلهم الرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الإسراء) .
فقد سمعتم أن الله سبحانه ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة
[ ٩٣ ]
والمشائخ فلم يدعوا أحدًا منهم، ولم يستغيثوا به بل أخلصوا لله وحده لا شريك له، واستعانوا به وحده، فإذا جاء الرخاء أشركوا، وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة إذا مسه الشر قام يستغيث بغير الله، مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء زيد بن الخطاب والزبير، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ، فالله المستعان، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويوسف وأمثالهم. والله ﷾ أعلم.
وهذه رسالة أخرى إلى أهل المغرب يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فقد قال الله تعالى:
فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: ٣١) .
[ ٩٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .
فأخبر ﷾ أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) .
والرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ ما أخذت الأمم قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " وأخبر في الحديث الآخر أنه ستفترق أمته على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وإذا عرف هذا فمعلوم ما جئتم به من حوادث الأمور التي أعظمت الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات وكذلك التقرب إليهم بالزيارة وذبح القربات، والاستغانة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي لا تصح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادات لغير الله كصرف جميعها لأنه ﷾ أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل
[ ٩٥ ]
من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه. وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه: ﴿لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) .
وأخيرًا أن من جعل بينه وبين الله وسائط برسم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك به وإذا كانت الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .
فلا يشفع عنده إلا بإذنه، من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه:١٠٩)، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن:١٨) .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس:١٠٦) .
فإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذنه ولا يشفع إبتداء بل يأتي فيخر لله ساجدًا فيحمد إنعامه بمحامد نعمه إيامًا، فيقول له: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع ثم يحد له حدائد يدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.
[ ٩٦ ]
وما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل الصدقة والنذر لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها ﷺ وحذر أمته منها وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد أقوام من أمتي الأوثان"، وهو ﷺ حمى حماية الدين وحمى جانب التوحيد أعظم حماية ووسم كل طريق موصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر، ويبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من طريق جابر، وثبت فيه لفظًا أنه بعث عليًا بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا عاليًا إلا طمسه ولذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.
فهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل الأمر إلى أن قاتلونا وكفرونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: ٣٩)، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان دعوناه بالسيف والسنان كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد:٢٥)، إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤١) .
[ ٩٧ ]
فهذا الذي نعتقد وندين لله به، فمن عمل ذلك فهو أخونا المسلم له مالنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهو على ذلك، وصلى الله على محمد.
ويقول عن حقيقة دعوته في رسالة "لعبد الرحمن بن عبد الله السويدي"، أحد علماء العراق:
أخبرك أني ولله الحمد متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة١.
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله لا شريك له، ولا يشركوا به شيئًا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه٢.
_________________
(١) ١ مجموعة مؤلفات الشيخ "الرسائل الشخصية" ج٥ ص ٣٦. ٢ انظر مجموعة رسائل المسائل النجدية ج١ ص ١٣٤٤ مصر، ج٣ ص٣٦٧.
[ ٩٨ ]
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن١ [٢٨٢هـ-١٣٦٧] في رسالة أرسلها إلى أهل الحجاز وعسير واليمن يبين ما قام به الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه:
"اعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه، ونجاهدهم عليهم هو دين الإسلام الذي أوجبه الله تعالى على عباده، وهو حقه عليهم الذي خلقهم لأجله، فإن الله خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحدًا من المخلوقين، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهم ونأمر بهدم القباب ونهدم ما بني على القبور، ولا يزاد القبر على شبر من التراب وغيره، ونأمر بإقام الصلاة جماعة في المساجد، ونؤدب من تخلف أو تكاسل عن حضورها وترك الحضور في المسجد، ونلزم ببقية شرائع الإسلام كالزكاة والصوم والحج للقادر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وننهى عن الربا والزنا وشرب الخمر، وعن لبس الحرير للرجال، وننهي عن عقوق الوالدين، وعن قطيعة الأرحام. وبالجملة فإنا نأمر بما أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ، وننهى عما نهى الله [عنه] ونهى عنه رسوله، ولا نحرم إلا ما حرم الله، ولا نحل إلا ما أحل الله، فهذا الذي ندعوا إليه، ومن كان قصده الحق ومراده الخير والدخول فيه، التزم ما ذكرنا وعمل بما قررنا، فيكون له ما لنا وعليه ما علينا٢.
_________________
(١) ١ ولد في الرياض سنة ١٢٨٢هـ تولى القضاء، ورحل إلى عسير داعيًا إلى الله، توفي ١٣٦٧ هـ، من مشاهير علماء نجد ص ١٤٦. ٢ انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية. ط (٢) المكتب الهلالي –لبنان- ١٣٨٥هـ ص٢٩٠.
[ ٩٩ ]
وهذه رسالة موجهة إلى كافة المسلمين، يشرح فيها عقيدته:
من محمد بن عبد الوهاب إلى من تصل إليه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد، أخبركم أني -ولله الحمد- عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء لكونه خلاف عادة نشأوا عليها.
وأيضًا ألزمت نفسي ومن تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله. ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنًا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدًا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنقول:
التوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، بل أكثر الناس مقرون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
[ ١٠٠ ]
وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيا مرسلًا، وذلك أن النبي ﷺ بعث والجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعي أحد لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن اتبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى أو الملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو.
وهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء، فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف، أعني على الداعين.
وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم، وبين أهل العلم في أمثال هذا أنه هو الشرك الأكبر وعبادة الأصنام، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر.
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا
[ ١٠١ ]
يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ الآية.
واعلم أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًا وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا. وآخرهم محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن، والأراضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ
[ ١٠٢ ]
يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقرون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه وهو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم منهم من يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿ ليشفعوا لهم، ويدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى -وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، الآية. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله- وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب لله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم -عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد
[ ١٠٣ ]
لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا أو نبيا، أو وليًا أو شجرة، أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله. والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من معنى هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
فإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله، كما ظن المشركون خصوصًا إن ألهمك الله ما قص
[ ١٠٤ ]
عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم طلبوا منه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾، فحينئذ يعظم خوفط وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ .
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾، ولكن إن أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، فجنده هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ
[ ١٠٥ ]
تَفْسِيرًا﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
والحاصل أن كل ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان، وما أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين، فإني لم بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ الآية، وغير ذلك قالوا: لا يجوز العمل لنا ولا لمثلنا بكلام الله ولا بكلام الرسول ولا بكلام المتكلمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.
ولما قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبو ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله. وذكر كل ما قالوا بعدم تصريح الدعوة عند القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورًا.
أما التكفير: فإني أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأئمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنًا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه.
[ ١٠٦ ]
فإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى، والله اعلم١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد، ط٥، مكتبة الإمام الشافعي –الرياض ١٤٠٨هـ ص٢-٨.
[ ١٠٧ ]