بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
صاحب الفضيلة
الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ١
المتشار في الديوان الملكي السعودي
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين كالمبتدعة والمشركين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين.
وبعد فقد تلقيت رسالة من فضيلة الشيخ أبي عبد الله أحمد بن عبد العزيز
_________________
(١) ١ هو صاحب معالي الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام ومجدد الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى وجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، فهو من بيت سلالة وشرف وعلم وفقه وقد توارثوه أبًا عن جد، فوالده المفتي العام للسعودي سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (ت١٣٨٩هـ) . تولى الشيخ عبد العزيز بن محمد مناصب كثيرة منها:
(٢) وبعد صدور الأمر السامي بتحويل المعاهد والكليات إلى مسمى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية صدر أمر ملكي بتعيينه مديرًا للجامعة.
(٣) الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واليوم يشغل مستشارًا في الديوان الملكي السعودي وله نشاطات أدبية وعلمية فبارك الله فيه وفي أولاده النجباء (المؤلف) .
[ ١ ]
الحصين يطلب مني الاطلاع على مؤلفه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب –سلفية لا وهابية) وقد طلب مني كتابة مقدمة لهذا الكتاب وبالاطلاع على الكتاب ودراسته ألفيته من المؤلفات القيمة القائمة على العلم بمقاصد الشريعة، ودعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهذا الكتاب جيد في أسلوبه ومضمونه وفهمه لدعوة الشيخ وأهدافها السلفية.
ومن المعلوم لكل عالم بصير بالأدلة الشرعية، وما درج عليه خلفاء رسول الله ﷺ وسائر الصحابة في سبيل الدعوة وصدق المتابعة لرسول الهدى محمد بن عبد الله ﷺ وآله وسلم، متجرد من الهوى والعصبيات والنعرات المضللة، وفهم حقيقة المذاهب الهدامة وبخاصة المبتدعة من سائر الطوائف الصوفية المنحرفة وأهل الطرق وأشباههم من الغلاة والذين لا فقه لهم في نصوص الكتاب والسنة ولا علم بما درج عليه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان.
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله حين جرد نفسه للدعوة اهتم بتوحيد العبادة وإثبات التوحيد لله ﷾، وبخاصة توحيد العبادة (الألوهية)، فقد انتشرت في العالم الإسلامي بدعة البناء على القبور حتى آل الأمر بكثير من سواد المسلمين إلى عبادة غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة والشجر والحجر، فكانت دعوته دعوة سلفية هي مذهب أهل الحق منذ عهد النبوة حتى عصره.
وقد كان شيخه وقدوته وإمامه في هذا رسول الهدى محمد ﷺ وخلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ أجمعين.
[ ٢ ]
وكان من العلماء المحققين الذين فتح الله عليهم أبواب العلم النافع المستمد من الكتاب والسنة الإمام الحجة شيخ الإسلام العلامة أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه.
وتلميذه العلامة المحقق ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولكي تعرف أيها القارئ الكريم عقيدة السلف الصالح التي درج عليها أئمتنا الأعلام منذ عهد النبوة فإني أنقل لك صدرًا من الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية:
قال ﵀:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس: من الكلام في (التوحيد) (والصفات) وفي (الشرع) (والقدر) لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب فيهما.
فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد، لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة،
[ ٣ ]
وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات.
فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات.
والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتًا.
والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض والحض والمنع. حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة، ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات، والإنشاء أمر أو نهي، أو إباحة.
وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانا خاليا من الزلل.
وهذا يتضمن (التوحيد في عبادته) وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن (التوحيد في العلم والقول) كما دل
[ ٤ ]
على ذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ودل على الآخر سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبي ﷺ يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك.
فأما الأول وهو (التوحيد في الصفات) فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه.
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ الآية.
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: رد للإلحاد والتعطيل.
[ ٥ ]
والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال أهل اللغة هل تعلم له سميا أي نظيرا يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس ﵄ (هل تعلم له سميًا) مثيلا أو شبيهًا.
وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؟﴾ .
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ؟ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَفَلا تَذَكَّرُونَ. أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ. فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
فسبح نفسه عما يصفه المفترون والمشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه إذ هو سبحانه المتسحق
[ ٦ ]
للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات.
وأما (الإثبات المفصل): فإنه ذكر من أسمائه وصفاته، ما أنزله في محكم آياته كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ السورة، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ الآية. وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَة﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ .
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ
[ ٧ ]
تَزْعُمُونَ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان.
فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات.
فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به
[ ٨ ]
الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات.
وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات.
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.
والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات.
وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره، وفي شر منه، مع ما
[ ٩ ]
يلزمهم من التحريف والتعطيل ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات وكما تقتضيه المعقولات ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أنما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد.
ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من وجود قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من موجد كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم، تعين أن لهم خالقا خلقهم.
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره.
فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود: إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في
[ ١٠ ]
الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا وهو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.
ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص واتفاقهما ولا نماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وسمى بعض عباده حيا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي﴾، وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأنه قوله الحي اسم لله مختص به وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.
ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه -﷾.
وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال:
[ ١١ ]
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وسمى آخر حليما فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ " يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير.
وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ " وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾، وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه﴾، وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾، وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ وسمى بعض عباده بالعزيز فقال ﴿وقالت امرأة العزيز﴾ وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه الجبار المتكبر فقال:
[ ١٢ ]
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة.
وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ . وسمى صفة المخلوق علما وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة.
ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
[ ١٣ ]
ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه.
وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وليس المقت مثل المقت.
وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد.
ووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ؟﴾ ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس العمل كالعمل.
ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾، ووصف عباده بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾، وليس المناداة والمناجاة كمالناجاة والمناداة.
ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله:
[ ١٤ ]
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، ووصف عبده بالتكليم في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وليس الإنباء كالإنباء.
ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه﴾، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وليس التعليم كالتعليم.
وهكذا وصف نفسه بالغضب فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ . وليس الغضب كالغضب.
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه، أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ﴾ وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
[ ١٥ ]
ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود: فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، نظائر هذا كثيرة.
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته بخلقه.
فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى: كان معطلًا جاحدًا، ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات.
ومن قال له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات؛ بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ويتبين هذا (بأصلين) شريفين.
(ومثلين) مضروبين –ولله المثل الأعلى.
و(بخاتمة جامعة) .
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب مع تعظيمه لشيخ الإسلام ابن تيمية ربما خالفه في بعض الفتاوى تجردًا عن التعصب، وميلًا إلى ما يعتقد بأنه أقرب إلى الصواب.
والشيخ ﵀ أكرمه الله بحماية دعوته من المعارضين والمعاندين من المبتدعة، والذين يتعلقون بالقبور ويتوسلون بالمقبور ويتحمسون للذود عنها، والدفاع عنها إغراقًا في الجهالة وإمعانًا في سبل الضلالة.
[ ١٦ ]
فبعد أن وجد من المعارضة والمتعلقين بالأضرحة والقبور أمثال ابن عرير حاكم الأحساء، الذي كان في وقته له هيمنة ونفوذ رأي على بعض حكام نجد، والذي حرض حكام العيينة على إبعاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعارضته فيما يدعو إليه بعد كل هذا نزح من العيينه قاصدًا الدرعية، فوصلها ونزل ضيفًا على محمد بن سعود، حاكم الدرعية وشرح له دعوته ومعارضة المعارضين فما كان من محمد بن سعود عليه رحمة الله إلا أن رحب به وعاهده على نصرة دين الله، والذب عنه، ونصرة التوحيد، وقد فوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب في اتخاذ الطرق الإسلامية في نشر الدعوة والدعوة إليه، فانطلقت الدعوة من بلد آمنة بعد أن اطمأن الشيخ على أن الدعوة ستنطلق بقوة وثبات، مؤيده من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فانطلقت الدعوة مؤيدة من إمارة الدرعية بزعامة الإمام محمد بن سعود فواكبها النصر تلو النصر، واتسعت الدائرة بفضل من الله وتوفيقه، حتى جاوزت نجدًا ومدنها، وقراها إلى الحجاز وعسير، ومن ثم إلى بلاد العالم الإسلامي حتى أصبحت بحمد الله مثار الإعجاب والقناعة التامة في كثير من البلاد الإسلامية والعربية.
ويحسن أن أنقل لك أيها القارئ الكريم شيئًا من رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب تتعلق بتوحيد العبادة كتبها إلى أهل المغرب توضح حقيقة الدعوة وأدلتها الشرعية، والرد على من عارضها، قال قدر الله روحه ونور ضريحه:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له
[ ١٧ ]
(وأشهد) أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له (وأشهد) أن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (أما بعد) فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع، والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . والرسول قد أخر بأنه "أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع"، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه (ﷺ) أنه قال: "للتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: "فمن"، وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله، قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات
[ ١٨ ]
وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العلم إلا ما كان خالصًا كمال قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، وذلك أن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .
فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾، فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ
[ ١٩ ]
فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل "يأتي فيخر ساجدًا فيحمده بمحاد يعلمه إياها، ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد له حدًا فيدخلهم الجنة". فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.
وأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، وهو ﷺ حمى جنات التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه، ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب
[ ٢٠ ]
الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين لقوله ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وندعو الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع، إيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
فهذا هو الذي نعتقد وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له مالنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وصلى الله على محمد.
وقد اطلع الشريف غالب حاكم مكة المكرمة وعلماؤها على ما كتبه الشيخ إلى الشريف وعلماء مكة المكرمة في بيان ما دعى إليه من توحيد الله وعبادته، وإنكار ما عليه الكثير من سواد المسلمين من تعلق بالقبور والمقبورين فأيدوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكتبوا ما يلي:
الحمد لله رب العالمين، نشهد -ونحن علماء مكة الواضعون خطوطنا واختامنا في هذا الرقيم- إن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب
[ ٢١ ]
رحمه الله تعالى ودعا إليه أمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقًا ومصر والشام وغيرهما من البلاد إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنه الكفر المبيح للدم والمال والموجب للخلود في النار، ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله، ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين والمسلمين جهاده وقتاله حتى يتوب إلى الله مما هو عليه ويعمل بهذا الدين.
أشهد بذلك وكتبه الفقير إلى الله تعالى: "عبد الملك بن عبد المنعم القلعي الحنفي مفتي مكة المكرمة" عفى عنه وغفر له، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله سبحانه "محمد صالح بن إبراهيم مفتي الشافعية بمكة" تاب الله عليه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى "محمد بن محمد عربي البناني" مفتي المالكية بمكة المشرفة عفا الله عنه وأصلح شأنه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله "محمد بن أحمد المالكي" عفا الله عنه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى "محمد بن يحيى مفتي الحنابلة بمكة المكرمة" عفى الله عنه آمين، أشهد بذلك وأنا الفقير إليه تعالى "عبد الحفيظ بن درويش العجيمي" عفا الله عنه، شهد بذلك "زين العابدين بن جمل الليل" شهد بذلك "علي بن محمد البيتي"، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى "عبد الرحمن جمال" عفا الله عنه، شهد بذلك الفقير إلى الله تعالى "بشر بن هاشم الشافعي" عفا الله عنه.
الحمد لله رب العالمين أشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله عز
[ ٢٢ ]
وجل ونفي الشرك به، هو الدين الحق الذي جاء به النبي ﷺ وإن ما وقع في مكة والمدينة سابقًا والشام ومصر وغيرها من البلدان من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنه الكفر المبيح للدم والمال، وكل من لم يدخل في هذا الدين ويعمل بمقتضاه كما ذكر في هذا الكتاب فهو كافر بالله وباليوم الآخر، وكتبه "الشريف غالب بن مساعد" غفر الله له آمين "الشريف غالب".
ما حرر في هذا الجواب، من بديع النطق وفصل الخطاب، وما فيه من الأدلة الصحيحة الصريحة المستنبطة من الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين، نشهد بذلك ونعتقده ونحن علماء المدينة المنورة، وندين الله به، ونسأله تعالى الموت عليه، ونقول الحمد لله رب العالمين نشهد بأن هذا الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله ﷿ ونفي الشرك هو الدين الحق الذي لا شك فيه، ولا ريب وإنما وقع في مكة والمدينة سابقًا والشام ومصر وغيرها من البلدان إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنها الكفر المبيح للدم والمال، وكل من لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويعتقده كما ذكر الإمام في هذا الكتاب فهو كافر بالله واليوم الآخر، والواجب على إمام المسلمين، وكافة المسلمين القيام بفرض الجهاد وقتال أهل الشرك والعناد.
وكل من خالف ما في هذا الكتاب من أهل مصر والشام والعراق، وكل من كان على دينهم الذي هم عليه الآن، فهو كافر مشرك من موقعه ويمكنه في ذلك إزالة ما عليه من الشرك والبدع وأن يجعل رايته بالنصر خافقة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
[ ٢٣ ]
أشهد بذلك، وأنا الفقير بن حسين بالروضة الشريفة.
وكتبه الفقير إليه عز شأنه "محمد صالح رضوان" شهد بذلك وكتبه "محمد بن إسماعيل" كتبه الفقير إلى الله عز شأنه حسن وعليه ختمهم.
وقد وجدت هذا الكتاب القيم (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب –سلفية لا وهابية) مؤلفًا ينبغي الاهتمام به والمشاركة في نشره وتعميم الفائدة منه، كما وجدته حافلًا بالبطولات والمواقف الإسلامية لأئمة الإسلام والمجاهدين، أولئك الأعلام الذين سجل التاريخ عقيدتهم الإسلامية التي تلقوها من كتاب الله العزيز، وسنة رسوله المصطفى محمد ﷺ.
وبالجملة فإن من أفضل القرب والجهاد في سبيل نصرة الإسلام طبع هذا الكتاب الجليل ومد يد العون لمؤلفه -جزاه الله أفضل الجزاء- وجعله من الدعاة المصلحين وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
المستشار في الديوان الملكي
المملكة العربية السعودية -الرياض
[ ٢٤ ]