أثر دعوة الإمام
محمد بن عبد الوهاب
في العالم الإسلامي
مضت سنة الله ﵎ منذ فجر البشرية البعيد في التفريق بين المصلحين والمفسدين، وبين المحقين والمبطلين، وأن أصحاب الباطل مهما تساندوا فيما بينهم ضد الحق، ومهما تألبوا عليه، ووالي بعضهم بعضًا ضده، فإنهم مهزومون، وأصحاب الحق هم المنصورون، لأن الحق أصيل في تصميم هذا الوجود، وما على المسلمين الموحدين إلا أن يمضوا بيقين جازم، وثقة قوية بوعد الله تعالى ونصره، لا يخامرهم شك، ولا يخالطهم قلق، ولا تتسرب إليهم ريبة، وحين يتيقن القلب المؤمن ويستوثق يعرف طريقه فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد، وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا، والأفق منيرًا، والغاية محددة، والنهج مستقيمًا، ويردد في كل ما يأتي أو يدعو: وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد سلطانه إلا من الله ﷿، ولا يمكن أن يهاب إلا سلطان الله ﵎، فإذا أخلص لربه ولدعوته أيده الله ﷾، وجعل قلوب المخالفين والمعاندين تتوجه إليه بالمودة والرحمة والنصرة، وربما أصبحوا جنودًا للدعوة وخدمًا، وبهذا يعلن الحق قوته وصدقه وثباته وحياته، فيندحر الباطل ويزهق ويتوارى، ومتى استقرت حقيقة الإسلام في دعاته وتمثلت في واقع حياتهم تجردًا لله ومنهجًا للحياة فلن يجعل الله للظالمين
[ ٤١٦ ]
على الصالحين سبيلًا، وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها، ونحن نقرر في ثقة بوعد الله ﷿ لا يخالجها شك، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان، إما في الشعور وإما في العمل، وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ثم يعود النصر، ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئًا من هذا، فلا بد أن يدافع الموحدون عن التوحيد، وأن يلقوا في سبيله العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر حينًا والهزيمة حينًا آخر، حتى إذا ثبتوا على الحق لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق الفتن، استحقوا نصر الله ﷿، لأنهم يومئذ أمناء على دين الله ﷿، صالحون لصيانة الهدى الحق والذود عنه.
إن النصر مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يصمدون للزلزلة، ولا يحنون رؤسهم إلا لله رب العالمين، فيهبهم قوة ويصفيهم، ويكسب دعوتهم عمقًا وحيوية وإشراقًا يتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ ينحازون إليها بعدما كانوا يحاربونها، ويناصرونها بعد مناوءة وعداء، وهذا حصل للدعوة الإسلامية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فاستأسد عليها الثعالب، واستنسر عليها البغاتة، وتربص بها وبأصحابها المتربصون، ونكل بالمخلصين من أبنائها ونالهم كل مكروه باللسان واليد، والدعاة يعلمون أنها ليست أولى المحن التي مرت على المسلمين، وأنتم تعلمون أنه مرت على الجزيرة العربية أيام كانت منزوية، تمر مواكب الحياة من أمامها فلا تحس بها ولا تراها، لم يكن لها كلمة، ولم يخرج منها دعاة، ولا تملك جامعات، فانظروا مكانتها اليوم بحمد الله ﷿، وتأملوا المسلمين اليوم في جزيرة العروبة، وموطن الإسلام الأول.
[ ٤١٧ ]
إن هذا من بركة دعوة الإمام المجدد والأمير المسدد، اللذين أخلصا لله ﷿، وزهدا في الحياة، فصنع الله تعالى بهما ذلك كله، وبارك الله بتلك الجهود الخيرة، فظهر شباب ناشؤون في طاعة الله تعالى، مجاهدون في سبيله تركوا هواهم لطاعة ربهم، وشهواتهم لمرضاته، يؤمون المساجد ولا تردهم مشاغل الحياة عن طلب العلم ودعوة الناس إلى الخير، حتى انتشرت الدعوة الإسلامية الصحيحية في كل مكان، وصار لها دعاة موحدون مخلصون متحمسون، وإن النهار لهم، فلقد أذن مؤذن الصحوة الإسلامية متأثرًا بدعوة الإمام، وامتد تأثيرها إلى جميع الأمصار، وقامت على أساس مبادئها حركات دينية إصلاحية لا حصر لها، ووجهوا ولاءهم الديني والسياسي شطر أمير الدرعية عبد العزيز بن محمد بن سعود، كما يقول عثمان بن بشر عن ولاء أهل الشام للدعوة الإسلامية: "ظهر مع عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية، وهم ست نجائب محملات زكوات بوادي أهل الشام"١.
وزاد الله ﷿ الدعوة نفوذًا وقوة وانتشارًا حتى وصلت إلى "أندونيسيا" شرقًا، وقد نقلها الحجاج الذين تلقوا العلم في المسجد الحرام، وتأثروا تأثرًا عميقًا بالدعوة الإسلامية الصحيحة، فلما عادوا إلى بلادهم أخذوا يعلمون الناس التعاليم الإسلامية الصحيحة من الكتاب والسنة، وتخليص الإسلام مما خالطه من الشوائب، وكان له أياد بيضاء في مكافحة الاستعمار، وظهور ثمارها في البلاد العربية والإسلامية منه.
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد ٨١٢٦.
[ ٤١٨ ]