إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجميعن.
تمر علينا أيام حالكة الظلام، ظلام يحجب عن معظم الناس الرؤية الواضحة في التصور: فليس هناك فرق لدى العامة بين ما يقوله الله تعالى، وبين ما يقوله الجهلاء من بني البشر، وظلام في التلقي فهذا يتلقى عن داعية القومية، وذاك ينادي بالوطنية، وثالث يرفع عقيرته مناديًا بالعدالة الاجتماعية، ورابع يعبد الرأسمالية والديمقراطية.
وكثير ممن يزعمون أنهم من علماء الدين -وقد أضلهم الله على علم، نراهم يرقصون ويترنحون ما بين قبر البدوي ومقام الحسين، وغيره مما عرف بالعتبات المقدسة، وإذا ما أراد أحدهم أن يؤلف كتابًا عن إمام من أئمة الابتداع والتخريف ذهب إلى قبره يستشيره في تأليف هذا الكتاب.
وآخر نراه يتحدث في كل مناسبة بأن تلامذه يصافحون رسول الله ﷺ حقيقة وليس في المنام، وإذا ما زار أحدهم المدينة النبوية دعاه رسول الله إلى حفل غذاء أو عشاء، يحضره كبار الصحابة والتابعين وأولياء الله.
[ ٧ ]
أما حديث التلاميذ عن شيخهم المعمم ففيه العجب العجاب، فإن الواحد منهم يقول: إنه إذا هم بمعصية يرى صورة شيخه أمامه، محذرًا متوعدًا له، فيخشاه ويتراجع عن معصيته خوفًا من شيخه، وليس خشية من الله، وهذا ليس افتراء منا على الشيخ، فهو يتحدث في دروسه العامة بهذا وبأكثر منه.
وإذا كان هذا شأن المنسوبين إلى العلم، فماذا ننتظر من دهماء الناس؟ إن عبادة الآلة من دون الله ما زالت قائمة وإن تغيرت الأسماء وتباينت الألفاظ، "فالقومية" بدلًا من "اللات"، و"الوطنية" بدلًا من "هبل"، و"الديموقراطية" بدلًا من "العزى".
والعواصم العربية مزدحمة بالأصنام، فهذه الأهرامات، وهذا صنم الزعيم فلان، وهذا تمثال للعامل، وذاك وثن للجندي المجهول هي أصنام أشد خبثًا وشركًا من أصنام الجاهلية، إذ إن أصنام الجاهلية، بدائية ساذجة، أما هذه الأصنام فالواحد منها يكلف مليونًا أو أكثر من ذلك، لأنه قد صنع من معدن "البرونز" الثمين، ورحم الله حافظ إبراهيم الذي صاغ هذا الواقع المرير بأبيات رقاق من الشعر فقال:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم وبألف ألف يرزق الأموات
ويقال: هذا القطب باب المصطفى ووسيلة تقضى به الحاجات
[ ٨ ]
وأنا أعذب في الحياة وليس لي يا أم دفر مابه أقتات
في هذا الليل الذي أرخى سدوله، وزادت ظلمته، وتباعد فجره –نفتقد أمثال شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" ﵀، لقد نهض داعية الجزيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في بيئة تشبه ما نحن عليه الآن، فالناس في "نجد" قد عادوا إلى الجاهلية الأولى، عادوا إلى حياة العزو والنهب والسلب، التي وصفها شاعر الجاهلية فقال:
وأحيانا على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا
عادوا إلى الشرك، وعبادة الأحجار والأشجار، لتقربهم إلى الله زلفى، فناس يهيمون ويشدون الرحال إلى قبر زيد بن الخطاب، وآخرون يتوجهون إلى الشجرة المقدسة يسألونها أمورًا هي من حقوق الله وحده، وناس يذبحون لغير الله.
والعلماء جمود على الخرافة والتقليد، قد ألفوا هذا الواقع المرير، وانصرفوا إلى الدنيا ومتاعها وزينتها، وقعدوا عن إنكار المنكر، وعن الأمر بالمعروف. وما عاد أحد ينتظر منهم أي تغيير أو تجديد. في هذا الجو الخانق صدع الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته، وراح يجوب الأمصار والمدن والقرى، ويقطع الصحاري والقفار، يطلب العلم ويعلمه، وينذر الناس، ويذكر العلماء بواجبهم، ويطالبهم بأن يأدوا دورهم، فأوذي في
[ ٩ ]
سبيل الله وهدد بالقتل، واعتدى عليه سفهاء الناس، وتنكر له علية القوم، فخرج إلى "الدرعية"، خرج وحيدًا طريدًا، ولأن الله يعلم منه إخلاص القصد فقد أكرمه بالنصرة والمنعة، ويسر له من يذود عن دعوته بماله وسلاحه، وبعد سنوات قلائل كانت الجزيرة العربية بأسرها قد توحدت تحت راية التوحيد الذي أنزله الله على رسوله ﷺ.
وأدرك أعداء الإسلام خطورة الدعوة الجديدة، بعد أن انطلقت جحافل الموحدين تقرع أبواب العراق والخليج وبلاد الشام، فسخرت فرنسا الصليبية صنيعتها محمد علي باشا، وأمدته بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات، واستعان بضعاف النفوس وأصحاب المطامح من وجهاء الجزيرة وأشرافها، الذين فقدوا زعامتهم التي ما كان لها أن تنمو لولا الخرافة والفرقة والجاهلية، واستطاع أعداء الإسلام أن يوقفوا زحف الدعوة الإصلاحية وأن يضعوا العراقيل في مسيرتها المظفرة، فخسر العالم الإسلامي خسارة كبيرة عندما توقف زحف الدعوة.
وأعداء الله منذ القديم يعملون على تشويه الإسلام وإيقاف مده، وإقامة مساجد الضرار التي تتظاهر بالإسلام وتبطن الخبث والإلحاد.
ثم عادت الدعوة بعد حين إلى ربوع الجزيرة، وانبثق عنها نظام حكم، وإذا كان امتدادها السياسي قد توقف في حدود شبه الجزيرة العربية، فامتدادها الفكري قد شمل العالم الإسلامي بأسره، وها نحن نجد أنصارًا لهذه الدعوة في الهند وباكستان، وبلاد الشام ومصر والسودان، وأثرهم يزداد يومًا بعد آخر، والحمد لله.
[ ١٠ ]
ولا يزال للدعوة أعداء في كل رقعة من العالم الإسلامي، ولا يجدون أسلوبًا لمهاجمة هذه الدعوة غير الإفتراء والبهتان، فمثلًا: يقولون بأن أنصار "محمد بن عبد الوهاب" يكرهون الرسول ﷺ، وإذا ذكر اسمه لا يصلون عليه، وأنهم اخترعوا مذهبًا خامسًا إلى آخر ما في جعبهم من أباطيل وترهات، وزيادة في تنفير العامة يسمونها "الوهابية" بدلًا من "السلفية"، وحاشاه مما افتروا عليه، فكل الذي قام به الشيخ هو إصلاح للعقيدة في نفوس من حادوا عنها، بإزالة ما علق بها من أضاليل الصوفية، وأباطيل الدهريين، لتعود كما كانت ناصعة بيضاء، كما فهمها لنا رسول الله ﷺ وصحابته الغر الميامين رضوان الله عليهم، فقد دعا محمد بن عبد الوهاب إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتوجه بالتوحيد إليه ﷾، دون وسيلة ولا واسطة من بشر أو حجر أو شجر، ثم دعا إلى إعادة تحكيم الشريعة الإسلامية، وإقامة الحدود، وستبقى هذه الدعوة العظيمة ناصعة مشرقة، وسيبقى ذكر صاحب هذه الدعوة عطرًا طيبًا. فهو -بإذن الله- ليس ملكًا لبلد، ولا وقفًا على قبيلة، ولكنه أنموذجًا إصلاحيًا للعالم الإسلامي بأسره، وعشريته هم الموحدون المؤمنون في كل بقعة من عالمنا الإسلامي الكبير، وشعورًا منا بفضل هذا الرجل، وحاجة المسلمين إلى أمثاله اليوم، قمنا بتأليف كتابنا هذا ردًا على أعداء الدعوة والحاقدين عليها، وكشف زيفهم وافترائهم على هذه الدعوة المباركة، وكلنا أمل في الله ﷿، ثم في هذا المد الزاحف من الدعاة الصالحين المصلحين، الذين يعلمون المسلمين ويرشدونهم إلى التوحيد الخالص والإسلام الصحيح، ويعيدون صورة المسلمين الأولين إلى أذهانهم، وإلى قلوبهم،
[ ١١ ]
ويذكرونهم بسير أبطال الإسلام وشيوخه وأخلاقهم، ويحثونهم على الالتزام بتعاليم الله ورسوله، فعلى كل مسلم أن يراجع ماضيه، ويصحح نيته، ويبحث عن الخطأ، ويحاول معالجته بنفسه، وليكن على نور من ربه وسنة نبيه، ويجدد العهد لإعادة مجد الإسلام الذي لا يمكن أن يظهر وينتشر إلا بعود المسلمين إلى سابق عهدهم –أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم، وهكذا حتى يتم الله نوره بنصره.
وقبل أن نختم المقدمة نقول لكم: تذكروا كيف صنع الإخلاص لدعوة التوحيد في العصور الأخيرة، وأفاد الله الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة عندما أخلص الإمام والأمير والمأمور (أو: الرعية) لله العلي الكبير.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الله
أحمد بن عبد العزيز الحصين
[ ١٢ ]