ومن العبادة: التوكل والرجاء والخشوع: فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظمين، ومن أهل القبور،
[ ٤٠ ]
ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلما وإن ادّعى الإسلام، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى وصام وحج البيت، قال الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]
وقال الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]
وأمر الله - تعالى - رسوله محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]
وهؤلاء الجهَّال غرَّهم علماء السوء والضلال الذين عرفوا بعض الفروع، وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك، جهلًا منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديما وحديثا على رسول الله ﷺ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم
[ ٤١ ]
الشيطان، وما شابه ذلك من الضلالات التي جمعوها في كتبهم، ليؤيدوا بها عبادتهم لغير الله اتباعا للشيطان وللهوى، وتقليدا أعمى للآباء والأجداد، كحال المشركين الأولين.
والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها في قوله - ﷿ -: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] هي الأعمال الصالحة من توحيد الله والصلاة والصدقة والصيام والحج والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، ونحو ذلك، أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الشدائد والكربات فهذا عبادة لهم من دون الله.
وشفاعة الأنبياء والأولياء وغيرهم من المسلمين الذين يأذن الله لهم في الشفاعة حق نؤمن بها، ولكنها لا تُطلب من الأموات؛ لأنها حق لله لا تحصل لأحد إلا بإذنه - تعالى - فيطلبها الموحد لله من الله - تعالى - قائلًا: " اللهم شفع فيَّ رسولك وعبادك الصالحين "، ولا يقول: يا فلان اشفع لي لأنه ميت، والميت لا يطلب منه شيء أبدا، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤]
[ ٤٢ ]
ومن البدع المحرمة المخالفة للإسلام والتي نهى عنها رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين والسنن: اتخاذ المساجد والسرج على القبور، والبناء عليها، وتجصيصهما والكتابة عليها، وإلقاء الستور عليها، والصلاة في المقبرة، كل هذا نهى عنه الرسول الكريم، ﷺ؛ لأنه من أعظم أسباب عبادة أصحابها.
وبهذا يتبين أن من الشرك بالله ما يفعله الجهال عند بعض القبور في كثير من البلدان، مثل قبر البدوي والسيدة زينب في مصر، وقبر الجيلاني في العراق، والقبور المنسوبة لآل البيت - ﵃ - في النجف وكربلاء في العراق، وقبور أخرى في كثير من البلدان من الطواف حولها، وطلب الحوائج من أهلها، واعتقاد النفع والضرّ فيهم.
ويتبين أن هؤلاء بفعلهم هذا مشركون ضالون، وإن ادّعوا الإسلام وصلّوا وصاموا وحجوا البيت، ونطقوا بلا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن الناطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله لا يعتبر موحدا لله حتى يعرف معناها، ويعمل به كما تقدم بيان ذلك، أما غير المسلم فإنه يدخل في الإسلام
[ ٤٣ ]
ابتداءً بنطقه بها، ويسمى مسلما حتى يتبين منه ما ينافيها من بقائه على الشرك كهؤلاء الجهال، أو إنكاره لشيء من فرائض الإسلام بعد بيانها له، أو إيمانه بدين يُخالف دين الإسلام، والأنبياء والأولياء (١) بريئون ممن يدعوهم ويستغيث بهم؛ لأن الله - تعالى - أرسل رسله لدعوة الناس إلى عبادته وحده، وترك عبادة من سواه نبيًّا أو وليًّا أو غيرهما.
ومحبة الرسول ﷺ، والأولياء المقتدين به ليست في عبادتهم؛ لأن عبادتهم عداوة لهم، وإنما محبتهم في الاقتداء بهم والسير على طريقتهم، والمسلم الحقيقي يحب الأنبياء
_________________
(١) أولياء الله هم الموحدون لله المطيعون له، المتبعون لرسوله ﷺ، منهم من يعرف بسبب علمه وجهاده، ومنهم من لا يعرف، والمعروف منهم لا يرضى أن يقدسه الناس، والأولياء حقًّا لا يدعون أنهم أولياء بل يرون أنهم مقصرون، وليس لهم لباس مخصوص أو هيئة مخصوصة إلا التأسي بالرسول ﷺ في ذلك، وكل مسلم موحد لله متبع لرسوله فيه من الولاية لله بقدر صلاحه وطاعته، وبهذا يتبين أن الذين يدعون أنهم أولياء لله، ويلبسون لباسا خاصًّا لكي يعظمهم الناس ويقدسوهم، يتبين أنهم ليسوا أولياء لله ولكنهم كذَّابون.
[ ٤٤ ]
والأولياء، ولكنه لا يعبدهم، ونحن نؤمن بأن محبة الرسول ﷺ واجبة علينا فوق محبة النفس والأهل والولد والناس أجمعين.