بعد استعرض الأقوال الواردة في المسألة يمكن استخلاص الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: بالنظر إلى الآيات القرآنية التي استدل بها كل فريق فإنها لا تدل دلالة صريحة على إثبات الرؤية ولاعلى نفيها.
فنفاة الرؤية استدلوا بقوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فعائشة - ﵂ - استدلت بهاتين الآيتين فقالت: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ والله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ". وقد أجاب ابن عباس على الاستدلال بقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لما سئل عنها بقوله: "ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره".
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه خبرها أنه لم ير ربه ﷿، وإنما تلت قوله ﷿ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ تدبر الآيتين ووفق لإدراك الصواب علم أنه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق من قال: أن محمدًا رأى ربه الرمي بالفرية على الله كيف بأن يقول "قد أعظم الفرية على الله؟ "".
لأن قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قد يحتمل معنين على مذهب من يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه ﷿، قد يحتمل بأن يكون معنى قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ
[ ٤٤ ]
الأَبْصَارُ﴾ على ما قال ترجمان القرآن لمولاه عكرمة: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.
والمعنى الثاني، أي: لا تدركه الأبصار أبصار الناس لأن الأعم والأظهر من لغة العرب أن الأبصار إنما يقع على أبصار جماعة، لا أحسب عربيا يجيء من طريق اللغة يقول لبصر امرئ واحد أبصار، وإنما يقال لبصر امرئ واحد بصر، ولا سمعنا عربيا يقول لعين امرئ واحد بصرين فكيف أبصار.
ولو قلنا: إن الأبصار ترى ربنا في الدنيا لكنا قد قلنا الباطل والبهتان، فأما من قال: إن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق فلم يقل: إن الأبصار قد رأت ربها في الدنيا فكيف يكون يا ذوي الحجى من يثبت أن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق مثبتا أن الأبصار قد رأت ربها فتفهموا يا ذوي الحجى هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس -﵄- وأبو ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله، ولا خالفوا حرفا من كتاب الله في هذه المسألة.
فأما ذكرها ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ فلم يقل أبو ذر وابن عباس - ﵄ - وأنس بن مالك ولا واحد منهم ولا أحد ممن يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه ﷿ أن الله كلمه في ذلك الوقت الذي كان يرى ربه فيه، فيلزم أن يقال: قد خالفتم هذه الآية. ومن قال إن النبي ﷺ قد رأى ربه لم يخالف قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ ﴾ وإنما يكون مخالفا لهذه الآية من يقول رأى النبي ﷺ ربه فكلمه الله في ذلك الوقت"١.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٧-٥٥٩.
[ ٤٥ ]
وأما الآيات التي استدل بها على إثبات الرؤية فهي:
قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ١١-١٤] .
وقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] .
فهذه الآيات كما ذكر أهل العلم لاتدل دلالة صريحة على إثبات رؤية النبي ﷺ لربه وإليك أقوالهم:
قال الإمام ابن خزيمة عن الاستدلال بقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: "وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبيِّن، وفيه نظر؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من أيات ربه الكبرى. ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه - جل وعلا - وآيات ربنا ليس هو ربنا - جل وعلا - فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية"١.
قال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول: إنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك"٣.
وقال أيضًا: "وقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٤٩٢. ٢ الشفا (١/٢٦١) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/٥٠٩-٥١٠) .
[ ٤٦ ]
وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء ٦٠]، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه"١.
وقال ابن القيم "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها٢"٣.
وقال أيضًا: "والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل، وأما قول ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" فالظاهر أن مستنده هذه الآية، وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس"٤.
وقال شارح الطحاوية: "وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩ - ٥١٠ ٢ تقدم تخريجه ٣ زاد المعاد ٣/٣٨ ٤ التبيان في أقسام القرآن ص (٢٥٦)
[ ٤٧ ]
جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها"١.
وقال ابن كثير: "وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني صار بينه وبين محمد ﷺ إنما هو جبريل - ﵇ - هو قول أم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله.
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، فجعل هذه إحداهما. وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء "ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى" ٢، ولهذا تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض"٣.
الوقفة الثانية: وبالنسبة للسنة ليس هناك دليل صريح قاطع -أيضًا- لأحد الفريقين.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٧٥. ٢ جزء من حديث الإسراء الطويل أخرجه البخاري ص١٥٧٧ كتاب التوحيد باب ما جاء في قوله ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ رقم ٧٥١٧. وقد ناقش الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/٤٨٣-٤٨٦) أقوال العلماء في هذه الرواية وتفرد شريك بن عبد الله بن أبي نمر ببعض الألفاظ بالتفصيل وانتهى إلى قوله: "والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها: إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة". ٣ تفسير ابن كثير ٧/٤٢٢.
[ ٤٨ ]
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه أخبرها أنه لم ير ربه ﷿"١.
قال القاضي عياض: "ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم ترو عائشة - ﵂ - في ذلك عن النبي ﷺ شيئًا، ولا سألته عن ذلك. ولا نُقل في ذلك عن الصديق - ﵁ -، كما يروونه ناس من الجهال: "أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: نعم، وقال لعائشة: لا" فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء"٣.
قال النووي: "ثم عائشة - ﵂ - لم تنف الرؤية بحديث عن رسول ﷺ ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٤.
وقال السيوطي: "ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله ﷺ، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٥.
ومع كون الأدلة من السنة لا تنص على نفي الرؤية مطلقًا إلا أنها تنفي الرؤية البصرية.
قال ابن أبي العز: "لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربَّه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر - رضي الله
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٧ ٢ الشفا (١/٢٦١) ٣ مجموع الفتاوى ٣/٣٨٦ ٤ صحيح مسلم بشرح النوووي (٣/٩) ٥ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (١/٢٢١)
[ ٤٩ ]
عنه - قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" وفي رواية "رأيت نورًا"، وقد روى مسلم – أيضًا - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية - النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١، فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: "رأيت نورًا" أنه رأى الحجاب، أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك"٢.
الوقفة الثالثة: إن قول ابن عباس لا يمكن أن يقال من قبيل الاجتهاد.
قال ابن خزيمة: "..فقد ثبت عن ابن عباس إثباته أن النبي ﷺ قد رأى ربه وبيقين يعلم كل عالم أن هذا من الجنس الذي لا يدرك بالعقول والأراء والجنان والظنون، ولا يدرك مثل هذا العلم إلا من طريق النبوة إما بكتاب أو بقول نبي مصطفى، ولا أظن أحدا من أهل العلم يتوهم أن ابن عباس قال رأى النبي ﷺ ربه برأي وظن، لا ولا أبو ذر، لا ولا أنس بن مالك، نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة - ﵂ - وابن عباس - ﵄ - في هذه المسألة: "ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس"
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم -كتاب الإيمان، باب قوله ﷺ "إن الله لا ينام". وابن ماجه رقم ١٩٥. والإمام أحمد في مسنده ٤/٤٠٥. ٢ شرح العقيدة الطحاوية (١/٢٢٢)
[ ٥٠ ]
نقول عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة كذلك ابن عباس - ﵄ - ابن عم النبي ﷺ قد دعا له النبي ﷺ له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء وهو المسمى بترجمان القرآن، ومن كان الفاروق - ﵁ - يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه"١.
قال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك"٢.
وقال النووي: "وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه"٣.
وقال السيوطي: "وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع"٤.
الوقفة الرابعة: المثبت مقدم على النافي.
مع عدم وجود النص القاطع من الكتاب أو السنة، ومع ثبوت الرواية عن ابن عباس وأن ذلك لا يمكن اعتباره من باب الاجتهاد منه، فإن بعض من رجح قول ابن عباس احتج لقوله: بأن ابن عباس مثبت، وعائشة تنفي، والقاعدة تقول في مثل هذا الحال: قول المثبت مقدم على قول النافي وممن احتج بذلك:
ابن خزيمة حيث قال: "وقال أبو ذر وابن عباس - ﵄ - قد رأى النبي ﷺ ربه، وقد أعلمت في مواضع في كتبنا
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٩-٥٦٠. ٢ إبطال التأويلات (١ / ١١٤) ٣ صحيح مسلم بشرح النووي (٣/٩) ٤ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (١/٢٢١)
[ ٥١ ]
أن النفي لا يوجب علما، والإثبات هو الذي يوجب العلم"١.
وقال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة. لأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي"٢
وقال البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد: "وقد نفت السيدة عائشة - ﵂ - وقوعها له ﷺ لكن قدم عليها ابن عباس؛ لأنه مثبت والقاعدة: أن المثبت مقدم على النافي"٣.
قال الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين: " واختلف في تلك الرؤية، فقيل رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن، وغيرهم وقيل: لم يره بعينه، وهو قول عائشة ﵂، والصحيح الأول، لأن المثبت مقدم على النافي"٤.
الوقفة الخامسة: الجمع مقدم في حال التعارض.
في حال وجود الخلاف فإن الجمع أولى من الترجيح في حال التعارض إذا كان ممكنًا، وهذا ما دعى بعض العلماء إلى حمل نفي عائشة على الرؤية البصرية، وإثبات ابن عباس على الرؤية القلبية، وبهذا يزول التعارض بين القولين. وممن أخذ بهذا الجمع شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن أبي العز، وابن كثير، وابن حجر، والسفاريني، والشنقيطي وغيرهم، وقد تقدم ذكر أقوالهم.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٦. ٢ إبطال التأويلات (١ / ١١٤) ٣ شرح جوهرة التوحيد ص ١١٨ ٤ حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٤/١٣٧.
[ ٥٢ ]
الوقفة السادسة: المقصود بالرؤية القلبية.
وضح القائلون بالرؤية القلبية المقصود بذلك، ومن أقوالهم في معنى الرؤية القلبية:
ما قاله القرطبي - صاحب التفسير - في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: "أي: لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن - الله تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى - ربه تعالى - وجعل الله تلك رؤية"١.
وقال أبو العباس القرطبي ﵀ في المفهم: "وقول ابن عباس: أنه ﵇ رآه بفؤاده مرتين. الفؤاد القلب ولا يريد بالرؤية – هنا - العلم، فإنه ﵊ كان عالمًا بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي ﷺ في القلب، وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يشترط لها محل مخصوص عقلًا، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين"٢.
وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده، فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي ﷺ.
والجواب أنهم قالوا: إن الله - تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه"٣.
وقال ابن حجر ﵀: "ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرأن ١٧/٩٢. ٢ المفهم ١/٤٠٧ ٣ تفسير القرآن للسمعاني ٥/٢٨٨.
[ ٥٣ ]
حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة خلقها في العين"١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٧٤
[ ٥٤ ]