كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ مبدأ تفرق هذه الأمة المحمدية في دينها وفي سياستها، وكان مبتدع أصوله يهودي اسمه عبد الله بن سبأ (١) أظهر الإسلام خداعًا للمسلمين ودعا إلى الغلو في علي كرَّم الله وجه لأجل تفريق هذه الأمة وإفساد دينها ودنياها عليها كما فعل أمثاله في النصرانية قديمًا وحديثًا، وسبب ذلك ما كان من العداوة والقتال بين قومه اليهود وبين النبي صلوات الله وسلامه عليه وكانوا هم المعتدين فيه، وقد انتهى ذلك بنصر الله تعالى لرسوله
_________________
(١) نقل القمي (ت ٣٠١هـ) في كتابه المقالات والفرق ص ٢٠ أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وادّعى أن عليًا أمره بذلك، وقد بُحِثت شخصية ابن سبأ بتوسع في عدة كتب منها: (عبد الله بن سبأ حقيقة لا خيال، د. سعدي مهدي الهاشمي)، (بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، عبد الله الجميلي)، (كتاب عبد الله بن سبأ وإمامة علي ﵁، علي عبد الرحمن السلمان)
[ ٤ ]
عليهم وإخراجهم من جواره في مدينته ودار هجرته، ثم أجلى عمر بن الخطاب الخليفة الثاني بعده من بقي منهم في أرض الحجاز.
ابتدع هذا اليهودي بدعته، وأعانه عليها آخرون من أهل ملته، أظهروا الإسلام نفاقًا ليقبل المسلمون أقوالهم الخادعة، ومنها وضع الأحاديث وغش رواة التفسير بالخرافات الإسرائيلية وغير ذلك.
بيد أن العداوة بين المسلمين واليهود لم تطل عليها الأمد؛ لأن اليهود كانوا مظلومين مُضطهدين في وطنهم القديم في البلاد المقدسة وما جاورها، وفي البلاد التي تفرقوا فيها، فلما فتح المسلمون الأمصار في الشرق والغرب رفعوا عنهم الظلم الذي أرهقهم من نصارى الروم والقوط وعاملوهم بالعدل والرحمة كالمسلمين وغيرهم فكفوا عن الكيد لهم وفضلوا سلطانهم على كل سلطان. (١)
ولكن بدعة التشيع كانت قد سرت وانتشرت في المسلمين
_________________
(١) للاستزادة يُراجع كتاب: (العنصرية اليهودية وآثارها في المجتمع الإسلامي والموقف منها، للدكتور: أحمد بن عبد الله بن إبراهيم الزغيبي) .
[ ٥ ]
بالدعاية السرية، وكانت أقوى الأسباب في العداوة السياسية بين كبراء الصحابة ﵃ بما كان مما يسمى في عرف هذا العصر بسوء التفاهم وحسن النية، ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلًا يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيين لذات البَيْن، وحَيْلُولَتهم بالمكر والفساد دون ما كاد يقع من الصلح (١) .
لولا أن خلف زنادقة الفرس هؤلاء السبئيين، في إدارة دعاية التفريق بين المسلمين، بالتشيع والغلو في علي وأولاده وأحفاده الطاهرين ﵃ لزال خطرها بعد ترك اليهود لزعامتها السرية، ولكن الخليفتين الجليلين أبا بكر وعمر ﵁ حاربا الفرس وتم للثاني فتح جُلّ بلادهم وثَلُّ عرش كسرى والقضاء على ديانتهم المجوسية، فأحفظ ذلك قلوب أمرائهم وزعمائهم من رجال الدين والدنيا، وليس لذي
_________________
(١) راجع ص ٩٥، ٩٦، ١٠٣ من الجزء الثالث، وفي هذه الصفحة أنهم طعنوا على عليٍّ وهم الدعاة إلى القول بألوهيته. (ر)
[ ٦ ]
العجز عن الثأر بالقوة الحربية إلا المكايد السرية، فتولى مهرة رجال الفرس أمرها وكانوا أجدر بها وأهلها، فمنهم من تولى السعي لإفساد دين العرب الذي انتصروا بتعاليمه وجمعه لكلمتهم على الفرس وغيرهم، ومنهم من تولى السعي للإفساد السياسي بتحويل الخلافة إلى العلويين، ولما لم يجدوا منهم لزهدهم في الدنيا من يواتيهم على كل عمل ولو غير مشروع في الدين حولوها إلى العباسيين، ثم صاروا يكيدون للعباسيين بما كان أغرب طرقهم فيه ما قام به البرامكة من جعل جميع إدارة ملك الرشيد الواسع وسياستهم في أيديهم، حتى تنبَّه لذلك فبطش بطشته الكبرى بهم، وكانوا قد ملكوا عليه سويداء قلبه، مع قبضهم على أزمة ملكه. (١)
وكان أذكى من فطن لدسائس البرامكة وإلحاد الشيعة الباطنية ووقف على كثير من دقائقه العلامة المحقق القاضي أبو بكر بن العربي الأندلسي كما نوَّه به في رحلته وفي كتاب العواصم والقواصم، ويليه حكيم الإسلام ابن خلدون فقد أشار إليه في مقدمة تاريخه.
_________________
(١) أقول: هذا أحد الآراء والاحتمالات الواردة في تفسير ما أوقعه الخليفة العباسي هارون الرشيد من قتل للبرامكة بسبب تآمرهم الشعوبي - حسب هذا الرأي - على كيان دولته بإشاعة التهتك وتدمير الاقتصاد بل وربما الزندقة. انظر للاستزادة: تاريخ الإسلام لذهبي (١٠ / ٢٤ - ٣٠، ١٦ / ٤٧٦)، تاريخ ابن خلدون (٣/٢٧٩)، محاضرات تاريخ الأمم الاسلامية للخضري (الدولة العباسية ص ١١١) .
[ ٧ ]