كان من تعليم غلاة الشيعة بدعة عصمة الأئمة الذين استخدموا أسماءهم وشهرتهم لترويج سياستهم، وبدعة تحريف القرآن والنقص منه بفريتهم ثم البدع المتعلقة بالقائم المنتظر محمد المهدي وكونه هو الذي يظهر القرآن التام الصحيح الذي يزعمون أن عليًّا كتبه بيده بعد وفاة النبي ﷺ. (١)
وفتحهم أبواب التأويلات لنصوصه بما لا يتفق مع شيء من قواعد اللغة، فكان قدوة سيئة لجميع المبتدعة، دع قول بعضهم بألوهية بعض أئمة أهل البيت الموروثة عند الإسماعيلية وغير الموروثة عند غيرهم من الباطنية، ثم دع كون غايتهم بعد الوصول إلى آخر درجات الدعوة الكفر الصريح كما تراه مبسوطًا في خطط المقريزي [٣ / ٤٢١ - ٤٢٤ ط: مدبولي] وغيره.
وأهم ما يجب بيانه في هذه المقدمة:
أنه كان بين من أطلق عليهم لَقَبُ الشيعة أو وَصْفُ التشيع على اختلاف تعاليمهم وعقائدهم الظاهرة والباطنة أناس من أهل السنة والجماعة وكانوا يرون أن عليًّا ﵁ أحق بالخلافة من غيره، ومنهم
_________________
(١) يقول محمد بن النعمان الملقب بالمفيد في " المسائل السروية " ص٨١-٨٨: «إن الخبر قد صح عن أئمتنا ﵈ أنهم قد أمروا بقراءة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان منه إلى أن يقوم القائم فيقرئ الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين»، ويقول آية الله الخراساني صاحب كتاب " الإسلام على ضوء التشيع " ص ٢٠٤: «كل إمام يحتفظ عليه - يعني القرآن - كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظًا عند الإمام المهدي القائم» . وانظر بعض الروايات التي تنص على هذا المعتقد في: كتاب الإرشاد للمفيد ص٣٦٥ ط: الثالثة مؤسسة الأعلمي، تاريخ ما بعد الظهور لمحمد صادق الصدر ص ٦٣٧، ٦٣٨، يوم الخلاص لكامل سليمان ص ٣٧١، ٣٧٢.
[ ٨ ]
من يرى أنه أفضل من سائر الصحابة أو يفضله على من دون الشيخين، ويرون أنه أحق بالخلافة من عثمان لا من أبي بكر وعمر، ولكن لم يقل أحد من هؤلاء ببطلان خلافة الثلاثة، وكان عدد هؤلاء قليلًا من السلف والخلف، ولكن السواد الأعظم من أهل السنة سلفهم وخلفهم يعتقدون أن معاوية كان باغيًا على الإمام الحق أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وإن قدر بدهائه وسياسته على تأليف قوة عظيمة له، ولكن الجمهور تأولوا له بأنه كان مجتهدًا أخطأ في اجتهاده.
والغرض من ذكر هذا أن اسم الشيعة كان يطلق على:
- بعض أهل السنة والجماعة.
- وعلى كثير من المبتدعة الذين حافظوا على أركان الإسلام الخمسة.
- وعلى فرق زنادقة الباطنية حتى إن بعض كبراء علماء الإمامية حاول جعل فرقة الشيعة ٧٣ فرقة وفسر بذلك الحديث الذي ورد بافتراق هذه الأمة إليها ليخرج أهل السنة والجماعة التي هي السواد الأعظم من أمة محمد ﷺ. (١)
_________________
(١) قال الذهبي ﵀ في الميزان (١/ ٦): «فالشيعي الغالي في زمان السلف وَعُرْفِهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵁، وتَعَرَّض لِسَبِّهم. والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يُكَفِّرُ هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالٌّ مُعَثَّرٌ» . اهـ وأما التفاوت الواقع بين متقدمي غلاة الشيعة وبين المتأخرين منهم فسببه حجة غريبة مفادها: أن المذهب يتطور ويتغير، فيصبح ما يعتبر عند القدامى غلوًا هو اليوم من ضروريات المذهب الشيعي! فصارت مقاييسهم تتغير من عصر إلى عصر! تبعا لتغير المذهب وتطوره! كما قال المامقاني في تنقيح المقال (٣/٢٣ ط: الحجرية): (إن القدماء - يعني من الشيعة - كانوا يعدون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلوًا وارتفاعًا، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال كما لا يخفى على من أحاط خبرًا بكلماتهم)
[ ٩ ]