طريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة هي الطريقة الواجبة في أسماء الله وصفاته، وهي الأسلم والأعلم والأحكم، وليس هناك طريقة أخرى صحيحة في هذا الباب باب الأسماء والصفات إلا طريقتهم في إثباتها وإمرارها كما جاءت، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:
١_أن طريقة السلف دل عليها الكتاب والسنة: فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأعراف:١٨٠)، وقوله: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (الشورى:١١)، وقوله: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] (الإسراء:٣٦) .
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل؛ لأنهما من الإلحاد في أسمائه ﷿.
_________________
(١) انظر منهاج السنة ٢/٥٦١، وفتح ربِّ البرية، ص١٩_٢٤، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة ص٢١٣_٢٢١، ودعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس ص١٩_٢٤.
[ ٤ / ٨ ]
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل، والآية الثالثة دلت على وجوب نفي الكيفية، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه.
أما من السنة فالأدلة كثيرة منها قوله": =اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء (١) +.
٢_العقل: فالعقل يدل على صحة مذهب السلف، ووجه دلالته أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله لا يُدْرَك إلا بالسمع الكتاب والسنة فوجب اتباع السمع في ذلك، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
٣_الفطرة: أما دلالة الفطرة على صحة مذهب السلف فلأنَّ النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص؟
٤_مطابقتها للكتاب والسنة: فمن تتبع طريقة السلف بعلم وعدل وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا؛ ذلك لأن الله أنزل الكتاب ليدّبر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكامًا، ويصدقوا بها إن كانت أخبارًا.
٥_أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم ورثة الأنبياء والمرسلين: فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية؛ فالقرآن نزل بلغة الصحابة، وفي عصرهم، وهم أقرب الناس إلى معين النبوة الصافي، وهم أصفاهم قريحةً، وأقلهم تكلفًا، كيف وقد زكاهم الله في محكم تنزيله، وأثنى عليهم، وعلى التابعين لهم بإحسان كما قال تعالى: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] (التوبة: ١٠٠) .
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٢٧١٣) .
[ ٤ / ٩ ]
وقد تهدد رب العزة الذين يتبعون غير سبيلهم بالعذاب الأليم فقال ﷿: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] (النساء: ١١٥) .
ولا ريب أن سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان.
فإذا كان الأمر كذلك فمن المحال أن يكون خير الناس، وأفضل القرون قد قصروا في هذا الباب بزيادة أو نقصان.
٦_أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم لسان صدق من سلف الأمة وخلفها هم على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد (١) .
٧_تناقض علماء الكلام وحيرتهم واضطرابهم: فهذا مما يدل على صحة مذهب السلف؛ فلو كان مذهب الخلف حقًّا لما تناقضوا، ولما اضطربوا، ولما تحيروا وحيروا.
٨_رجوع كثير من أئمة الكلام إلى الحق وإلى مذهب السلف: فهناك من أرباب علم الكلام الذين بلغوا الغاية فيه رجعوا إلى مذهب السلف، وتبرؤا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أئمة أكابر علم الكلام ينوح على نفسه، ويبكي عليها، ويقول:
نهايةُ إقدامِ العقولِ عقالُ **** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا **** وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طول عمرنا **** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالُ
وكم قد رأينا من رجال ودولة **** فبادروا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علا شرفاتِها **** رجال فزالوا والجبال جبال
وقال ابن الصلاح: =أخبرني القطب الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم اشتغل بعلم الكلام، وبكى+.
وقد اعترف أكثر المتكلمين بالوقوع بالحيرة، والأمور، المشكلة المتعارضة فقال ابن أبي الحديد وهو من كبراء المعتزلة بعد عظيم توغله في علم الكلام:
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل لابن تيمية ٥/٧.
[ ٤ / ١٠ ]
فإذا الذي استكثرت منه هو الـ **** ـجاني على عظائم المحن
فظللت في تيه بلا عَلَم **** وغرقت في بحر بلا سفن
ومن الذين خاضوا في علم الكلام ورجعوا إلى منهج السلف أبو المعالي الجويني، والخسر وشاهي، وأبو حامد الغزالي (١) .
ومن المتأخرين الذين خاضوا في علم الكلام ولم يرجعوا منه بفائدة، بل وقعوا في الحيرة الإمام الشوكاني×فإنه حدَّث عن نفسه فقال: =ها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه أمس؛ فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سمّوه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمْت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبّبت إليَّ مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفًا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:
وغاية ما حصّلته من مباحثي **** ومن نظري من بعد طول التأمل
هو الوقف ما بين الطريقين **** حيرة فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره **** وما قنعت نفسي بغير التبحر (٢)
وبهذا يتبين لنا صحة مذهب السلف في باب الأسماء والصفات.
وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وسلم.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٤/٧٢_٧٥، و٥/١٠_١١، ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٥٩_١٦٢، وكتاب الصفدية لابن تيمية ١/٢٩٢_٢٩٥، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٠٨_٢١٠ والتحف في مذاهب السلف للشوكاني ص٣٤_٤٤، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبد العزيز السلمان ص٥١١_٥١٤، والأسماء والصفات د. عمر الأشقر ص٢١٠_٢٢٢.
(٢) التحف في مذاهب السلف ص٣٧_٣٨.
[ ٤ / ١١ ]