العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها كما مر؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.
ولقد اعتنى علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في بيان أسماء الله وصفاته، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:
١_العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله:
فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلًا بربه، معرضًا عن معرفته.
_________________
(١) انظر كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد لابن مندة تحقيق الشيخ د. علي الفقيهي، ٢/١٨_١٩ والتفسير القيم لابن القيم ص٢٤_٣٧، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/٩٠٩١، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق د. أحمد الغامدي ود. علي الفقيهي ١/٥٩_٦٢، وطريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم ص٨٢_٨٥، والقول السديد لابن سعدي ص١٦١_١٦٣، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة، د. عمر الأشقر ص١٨_٣٩، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة للشيخ عبد الرزاق العباد، ص١٠٠_١٠١، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للشيخ محمد الحمود.
[ ٤ / ٣ ]
وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.
٢_أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.
٣_تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم بإذن الله من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.
فمثلًا أسماء العظمة تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله.
وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة له، وشوقًا إليه، ورغبة بما عنده، وحمدًا وشكرًا له.
وأسماء العزة، والحكمة، والعلم، والقدرة تملأ القلب خضوعًا وخشوعًا وانكسارًا بين يديه ﷿.
وأسماء العلم، والخبرة، والإحاطة، والمراقبة، والمشاهدة تملأ القلب مراقبةً لله في الحركات والسكنات في الجلوات والخلوات، وحراسةً للخواطر عن الأفكار الرديئة، والإرادات الفاسدة.
وأسماء الغنى، واللطف، تملأ القلب افتقارًا، واضطرارًا، والتفاتًا إليه في كل وقت وحال.
٤_الانزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.
[ ٤ / ٤ ]
٥_أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه =الحكيم+، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.
٦_أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله =الرحيم، التواب، الغفور+ فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا.
٧_ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.
٨_ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهرًا وباطنًا.
٩_وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبرًا وثباتًا ويقينًا هو عند العبد أفضل من الشفاء.
١٠_أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها: حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.
١١_أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.
[ ٤ / ٥ ]
١٢_زيادة الإيمان: فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ] (محمد:١٧) .
١٣_أن من أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله دخل الجنة، قال": =إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة+ (١) .
هذا وسيأتي معنى إحصائها عند الحديث عن قواعد في الأسماء.
وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وسلم.