أهل السنة والجماعة هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي"والعمل بها ظاهرًا وباطنًا في القول والعمل والاعتقاد.
وطريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يأتي:
١_في الإثبات: يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله"من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
٢_في النفي: ينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله"مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى إذ إن كل ما نفاه الله عن نفسه فهو صفات نقص تنافي كماله الواجب؛ فجميع صفات النقص كالعجز والنوم والموت ممتنعة على الله تعالى لوجوب كماله، وما نفاه عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية، وإثبات كمال ضدها؛ وذلك أن النفي المحض لا يدل على الكمال حتى يكون متضمنًا لصفة ثبوتية يُحمد عليها كما في قوله تعالى: [لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ] (البقرة: ٢٥٥)، وقوله: [وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ] (ق: ٣٨) .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الدعوات (٦٤١٠)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء (٢٦٧٧) .
(٢) انظر التوحيد لابن مندة ٢/١٠٢ ومنهاج السنة لابن تيمية ٢/١٠٥ و١٠٩_١١١ و١٣٢ و١٩٢ و١٩٨ و٥٥٤_٥٥٦، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/٣٥_٤٠ و٥/٢٦ وانظر فتح ربِّ البرية بتخليص الحموية للشيخ محمد بن عثيمين ١٢_١٥.
[ ٤ / ٦ ]
فالله ﷾ في آية الكرسي نفي عن نفسه (السنة والنوم) لكمال حياته وقيوميته، وفي الآية الثانية نفى نفسه (اللغوب) وهو التعب؛ لكمال قوته وقدرته، فالنفي هنا متضمن لصفة كمال.
أما النفي المحض فليس بكمال، وقد يكون سببه العجز أو الضعف كما قول الشاعر النجاشي يهجو بني العجلان:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمة ولا **** يظلمون الناس حبة خردل (١)
فنفى عنهم الظلم لا لمدحهم، ولكن لذمهم؛ لأنهم عاجزون عنه أصلًا.
وكذلك قول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد **** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
فهو لا يمدحهم لقلة شرهم، ولكنه يذمهم لعجزهم، ولهذا قال في البيت الذي بعده:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا **** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
وقد يكون سبب النفي عدم القابلية فلا يقتضي مدحًا، كما لو قلت: (الجدار لا يظلم) .
ومن هنا يتبين لنا أن النفي المحض لا يدل على الكمال إلا إذا تضمن إثبات كمال الضد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا.
ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم، والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال+ (٢) .
٣_التوقف: وذلك فيما لم يرد إثباته أو نفيه مما تنازع الناس فيه كالجسم مثلًا، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم ورود النص بذلك.
أما معناه فيستفصلون عنه، فإن أُريد به معنى باطل يُنَزَّهُ الله عنه رَدَّوه، وإن أُريد به معنىً حقٌّ لا يمتنع على الله قبلوه.
_________________
(١) البيت للنجاشي أحد بني الحارث بن كعب. انظر الحماسة الشجرية ٤٥٢ والشعر والشعراء لابن قتيبة ص٣٣٠_٣٣١.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/٣٥.
[ ٤ / ٧ ]
فلفظة =الجسم+ مثلًا يتوقفون في اللفظ، أما المعنى فيستفصلون، فإن أُريد به الشيء المحدث المركب المفتقر كل جزء منه إلى الآخر فهذا ممتنع على الرب الحي القيوم.
وإن أُريد بالجسم ما يقوم بنفسه، ويتصف به بما يليق به فهذا غير ممتنع على الله؛ فإنه سبحانه قائم بنفسه، متصف بالصفات الكاملة التي تليق به.
وكذلك الحال بالنسبة =للجهة+ يتوقفون في اللفظة، أما المعنى فإن أُريد بها جهة سفل فإن الله منزّه عن ذلك، وإن أُريد جهة علو تُحيط به فهذا ممتنع أيضًا، وإن أُريد بها أن الله في جهة أي في جهة علو لا تُحيط به فهذا ثابت لله، وهكذا شأنهم في الألفاظ المجملة كما سيأتي بيان ذلك عند الحديث عن الألفاظ المجملة.
وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وسلم.