أنواع التوحيد متلازمة، وبعضها مرتبط ببعض، وفيما يلي يتبين لنا شيء من علاقة توحيد الألوهية؛ بتوحيد الربوبية والعكس:
١_توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الألوهية؛ فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره، وقد دعاه هذا الخالق إلى عبادته وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له؛ فإذا كان هو الخالق الرازق النافع الضار وحده لزم إفراده بالعبادة.
_________________
(١) انظر الإرشاد ص٢١_٢٣.
[ ٢ / ٢٣ ]
٢_توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمنًا في توحيد الألوهية، فمن عَبَدَ الله وحده لا شريك له فلابد أن يكون معتقدًا أنه ربه وخالقه ورازقه؛ إذ لا يعبد إلا من بيده النفع والضر، وله الخلق والأمر.
٣_الربوبية عمل قلبي لا يتعدى القلب، ولذا سمي توحيد المعرفة والإثبات، أو التوحيد العلمي.
أما الألوهية فهو عمل قلبي وبدني، فلا يكفي فيه عمل القلب، بل يتعداه إلى السلوك والعمل قصدًا لله وحده لا شريك له.
٤_أن توحيد الربوبية لا يكفي وحده؛ ذلك لأن توحيد الربوبية مركوز في الفطر، فلو كان كافيًا لما احتاج الناس إلى بعثة الرسل، وإنزال الكتب، فلا يكفي أن يقر الإنسان بما يستحق الرب_تعالى_من الصفات، وأنه الرب الخالق وحده.
ولا يكون موحدًا إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله هو المألوه المعبود وحده، ويعبده بمقتضى هذه المعرفة.
٥_توحيد الألوهية هو الذي جاءت به الرسل، وهو الذي حصل به النزاع بين الرسل ﵈ وبين أممهم، كما قال قوم هود لنبيهم هود ﵇ عندما قال لهم: [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف: ٥٩) [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا] (الأعراف: ٧٠) .
وكما قال كفار قريش لما أُمِروا بإفراد الله بالعبادة: [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] (ص: ٥) .
أما توحيد الربوبية فإنهم لم ينكروه، بل إن إبليس لم ينكره [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي] (الحجر: ٣٩) .
٦_أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا فترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنهما إذا ذكرا جميعًا فلكل لفظ ما يراد به، كما في قوله_تعالى_: [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ] (الناس: ١_٣) .
[ ٢ / ٢٤ ]
فيكون معنى الرب: هو المالك المتصرف، وهذا توحيد الربوبية، ويكون معنى الإله: المعبود بحق المستحق للعبادة دون سواه وهذا توحيد الألوهية.
وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى؛ كما في قول الملكين للميت في القبر: =من ربك؟ ومعناه: من إلهك؟ = وكما في قوله_تعالى_: [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] (الحج: ٤٠)، وقوله: [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا] (الأنعام: ١٦٤)، وقوله عن الخليل ﵇: [رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ] (البقرة: ٢٥٨) وكما في قوله_تعالى_: [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ] (النمل: ٦٢) .
٧_لابد لسلامة التوحيد، والفوز بالدارين من تحقيق هذين الأمرين.