_القاعدة الأولى_ أسماء الله_ تعالى_ كلها حسنى:
أي بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى] (الأعراف:١٨٠) .
وذلك لأنها متضمنة لصفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا، ذلك لأن الألفاظ إما أن تدل على معنى ناقص نقصًا مطلقًا فهذه ينزه الله عنها، وإما أن تدل على غاية الكمال فهذه هي الدالة على أسماء الله وصفاته، وإما أن تدل على كمال لكنه يحتمل النقص فهذا لا يُسمّى الله به لكن يُخبر به عنه، مثل: المتكلم، الشائي.
كذلك ما يدل على نقص من وجه وكمال من وجه لا يُسمّى الله به، لكن يُخبر به عن الله مثل: الماكر.
ومثال الأسماء الحسنى =الحي+ وهو اسم من أسماء الله متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
ومثال آخر =العليم+ من أسماء الله متضمن للعلم الكامل، الذي لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان.
قال الله تعالى: [قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى] (طه:٥٢) .
العلم الواسع بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال العباد.
وقل مثل ذلك في السميع، والبصير، والرحمن، والعزيز، والحكيم وغيرها من الأسماء الحسنى.
_القاعدة الثانية_ أسماء الله _تعالى_ أعلام وأوصاف:
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٦/٧١، وكتاب التوحيد لابن مندة ٢/٢٧، وبدائع الفوائد لابن القيم ١/١٥٩_١٧٠، وتوضيح الكافية الشافية لابن سعدي ص١٣٢، والحق الواضح المبين لابن سعدي ص١٠٨، والقواعد المثلى للشخ محمد بن عثيمين ص٩_٢٦، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان ١/٧٥_٧٧ وشرح كتاب التوحيد ص١٢_٢٢١ ودعوة التوحيد ص١٢_١٤، ومعارج القبول للحكمي ١/٧١.
[ ٤ / ١٢ ]
وهي بالاعتبار الأول مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ﷿.
وبالاعتبار الثاني متباينة؛ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص؛ فمثلًا =الحي، القدير، السميع، البصير، الرحيم، العزيز، الحكيم+ كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله ﷾ لكن معنى =الحي+ غير معنى =العليم+، ومعنى =العليم+ غير معنى =القدير+ وهكذا. . .
_القاعدة الثالثة_ أسماء الله _تعالى_ إن دلت على وصفٍ متعدٍّ تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها ذلك الاسم لله_ عز وجل_.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها _أي الأسماء_.
مثال ذلك =السميع+ فهو يتضمن إثبات =السميع+ اسمًا لله تعالى وإثبات =السمع+ صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: [وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] (المجادلة: ١) .
وقل مثل ذلك في العليم والرحيم، وغيرها من الأسماء المتعدية.
وإن دلت على وصفٍ غير متعدٍ لا لازم تضمن أمرين:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
مثل اسم =الحي+ فهو يتضمن إثبات اسم =الحي+ لله ﷿ وإثبات =الحياة+ صفة له، ومثل ذلك اسم =العظيم والجليل+.
_القاعدة الرابعة_ دلالة أسماء الله _تعالى_ على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.
فمعنى دلالة المطابقة: تفسير الاسم بجميع مدلوله، أو دلالته على جميع معناه.
ومعنى دلالة التضمن: تفسير الاسم ببعض مدلوله، أو بجزء معناه.
ومعنى دلالة الالتزام: الاستدلال بالاسم على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها، أو على لازم خارج عنها.
مثال ذلك: =الخالق+ يدل على ذات الله، وعلى صفة =الخلق+ بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي =العلم والقدرة+ بالالتزام.
[ ٤ / ١٣ ]
وذلك لأن الخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر، وكذلك لا يمكن أن يخلق إلا وهو عالم (١) .
_القاعدة الخامسة_ أسماء الله توقيفية لا مجال للعقل فيها:
ومعنى ذلك أن نتوقف على ما جاء في الكتاب والسنّة، فلا نسمّي الله تعالى إلا بما سمَّى به نفسه، أو سمّاه به رسوله"لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء.
_________________
(١) هذه الأنواع الثلاثة تسمى أنوع الدلالة اللفظية الوضعية. وإليك بعض التفصيل في هذه الأنواع زيادة على ما مضى؛ لتتضح بصورة أجلى. ١_ الدلالة المطابقية: وهي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له من حيث إنه وضع له. وذلك مثل دلالة لفظ (البيت) على الجدار والسقف معًا. ودلالة لفظ (إنسان) على الحيوان الناطق، ودلالة اسم (العليم) على ذات الله وعلمه، أي دلالة الاسم على المسمى، والصفة المشتقة من الاسم نفسه وسميت مطابقية؛ لتطابق اللفظ والمعنى، وتوافقهما في الدلالة. ٢_ الدلالة التضمنية: وهي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له في ضمن كل المعنى. مثل دلالة البيت على الجدار وحده، وعلى السقف وحده. وسميت تضمنية لأنها عبارة عن فهم جزء من الكل؛ فالجزء داخل ضمن الكل، أي في داخله. ومن هذا النوع مثلًا دلالة اسم الله (السميع) على ذات الله وحدها، وعلى صفة السمع وحدها، بصرف النظر عن استعمال الجزء والكل، بل يقال على الصفة والموصوف. ٣_ الدلالة الالتزامية: هي دلالة اللفظ على خارج عن معناه الذي وضع له. مثل دلالة اسم الله (القدير) على صفة الحياة، وعلى العلم وغيرهما من صفات الله _تعالى_. يقول المناطقة: إن بين الدلالة المطابقية والدلالة التضمنية العموم والخصوص المطلق؛ فإذا وجدت التضمنية وجدت المطابقية دون العكس، أي لا يلزم من وجود المطابقية وجود التضمنية. انظر المرشد السليم إلى المنطق الحديث والقديم د. عوض الله جاد حجازي، والصفات الإلهية د. محمد أمان ص١٧٨_١٧٩.
[ ٤ / ١٤ ]
وتسميتهُ تعالى بما لم يسمِّ به نفسه، أو إنكار ما سمَّى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب، والوقوف مع النص.
_القاعدة السادسة_ أسماء الله غير محصورة بعدد معين:
لقوله"في الحديث المشهور: =أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك+ (١) .
وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن أحدًا حَصْرُه، ولا الإحاطة به.
قال ابن القيم×في قوله": =استأثرت به+: =أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه+ (٢) .
وأما قوله"في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: =إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة+ (٣) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة =إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة+.
قال ابن القيم×في بيان مراتب إحصاء أسماء الله التي من أحصاها دخل الجنة:
=المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] (الأعراف: ١٨٠) .
وهو مرتبتان، إحداها: دعاء ثناء وعبادة، والثاني: دعاء طلب ومسألة+ (٤) .
_القاعدة السابعة_ أن من أسماء الله _تعالى_ ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، ومنها ما لا يطلق إلا مقترنًا بمُقابله:
فغالب الأسماء يطلق مفردًا ومقترنًا بغيره من الأسماء، كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحليم.
فهذه الأسماء وما جرى مجراها يسوغ أن يدعى بها مفردة، ومقترنة بغيرها، فنقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم.
_________________
(١) رواه أحمد ١/٣٩٤، وصححه الألباني في الصحيحية (١٩٩) .
(٢) بدائع الفوائد ١/١٦٦.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) بدائع الفوائد ١/١٦٤.
[ ٤ / ١٥ ]
أو أن يفرد كل اسم على حِدَةٍ فنقول: يا حليم، أو يا غفور، أو يا عزيز وهكذا
ومن الأسماء ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله، كالمانع، والضار، والمنتقم، والمذل.
فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله؛ فإنه مقرون بالمعطي، والنافع والعَفُو والمعز؛ فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أن المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً ومنعًا، ونفعًا وضرًا، وعفوًا وانتقامًا، وعزًَّا وذلًا.
وأما أن يُثنى عليه بمجرد المنع، والانتقام، والإضرار فلا يسوغ.
فهذه الأسماء المزدوجة تجرى الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض؛ فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجىء مفردة، ولم تُطلق عليه إلا مقترنة؛ فلو قلت: يا مذل، يا ضار، يا مانع وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها. وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وسلم.