لقد تطور المذهب الأشعري تطورًا سريعًا ومخالفًا لما كان عليه واضعه الذي ينتسب المذهب إليه، حيث أصبح أتباع الأشعري يسلكون منهجًا آخر يخالف المنهج المذكور عن الأشعري سابقًا، وتعرضوا لآيات الصفات، فلم يثبتوا منها إلا ما أثبته العقل فقط، أما ما لا مجال للعقل فيه فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل، ثم نسبوا ذلك كله للأشعري، دون أن يبينوا للناس أن هذا هو مذهب الأشعري الكلابي الذي كان عليه قبل أن يرجع إلى عقيدة السلف، ولكنه بعد رجوعه عنه لا يصح أن ينسب إليه.
ولتوضيح هذه الحقيقة سأسوق هنا كلام بعض من جاء بعد الأشعري في بعض الصفات وموقفهم منها، ومدى موافقته لمذهب الأشعري أو مخالفته.
أثبت الأشعري في كتابه الإبانة١، والرسالة التي نحن بصدد تحقيقها أن الله استوى على العرش، وأن عرشه فوق سماواته وأبطل قول المعتزلة في تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فقال: "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْض﴾، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وليس استواه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه ﷿ لم يزل مستويًا على كل شيء"٢.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري عن هذه الصفة وموقفه منها نجد أتباعه من بعده يذهبون فيها مذهبًا آخر تمامًا وهذا المذهب قد نص الأشعري نفسه على فساده وبطلانه.
فعبد القاهر البغدادي (ت/٤٢٩هـ) وهو من كبار الأشاعرة ينسب إلى الأشعري قولًا لم يقله في هذه الصفة وذلك بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وهو أن الله أحدث فعلًا في العرش سماه استواء، ثم يقول: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره"٣.
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة ص٣٠- ٤٠ طبعة الجامعة الإسلامية. ٢ انظر: رسائل الثغر ص٢٣ ب من المخطوطة. ٣ انظر: كتابه "أصول الدين" ص١١٣ من الطبعة الأولى بتركيا.
[ ٤١ ]
وإذا ذهبنا إلى أشعري آخر ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري فسنجد نفس التأويل بل أشد.
فأبو حامد الغزالي (ت/٥٠٥هـ) وهو من المعدودين عند ابن عساكر من الطبقة الخامسة السائرين على منوال الأشعري١ يذهب إلى أن الاستواء بمعنى الاستيلاء ويدافع عن ذلك دفاعًا شديدًا فيقول: "ويصلح الاستيلاء عليه - أي على العرش - لأن يمتدح به، وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يحيله العقل، ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعًا، أما صلاح اللفظ له فظاهر عن الخبير بلسان العرب، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، فمن المستحسن في اللغة أن يقال: استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق"٢
وإذا جئنا إلى صفة أخرى كاليد مثلًا نجد أن الأشعري يثبت اليدين صفة لله ﷿، ويقرر أن هذه الصفة لا يمكن أن يكون المراد بها النعمة أو القدرة كما ذهب إلى ذلك من ذهب من المعطلين بعده وقبله فيقول: "وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحًا، وأن يديه غير نعمته، وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "٣.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري في إثبات هذه الصفة نجد تلامذته من بعده يؤولونها ويذهبون فيها المذهب الذي نص الأشعري نفسه على بطلانه كما سبق في صفة الاستواء فالبغدادي يقول فيها: "وقد تأول بعض أصحابنا اليد على معنى القدرة وذلك صحيح على المذهب إذا أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء، ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيص آدم بذلك أنه خلقه بقدرته لا على مثال
_________________
(١) ١ انظر: التبيين ص٢٩١. ٢ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص٣١. ٣ انظر: رسائل الثغر / ق ٢٢ ب، والإبانة ص٣٥ – ٣٨.
[ ٤٢ ]
له سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام، كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام"١.
وهكذا نجد أتباع الأشعري والمنتسبين إليه يضعون مذهبًا لأنفسهم بعيدًا كل البعد عن عقيدة الأشعري التي لقي الله عليها فأولوا الصفات التي أثبتها الأشعري لله ﷿، وتلقى الناس عنهم ذلك على أنه مذهب الأشعري وقد سار في هذا المنوال جميع المتأخرين المنتسبين إليه بلا استثناء كالفخر الرازي والنسفي وابن عاشر والباجوري وغيرهما كثير، بل إن كثيرًا من الجامعات الإسلامية اليوم تدرس هذا المذهب الباطل المنسوب إلى الأشعري على أنه مذهب الأشعري، والأشعري منه بريء، كما يلاحظ أنهم يطلقون على هذا المذهب مذهب أهل السنة والجماعة باعتبار أنه منسوب لإمام أهل السنة والجماعة وهو الأشعري وكل ذلك زعم باطل وقول غير سديد.
ولولا الرغبة في الاختصار لعرضت لأمثلة كثيرة من هذا النوع، ولكني أكتفي بما سبقت الإشارة إليه كدليل واضح لما أردت الوصول إليه من حقيقة وهي: أن بين الأشعري والأشاعرة فجوة كبيرة، أحدثها المنتسبون إليه بخروجهم عن عقيدته، وهذا ضياع للحقيقة وهدم لمكانة الأشعري السلفية التي رجع إليها بانتسابه إلى الإمام أحمد كما أوضحت سابقًا.
ولقد تبين لكثير من العلماء والباحثين مدى مخالفة الأشاعرة لإمامهم الأشعري فنصوا على ذلك في كتبهم وسأسوق هاهنا بعضًا مما وقفت عليه من ذلك تأكيدًا لهذه الحقيقة، وأسأل الله جل ذكره أن يكون فيما أكتب مفتاحًا لطلاب الحق حتى يصلوا إليه.
يقول ابن تيمية وهو بصدد الكلام على أتباع الأشعري: "ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقًا، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: الأدلة السمعية، لا تفيد اليقين، بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم"٢.
وهذا ينطبق على الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف وترك الاعتزال والعقيدة الكلابية التي كان عليهما فترة من الزمن.
_________________
(١) ١ انظر: أصول الدين ص١١١. ٢ موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ٢/٨، ٩.
[ ٤٣ ]
ويقول المقريزي (ت/٨٤٥هـ) بعد ما ذكر جملة أصول عقيدة الأشعري: "والأشعرية يسمون الصفاتية لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة، ثم اختلفوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء والنزول والأصبع واليد والقدم والصورة والجنب والمجيء على فرقتين: فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة اللفظ، وفرقة لم يتعرضوا للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية"١.
ويقول محب الدين الخطيب: "أما الأشعرية أي المذهب المنسوب إليه في علم الكلام فكما أنه لا يمثل الأشعري في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أيضًا أن يلصق به فيما أراد أن يلقى الله عليه، بل هو مستمد من أقواله التي كان عليها في الطور الثاني، ثم عدل عن كثير منها في آخرته التي أتمها الله عليه بالحسنى"٢.
ويقول أئمة المستشرقين في العالم: "وإن منهج الأشعري في التدليل في عين القارئ الأوربي لا يختلف للنظرة الأولى عن منهج أتباع أحمد بن حنبل المغالين في المحافظة؛ ذلك أن كثيرًا من حججه يقوم على تفسير القرآن والحديث على أن السبب في ذلك كان مرجعه إلى أن خصومه أيضًا بما فيهم المعتزلة أنفسهم قد استعانوا بحجج من هذا القبيل، وأن الأشعري كان يعتمد دائمًا على مخاطبة عواطف المرء لا عقله، ومع ذلك فإن خصومه حين يسلمون بدليل عقلي صرف، فإن الأشعري كان لا يتردد في استخدامه في دحض أقوالهم وما إن تقرر جواز مثل هذه الحجج في نظر كثير من المتكلمين على الأقل، حتى استطاع الأشعرية أن ينموا هذا الجانب من منهجه، وانتهى الأمر في القرون المتأخرة بأن أصبح الكلام عقليًا تمامًا، على أن هذا كان بعيدًا أشد البعد من مزاج الأشعري نفسه"٣. ثم استمروا يوضحون هذه الحقيقة إلى أن قالوا: "وختامًا يجوز لنا أن نقول: إن المذهب قد اختفى في وهج من الفلسفة"٤.
ويقول الدكتور حمودة غرابة: "أما مذهب الأشعري نفسه فقد مزجه أغلب أتباعه بآرائهم، ومن حاول منهم كالشهرستاني أن يضعه في صورة خاصة تميزه عن رأي تلامذته، فإنه لم يسلم من الخطأ في هذا التصوير مما كان له أسوأ الأثر في تكوين فكرة خاطئة عن هذا المذهب في نفس قارئه ومن تعرض لذلك"٥.
_________________
(١) ١ الخطط للمقريزي ٣/٣١٠. ٢ انظر: تعليقه على المنتقى من منهاج الاعتدال ص٤٣. ٣ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣/٤٣٤، ٤٣٥. ٤ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣/٤٣٨، ٤٣٩. ٥ انظر كتابه: الأشعري أبو الحسن ص٤ مطبعة الرسالة – القاهرة.
[ ٤٤ ]