هذا الكتاب وهو رسائل الثغر ثابت النسبة قطعًا للأشعري، وذلك من عدة طرق:
أولًا: أن ابن عساكر ذكرها في كتابه التبيين مستدركًا على ثبت ابن فورك الذي ذكر مؤلفات الأشعري١.
ثانيًا: اعتمد عليها ابن تيمية كثيرًا وذكر نسبتها إلى الأشعري في أكثر من كتاب له، كما نقل في كتابه القيم "درء تعارض العقل والنقل" ما يقرب من نصف هذا الكتاب، وقد راجعت ما نقله ابن تيمية فوجدته يطابق ما في رسائل الثغر٢، وهذا يدل على أن ابن تيمية وقف عليها ونقل منها، وهو معروف بالأمانة والإنصاف لدى أعدائه وخصومه قبل أصدقائه، وهذا من أقوى الأدلة على صحة نسبة الرسالة للأشعري.
ثالثًا: أشاد بها ابن القيم في نونيته واستند إلى صحة عقيدة الأشعري بما جاء فيها وفي غيرها من كتبه فقال:
وكذا علي الأشعري فإنه في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وإبانة ومقالة ورسائل للثغر ذات بيان
وأتى بتقرير استواء الرب فو ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى بتقرير العلو بأحسن التقرير فانظر كتبه بعيان٣
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص١٣٦. ٢ انظر: نص ما نقله ابن تيمية من رسائل الثغر في هذا الكتاب ٧/١٨٦ - ٢١٩ بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، وهو يقابل ورقة ٢/ أ - ١٧/ أمن النسخة الأصلية، وصفحة ١ - ٩ من النسخة التركية. ٣ انظر: نونية ابن القيم ص٦٩، ٧٠.
[ ٦٢ ]
رابعًا: ذكرها فؤاد سزكين ضمن مؤلفات الأشعري تحت عنوان: "رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب"، وقال عنها: "مخطوطة بمكتبة ريفان كشك ٥١٠/١٠ (من ٨٨ أ - ٩٨ أ، ١٠٨٤) "نشرها قوام الدين في مجموعات الكلية الإلهيات باستنبول"١، وهذه المخطوطة قامت الجامعة الإسلامية بتصويرها وضمها إلى مكتبتها، وهي نسخة ثانية اعتمدت عليها في تحقيق هذا الكتاب، ولم يشر فؤاد سزكين إلى النسخة الأولى التي اعتمدت عليها في التحقيق ولعله لم يقف عليها وهي موجودة بالهند.
خامسًا: يلاحظ أن أسلوب الأشعري في كتابه هذا هو نفس أسلوبه في كتبه التي بين أيدينا الآن، وخاصة إذا قورن بكتابه اللمع، وقد أشرت إلى ذلك في التحقيق.
كما أن الأدلة التي يسوقها لإثبات قضية معينة هي نفس الأدلة في الغالب التي يسوقها في كتابه الإبانة ومقالات الإسلاميين.
وبهذا أمكننا القطع بأن هذه الرسالة من تأليف الأشعري نفسه، ولا يمكن أن يكون غير هذا.
بقي شيء مهم جدًا ينبغي أن نناقشه هنا وهو: أنه ورد في هذه الرسالة تاريخ يثبت أن هذه الرسالة كتبت بعده بعام وهذا التاريخ محدد بعام سبع وستين ومائتين، ومعنى ذلك أن الأشعري كتب رسالته هذه في عام ثمانية وستين ومائتين في حين أنه ولد عام ستين ومائتين، وبذلك لا يمكن أن يكون قد كتب هذه الرسالة بناء على هذا التاريخ إن صح.
والواقع أن هذا التاريخ خطأ يقينًا، وقد تعرض المستشرق "آلار" لهذه الرسالة كما ذكر الدكتور بدوي٢، وتناول موضوعها، كما تعرض للتاريخ المثبت عليها، وذكر أن هناك حججًا تؤيد نسبتها إلى الأشعري وأخرى تنفيها.
فمما يؤيد نسبتها إليه أن ابن عساكر ذكرها في ثبته الذي استدرك به على ابن فورك والأشعري، ثم المواضع المتناطرة بين اللمع والرسالة، والاتفاق عمومًا في المذهب الوارد في الرسالة مع مذهب الأشعري.
ومما ينفي نسبتها إليه هذا التاريخ المثبت عليها وهو عام سبع وستين ومائتين، ثم عدم ورود إشارة فيها إلى آراء المعتزلة، ثم التحفظ في تقرير الموقف للقول بأن القرآن
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ التراث العربي ٢/٣٧٦. ٢ انظر: كتابه مذاهب الإسلاميين ١/٥٢٢، ٥٢٣.
[ ٦٣ ]
قديم غير مخلوق، كما ذكر "آلار" أن الأشعري كتب هذه الرسالة قبل تركه لمذهب المعتزلة بوقت قليل، ولم يكن قد قطع صلته نهائيًا بشيوخه المعتزلة.
ومع ذلك فقد قرر "آلار" بأنه يميل إلى القول بصحة نسبة هذه الرسالة للأشعري ويفسر التاريخ المذكور بأنه ربما ورد محرفًا وصوابه عام سبع وتسعين ومائتين.
وقد تعرضت الدكتورة فوقية١ لرأي "آلار"، وناقشته فيما ذهب إليه منه، وأزيد ذلك وضوحًا فأقول في الرد على النقاط التي ذكرها "آلار" ما يلي:
الأمر الأول: أن التاريخ المذكور في هذه الرسالة لعله من وضع أشعري متأخر يخالف عقيدة شيخه التي كان عليها، أو من وضع معتزلي أراد أن يموه على الناس وينفي هذه العقيدة عن الأشعري.
أما الاحتمال الذي ذكره "آلار" وهو أن التاريخ ورد محرفًا وصوابه عام سبع وتسعين ومائتين فلا أميل إليه؛ وذلك أن الأشعري لم يكن في هذه الفترة رجع إلى عقيدة السلف حتى يكتب فيها، ولم يكن وقتئذ مشهورًا كإمام من أئمة أهل السنة حتى يرسل إليه أهل باب الأبواب من مكان بعيد يسألونه عن أصول اعتقاد أهل السنة.
ووجود هذا التاريخ على الرسالة لا ينفي نسبتها إلى الأشعري لما يمكن أن يرد عليه من احتمالات، ثم إن ما ذكرته في صحة نسبتها إلى الأشعري يقطع بخطأ هذا التاريخ ويؤكد صحة نسبتها إليه.
الأمر الثاني: أما قول "آلار" بأن الرسالة لم يرد فيها إشارة إلى آراء المعتزلة، وعليه فليست من وضع الأشعري.
فأقول: إن الأشعري هنا في هذه الرسالة بالذات بعيد كل البعد عن الاحتكاك بالمعتزلة، أو الخوض معهم في مناقشات جدلية؛ وذلك أنه بصدد الإجابة على سؤال محدد وهو بيان اعتقاد أهل السنة، وعليه فلا داعي مطلقًا لإقحام المعتزلة هنا، كما أن في هذه الرسالة ردًا على آراء المعتزلة في العقيدة بإثبات عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وكان أحيانًا يدخل معهم في مناقشات كما جاء ذلك في الإجماع الثالث والخامس من هذه الرسالة.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة تحقيقها لكتاب الإبانة ص٧١، ٧٢.
[ ٦٤ ]
الأمر الثالث: أما قوله بأن الأشعري كان متحفظًا في القول بأن القرآن قديم غير مخلوق.
فأقول في الرد عليه ما يلي: يظهر لي جليًا بأن "آلار" لم يستوعب موضوعات الرسالة كلها قراءة، أو طاش بصره عن هذه النقطة بسبب ما قاله عنها وذلك أن الأشعري قرر في هذه الرسالة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكلامه فيها صريح وواضح، وقد سار في إثبات هذه القضية على مذهب من تقدم من سلف هذه الأمة كالإمام أحمد والبخاري ﵏ جميعًا، وتأمل قول الأشعري في الإجماع السادس: "وأجمعوا على أنّ أمره ﷿ وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ففرق تعالى بين خلقه وأمره، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " إلى غير ذلك مما ذكره الأشعري في هذه الرسالة مستدلًا به على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
الأمر الرابع: ذكر "آلار" أن الأشعري كان معتزليًا وقت كتابة هذه الرسالة، ولم يقطع صلته بشيوخه من المعتزلة، وهذا مخالف تمامًا لما جاء في هذه الرسالة التي تخالف مذهب الاعتزال وتبعد عنه كل البعد، ويكفي للتأكد من أن هذه الرسالة صدرت من الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف وتركه الاعتزال ما جاء فيها من رد على المعتزلة كما ذكرت سابقًا، ثم ذكره لإجماع السلف على أصول الدين وإثباته لحقيقة صفات الرب ﷿ كما جاء ذكرها في القرآن والسنة وإبطاله لشبه المعتزلة التي كانت تؤول الصفات بها، وكذلك قوله في مرتكب الكبيرة وإثباته للشفاعة وغير ذلك من الأمور السمعية التي ورد بها نص. الأمر الذي يجعلنا نقطع بأن هذه الرسالة لا تصدر إلا من رجل سلفي العقيدة بعيد عن غيرها.
وبما تقدم ذكره أقول: "إنه لا وجه إذًا للاعتراضات التي ذكرها "آلار" في نفي نسبة هذه الرسالة للأشعري، ولم يبق أمامنا إلا القطع بصحة نسبة الرسالة إليه، وهو ما مال إليه "آلار" ورجحه كما سبق كلامه في ذلك"١.
_________________
(١) ١ انظر: ص١٠٨ من هذه الرسالة.
[ ٦٥ ]