في هذه الصفحة يوجد رسم الخريطة
[ ٧٢ ]
نص الكتاب
" بسم الله الرحمن الرحيم "
قال السيد الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي١ بشر الأشعري البصري - ﵀ -:
الحمد لله الذي حبب إلينا التمسك بالسنن٢ الهادية وجنبنا سبل البدع٣
المردية، وكنف٤ قلوبنا بثلج٥ اليقين، وأعزنا بسلطان الدين، وجعلنا لرسوله٦ ﷺ متبعين وبإمامته معتصمين، ووهب لنا من أنس الجماعة٧ ما زالت به عنا٨ وحشة الشذوذ والبدع.
_________________
(١) ١ في (ت) ابن علي بن بشر، والصواب ما ذكر في النسخة التي اعتمدت عليها، وقد استوفيت ترجمته في المقدمة. ٢ السنن: جمع سنة، وتطلق على ما يقابل البدعة، ولها تعريفات متنوعة عند الفقهاء والأصوليين والمحدثين. انظر كلامًا جامعًا في ذلك في كتاب "البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها" للدكتور عزت عطية ص١١٩ طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة. ٣ البدع: جمع بدعة، ومن أحسن التعريفات التي وقفت عليها لتحديد معنى البدعة ما ذكره ابن رجب الحنبلي في قوله: "والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان ببدعة لغة". انظر: جامع العلوم والحكم ص٢٥٢ مطبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٤٧هـ. والمراد بما كان له أصل من الشرع يدل عليه، ما كان له مستند شرعي وذلك مثل جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام واحد في رمضان فلقد فعله الرسول ﷺ ثلاث ليال، وكذلك جمع المصحف في كتاب واحد في عهد أبي بكر ﵁ وكان الرسول ﷺ يأمر بكتابة الوحي، فلا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا. ٤ كنف هنا: بمعنى حفظ وستر، وفي حديث ابن عمر ﵄ في النجوى: "يدني المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه" قال ابن المبارك: "يعني يستره". انظر في ذلك لسان العرب لابن المنظور ١١/٢١٩ طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة، والقاموس المحيط ٣/١٩٨ طبعة المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت. ٥ ثلجت: يعني اطمأنت، يقال ثلجت نفسي بالأمر: إذا اطمأنت إليه وسكنت، وثبت فيها، ووثقت به. لسان العرب ٣/٤٥، والقاموس المحيط ١/١٨٧. ٦ في (ت) لرسول الله ﷺ. ٧ المقصود بالجماعة: جماعة المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومن المعلوم أن العدد في الجماعة لا عبرة له، بل المعتبر قيامهم بكتاب الله والسنة كيف كانوا وأين كانوا وقد ختم النبي ﷺ حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم من طريق ثوبان قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎". قال ابن عبد الوهاب تعليقًا على هذا الحديث: "وفي الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم". انظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص٣٧٩ الطبعة الرابعة - المكتب الإسلامي عام ١٤٠٠هـ. ٨ ساقطة من (ت) .
[ ٧٣ ]
حمدًا١ نحوز فيه شرف طاعته، ونستمري٢ به جميل مواهبه، وصلى الله على محمد نبيه٣ الداعي إليه والسفير بيننا وبين الذي أيده الله ﷿ بآياته وقطع دواعي الشبه فيه لمعجزاته٤ حتى أنهج السبيل إليه، ونبه على ما في أفعاله من وجود الأدلة عليه بأوضح بيان وأظهر برهان.
حتى غاض٥ الباطل خاسئًا حسيرًا، وأضاء الحق غالبًا منصورًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعلا بالحجة٦ ﷺ ٧.
أما بعد: أيها الفقهاء والشيوخ من أهل الثغر٨ بباب الأبواب٩ حرسكم الله بسلطانه وأيدكم بنصره.
_________________
(١) ١ لقد استهل الأشعري مصنفه بحمد الله كما رأينا سابقًا، وهنا أكد هذا الحمد مرة أخرى بقوله: "حمدًا"، وهو بهذا يقدم بين يدي رسالته أجمل الثناء والتمجيد لربه ﷿ ليطلب بذلك مدده وتوفيقه. ٢ أصل كلمة "نستمري" مرى - قال الكسائي: المري: الناقة التي تدر على من يمسح ضرعها، وقيل هي الناقة الكثيرة اللبن. انظر: لسان العرب ٢٠/١٤٤، ١٤٥. والأشعري بهذا التعبير يطلب جميل مواهب الله ونعمائه عطاء بعد عطاء، وإمداد بعد إمداد دون توقف أو انقطاع. ٣ في (ت) "سيد". ٤ في (ت) "بمعجزاته" والمعجزة: أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة مع تحديه قومه بها، ومع عجز قومه عن معارضته بمثلها على وجه يدل على صدقه في زمان التكليف. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٤ طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت. وقد ذكر المصنف بعضًا من المعجزات الحسية كما سيأتي. كما تكلم عن المعجزات المعنوية الكبرى ألا وهي القرآن الكريم، وسيأتي الكلام على ذلك في حينه إن شاء الله تعالى. ٥ غاض: معناها نقص، أو غار فذهب، والمغيض هو المكان الذي يغيض فيه الماء، وقال الكسائي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ معناه: ما نقص الحمل عن تسعة أشهر، وقالت عائشة ﵂ تصف أباها ﵁ وغاض نبع الردة: أي أذهب ما نبع منها وظهر. انظر: لسان العرب ٩/٦٥. ٦ لعل أنسب ما يقال في هذا المقام ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر ابن الخطاب ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه". انظر: كتاب بدء الخلق باب ١، ٤/٧٣. وسيأتي مزيد تفصيل لذلك فيما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ٧ في (ت) صلى الله وسلم تسليمًا. ٨ الثغر من البلاد: الموضع الذي يخاف منه هجوم العدو، فهو كالثلمة في الحائط يخاف هجوم السارق منها، والجمع: ثغور مثل فلس فلوس. المصباح المنير ص٨١ نشر دار المعارف بالقاهرة. ٩ انظر المقدمة لترى تعريفًا شافيًا عن باب الأبواب وأهميته في ذلك الوقت واهتمام الأكاسرة به.
[ ٧٤ ]
فقد وقفت على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد عليّ بمدينة السلام١ من خير نعم الله عليكم، واستقامة أحوالكم، (فأسرني) ٢ وكثر لله ﷿ شكري ورغبت إليه تعالى مجتهدًا في تمام ما أولاكم وإسباغ نعمه علينا وعليكم، وهو تعالى ولي الإجابة وحقيق لجميل الموهبة٣.
ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي عن٤ المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي، وهو سنة سبع وستين ومائتين٥، ووقوع ما ذكرته لكم فيها الموقع الذي حمدتموه، وعرفتم وجه الصواب فيه٦، وإعراضكم عمن ألقى تلك المسائل، واحتال في بثها عندكم٧.
وحمدت الله ﷿ على حراستنا وإياكم من شبه الملحدين٨ في دينه، والصادين
_________________
(١) ١ مدينة السلام: هي بغداد، ودار السلام: الجنة، ويجوز أن تكون سميت بذلك على التشبيه أو التفاؤل، لأن الجنة دار السلامة الدائمة، وقال ابن الأنباري: "سميت بغداد مدينة السلام لقربها من دجلة، ودجلة تسمى نهر السلام، ويوجد قصر بناه الرشيد بالرقة يسمى قصر السلام". انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٣/٢٣٣، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت. ٢ في الأصل: "فأثرنى" وما أثبته من (ت) . ٣ على الداعية المسلم أن يتأمل هذا الكلام جيدًا، وأن يكون خير خلف لخير سلف، فالأشعري - ﵀ - لما رأى من أتباعه استقامة على الحق الذي يدعو إليه سر بذلك، وازداد شكره لله ﷿، ورغب إليه مجتهدًا بتقديم الطاعات والمسابقة إلى فعل الخيرات لينال مطلوبه ويظفر بمقصوده، كما يتبين ذلك من كلامه. ٤ في (ت) على. ٥ الواقع أن هذا التاريخ خطأ يقينًا؛ لأن أبا الحسن الأشعري ولد عام ستين ومائتين، وقد بينت ذلك بتفصيل في المقدمة. ٦ يبدو من هذا التعبير أن دعوة الأشعري - كما هي رائجة وشائعة الآن - كانت كذلك في عهده، وهذا واضح من ردهم عليه وحمدهم لأجوبته التي أرسلها من قبل، إلا أن شهرة الأشعري السابقة لأمثال هؤلاء كانت على معتقد صحيح، وعقيدة سلفية خالصة وذلك بعد تخلصه من عقائد المعتزلة والكلابية كما يظهر لنا في هذه الرسالة بخلاف أشاعرة اليوم الذين بقوا على المنهج الكلابي، ولقد أشرت إلى ذلك في المقدمة، وبينت أن هذا الأمر هو الذي دفعني إلى اختيار هذا الموضوع، والكتابة حول الرجل. ٧ وهذا يفيد أن أهل الأهواء في كل زمان ومكان، يتلاعبون بعقائد المسلمين ويبتكرون في ذلك أساليب الحيل، ليخدعوا العامة والبلهاء، وغرضهم من ذلك واضح ومعروف، وهو الصد عن دين الله، وعن اتباع أنبيائه ورسله. ٨ الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد. وقال ابن السكيت: "الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس فيه، ويقال قد ألحد في الدين ولحد أي: حاد عنه". انظر: لسان العرب ٤/٣٩٣، ٣٩٤.
[ ٧٥ ]
عن اتباع رسله، وسألته أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بحبله١، والمقيمين على الوفاء بعهده٢، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ووقفت على ما التمستموه من ذكر الأصول٣ التي عول سلفنا٤ رحمة الله عليهم عليها، وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها، واتباع خلفنا الصالح٥ لهم في "ذلك"٦.
وعدولهم عما صار إليه (أهل) ٧ البدع من المذاهب التي أحدثوها، وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها٨، وما ذكرتموه من شدة الحاجة إلى ذلك، فبادرت أيدكم الله
_________________
(١) ١ الحبل: هو السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، واختلف في المراد بحبل الله المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ فقيل هو الجماعة، وقيل القرآن، وقيل غير ذلك، وأنا أميل إلى أن المراد به هنا دين الله كله قرآنًا وسنة، وهذا لا يتنافى مع من قال بأن المراد به القرآن؛ لأن القرآن أساس الدين، وقد ورد في المسند عن زيد بن ثابت عن الرسول ﷺ أن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض هو كتاب الله. (انظر: المسند ٥/١٨٢) . وقال الهيثمي: "رواه أحمد وإسناده جيد". (انظر: مجمع الزوائد ٩/١٦٣ نشر مكتبة القدس بالقاهرة عام ١٣٥٣هـ) . ٢ لعل المراد بعهد الله هنا هو: عبادة الله وعدم الإشراك به، ولقد أخذ الله عهدًا وميثاقًا بذلك، قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . ثم ذكر حديث الصحيحين في أن كل مولود يولد على الفطرة (انظر تفسيره: ٣/٥٠٠، ٥٠١٩)، والحديث أخرجه البخاري من رواية أبي هريرة في كتاب الجنائز باب٩٢ج٢/١٠٤، ومسلم في كتاب القدر باب ٦ ج٤/٢٠٤٧، وفي مسند أحمد عن أنس ابن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي". المسند ٣/١٢٧، وقد ساق ابن مندة في الرد على الجهمية روايات عديدة حول هذا المعنى. انظر: ص٥٩ من الطبعة الأولى ١٤٠١هـ. ٣ يطلب أهل باب الأبواب من الأشعري أن يذكر لهم أصول العقائد التي كان عليها السلف الصالح، وهذا يدل على أن الأشعري رجل سلفي كما ذكرت سابقًا. وثانيا: على أن هذا المصنف الجليل يحتوي على أصول الديانة التي كان عليها سلف هذه الأمة، وسيظهر ذلك بتفصيل إن شاء الله. ٤ ترد هذه الكلمة كثيرًا في هذا المصنف وغيره من كتب أهل السنة والجماعة والمقصود من كلمة السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفًا عن سلف كالأئمة الأربعة، والسفيانين، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم وسائر أصحاب السنن دون رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، وسائر الفرق الضالة، (انظر: العقائد السلفية لأحمد بن حجر آل بوطامي قاضي المحكمة الشرعية بقطر ص١١ من الطبعة الأولى ١٩٧٠م) . ٥ الخلف الصالح: هم السائرون على منهج من سبقهم من السلف الصالح العاملين بالكتاب والسنة. ٦ في الأصل "في الله" وما أثبته من (ت) . ٧ ما بين المعكوفتين من (ت) . ٨ ساقطة من (ت) . والأشعري يمدح السلف بانصرافهم إلى الكتاب والسنة في قوله: "وعدلوا إلى الكتاب والسنة"، كما أنهم حادوا عن طريق المبتدعة كما ذكر ذلك عنهم في قوله: "وعدولهم عما صار إليه أهل البدع".
[ ٧٦ ]
بإجابتكم إلى ما سألتموه لما أوجبه من حقوقكم، والكرامة لكم، وذكرت لكم جملًا من الأصول مقرونة بأطراف من الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك١.
وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم٢ عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى به٣ الرسول ﵇ منها٤، ونبه عليها، وموافقتهم بذلك طرق الفلاسفة٥ والصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل ﵈ منها.
_________________
(١) ١ يطالعنا الأشعري في مقدمته هذه المنهج الذي اتخذه طريقًا يسير فيه - بعد رجوعه عن الكلابية المعروفة اليوم بالأشعرية - يبني أسس العقيدة عليه، وهو الكتاب والسنة، وهذا أمر واضح جلي في مصنفاته التي صنفها بعد رجوعه عن الاعتزال، وتمسكه بالحق الذي هداه الله إليه، ولقد ذكر في مقدمة كتاب الإبانة أن الالتزام بالقرآن والسنة هو الحق الذي ينبغي أن لا يحيد عنه المسلم، وإلا فقد ضل وغوى، واسمع إليه وهو يقول عن القرآن الكريم: " جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتين، من تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى، وحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله ﵇ فقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (انظر: الإبانة ص٥ طبعة الجامعة الإسلامية ١٣٨٩هـ) . والأشعري برده أصول الديانة إلى الخبر المنزل من عند الله قرآنًا كان أو سنة يسير على منهج السلف - كما ذكرت سابقًا - وقد مكنه السير على هذا المنهج والتمسك به من الانتصار والغلبة على خصومه من مختلف المذاهب والطوائف. ٢ في (ت) وخرجوهم. ٣ ساقطة من (ت) . ٤ في (ت) ﵊، ويلاحظ هذا الأمر متكررًا في النسخة من أولها إلى آخرها بحذف لفظ "الصلاة" من الأصل كما الآن، وثبوته في نسخة (ت) . ٥ الفلسفة: الحكمة، وهي كلمة أعجمية. انظر: لسان العرب ١١/١٨٠. والفلسفة كلمة يونانية، ومعناها عندهم: محبة الحكمة، والفيلسوف هو: فيلا وسوفا، وفيلا هو: المحب، وسوفا: الحكمة، أي هو محب الحكمة. (انظر: الملل والنحل للشهرستاني ٢/٦٢ مطبعة مخيمر الطبعة الثانية) . والفلاسفة جمع لكلمة فيلسوف، وهو العالم بالفلسفة. وقد ابتليت الأمة الإسلامية بمن سموا أنفسهم: فلاسفة المسلمين، وهم في الحقيقة طائفة خرجوا عن الحق واستبدلوا الوحي بالعقل، فضلوا وأضلوا، وقد اقتبسوا علومهم من الفلاسفة اليونانيين الوثنيين، وابن سينا نفسه وهو عميد الفلاسفة المسلمين كما يقولون، يؤكد هذا الأمر فيقول: "وكما كان المشتغلون بالعلم شديد الاعتزاز إلى المشائين من اليونانيين كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور" (انظر: كتاب تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص٤٤ لمصطفى عبد الرزاق) . ولقد ذهب إلى هذا أيضًا الدكتور "حمدي حيا الله" وهو يعطينا صورة عن مضمون كتابه: (أثر التفلسف في الفكر الإسلامي): " وإنما قصدت بها - أي بصفحات كتابه - عرض التحريف المنهجي الذي أصاب الفكر الإسلامي باختلاطه بالفكر اليوناني الوثني على يد المتفلسفة من المتكلمين، أو استبداله كلية بالمنهج اليوناني على يد من يطلق عليهم فلاسفة الإسلام، أو المتفلسفة من المتصوفين" (انظر: كتابه ص٧ من الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ) . ويقول الدكتور النشار: "ظهر الكندي والفارابي وابن سينا وأبو البركات البغدادي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وغيرهم، واتصل كل واحد من هؤلاء بتلك الفلسفة على الصورة التي وصلته، وكتبوا كتبًا فلسفية، ولكن ما وصل إلينا عنهم لم يكن شيئًا جديدًا كان فقط صورة مختلفة من المشائية أو الأفلاطونية الحديثة، مع محاولة غير ناجحة للتوفيق بينها وبين الفكر الإسلامي". (انظر كتابه: نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام ١/٤٩ ط ٧ - ١٩٧٧م) .
[ ٧٧ ]
ولم ألكم١ وسائر من تأمل ما ذكرته نصحًا لما يوجب عليّ من حق نعم الله فيكم (وأرجوه) ٢ من نيل الثواب بإجابتكم مستعينًا٣ في جميع ذلك بالله ﷿، وتوكلًا٤ عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي مضى عليه سلفنا٥ ومن تبعهم من صالح خلفنا٦ أن الله بعث محمدًا ﷺ إلى سائر العالمين٧، وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون٨. منهم كتابي٩ يدعو١٠ إلى الله بما تعبد١١ به في كتابه،
_________________
(١) ١ ألا يألوا ألوا: بمعنى قصر وأبطأ. (انظر: لسان العرب ١٨/٤١، ٤٢) . وفي مختار الصحاح ألا: من باب عدا: أي قصر، وفلان لا يألوك نصحًا فهو آل، والآلاء: النعم واحدها أَلى بالفتح وقد يكسر، يكتب بالياء مثل: معي أمعاء. (انظر: المختار ص٢٣ من الطبعة الأولى ١٩٦٧م) . والأشعري هنا يخبر أنه لم يقصر في طلبهم، وفي إجابته ورده على أسئلتهم، كما أنه لم يقصر - ﵀ - في توضيح الحق بعد أن هداه الله له، ويظهر ذلك لأي متأمل ينظر في كتبه، وباعثه على ذلك وجه الله والدار الآخرة. ٢ في الأصل: "وأرجوكم" والتصحيح من (ت) . ٣ في (ت) مستغنيًا. ٤ هكذا بالأصل، و(ت) ولعل الصواب أن يقال: "ومتوكلًا". ٥ سبق تعريف السلف. انظر ما تقدم ص١٣٥. ٦ سبق تعريف الخلف. انظر ما تقدم ص١٣٦. ٧ من المعلوم المقطوع به، أن النبي ﷺ أرسل برسالة جامعة خاتمة عالمية في الزمان والمكان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ سبأ آية (٢٨) . وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ الأعراف آية (١٥٨) . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ "قل" يا محمد للناس كلهم: "إني رسول الله إليكم جميعًا" لا إلى بعضكم دون بعض. (انظر: تفسيره ١٣/١٧٠ طبعة أحمد شاكر) . وأخرج البخاري في صحيحه حديث جابر بن عبد الله ﵁ وفيه: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة". (انظر: كتاب التيمم باب ١ ج١/٨٦، وكتاب الصلاة باب ٥٦ ج١/١١٣، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٧٠، والدارمي في كتاب الصلاة باب الأرض كلها طهور خلا المقبرة والحمام ١/٣٢٣. ٨ كانت البشرية جمعاء قبل بعثة النبي ﷺ في ظلام دامس، وجاهلية عمياء، وأودت بحياة البشرية وأخذتها إلى الضياع ولقد تكلم البغدادي في الفرق بين الفرق عن أصنافهم وأوصافهم بكلام جيد يطول ذكره هنا، فليراجع في كتابه المشار إليه ص٣٥٣، وكذلك اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص٢. ٩ المراد بالكتابي: كل من انتسب أو دان بديانة اليهود والنصارى وسموا أهل كتاب؛ لأن الله أنزل عليهم كتبًا وهي: "التوراة والإنجيل" ولقد قسم الشهرستاني في الملل والنحل أهل الكتاب قسمين: قسم له كتاب محقق، مثل التوراة والإنجيل، وهم أمة اليهود وأمة النصارى، وقسم له شبهة الكتاب، مثل المجوس والمانوية. (انظر: كتابه ١/١٨٩) . ولعل ما يشهد لكلام الشهرستاني هذا ما جاء في الأحاديث أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر - انظر: سنن الدارقطني باب جزية المجوس ٢/١٥٤، ١٥٥- ولأن في أخذ الجزية منهم إلحاق لهم بأهل الكتاب، إلا أن القرآن الكريم يعني بأهل الكتاب "اليهود والنصارى" انظر: ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ ٢/٦٥ من طبعة دار الشعب بالقاهرة. ١٠ في الأصل "تدعو" وما أثبته من (ت) . ١١ في (ت) تقول.
[ ٧٨ ]
وفلسفي١ قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول٢.
وبرهمي٣ تنكر أن يكون لله رسول، ودهري٤ يدعي الإهمال٥ ويخبط في عشو الضلال. وثنوي٦ قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب
_________________
(١) ١ في (ت) لنور. ٢ تكلمت في ص١٣٧ عن الفلاسفة، وبينت هناك مخالفتهم لمنهج النبوة، واتباعهم العقل والهوى، وهو ما أشار إليه الأشعري هنا، ويقرر ذلك أيضًا ابن تيمية فيقول: "وبالجملة فالمنهج الذي يسلكه هؤلاء الفلاسفة - يعني فلاسفة المسلمين - في بحث هذه الأمور الإلهية منهج عقلي لا يرجعون في العلم بشيء منها إلى ما جاء به الرسول، ولا يعرفون من العلوم الكلية، ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة المتقدمون مع زيادات تلقوها عن بعض أهل الكتاب وأهل الملة". (انظر: تفسيره لسورة الإخلاص ص٨٤ من الطبعة الثالثة) . ٣ البراهمة: قوم ينتسبون إلى رجل منهم يقال له "براهم". (انظر: الملل والنحل ٢/٢٥٨، والفصل لابن حزم ١/٦٩ من الطبعة الثانية ١٣٩٥هـ) . وكانت تسمى من قبل بالهندوسية، ومن عقائدهم الكارما أي: الجزاء ثوابًا كان أو عقابًا، وهو يقع في هذه الحياة، فلا قيامة ولا بعث ونشور عندهم، كما قالوا بتناسخ الأرواح، ومنهم جاءت فكرة التثليث التي دان بها النصارى، ووحدة الوجود التي دان بها بعض ملاحدة المسلمين كعبد الله بن سبأ اليهودي والحلاج وابن عربي وغيرهم، ولقد قال ابن سبأ: بأن عليًا صار إلهًا بحلول روح الإله فيه. (انظر: الفرق بين الفرق ٢٥٤، ٢٥٥، وأديان الهند الكبرى لأحمد شلبي ص٦١-٦٩ من الطبعة الرابعة ١٩٧٦م) . ٤ الدهريون: صنف من الناس أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المغني. ولقد أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ الجاثية آية (٢٤) . ولقد أصبح العالم اليوم يسخر من الذين يقولون ذلك، ويعده من سخافة العقول، وخاصة بعدما تطورت العلوم، وأرى الله الناس من آياته ما يدل على وجوده، ولعلي أشير إلى بعض أقوال العلماء الذين اعترفوا بذلك فيما يأتي إن شاء الله، وانظر أيضا: الملل والنحل ٢/٣. ٥ في (ت) الإمهال. ٦ الثنوية والمجوسية: ديانتان متفقتان على قول واحد، مع فروق قليلة فيه. يقول الشهرستاني في حديثه عن الثنوية: أنهم يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه، وهؤلاء قالوا بتساويهما في القدم. (انظر: الملل والنحل ١/٢٢٤) . ويقول البغدادي عن الثنوية: أنهم زعموا أن النور والظلمة صانعان قديمان، والنور منهما فاعل الخيرات والمنافع، والظلام فاعل الشرور والمضار. ثم يقول عن المجوس: بأنهم شاركوا الثنوية في اعتقاد صانعين، غير أنهم زعموا أن أحد الصانعين قديم، وهو الإله الفاعل للخيرات، والآخر شيطان محدث فاعل للشرور. (انظر: الفرق بين الفرق ص٢٨٥) .
[ ٧٩ ]
صنم يعتكف عليه، ويزعم أنّ له ربًا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه١. لينبههم جميعًا على حدوثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم٢ ويبين لهم طرق معرفته بما فيهم من آثار صنعته، ويأمرهم برفض كل ما كانوا٣ عليه من سائر الأباطيل.
بعد تنبيهه ﵇ لهم على فسادها٤، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به
_________________
(١) ١ كان العرب في الجاهلية منغمسون في الوثنية بأبشع صورها وأشكالها، فكان لكل بيت صنم يعبدونه، ويعكفون عليه. يقول الكلبي في ذلك: "كان لأهل كل دار في مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من السفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح أيضًا" (انظر: كتاب الأصنام ص٣٣) . والأشعري بكلامه هنا يبين الدافع والسبب الذي أدى بالمشركين إلى عبادة هذه الأصنام والعكوف عليها، وهو: زعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، فهم كانوا يعرفون أن لهم ربًا وإلهًا، ولكنهم كانوا يتوسلون إليه فقط بهذه الأصنام، فسماهم الله مشركين لاتخاذهم الوسائط والشفعاء، ولقد وقع في هذا بعض المسلمين، فتوسلوا بالأنبياء والصالحين، ولم يكن لهم حجة ولا برهان إلا ما سار فيه أهل الجاهلية السابقون، وصدق الرسول الكريم ﷺ لما قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب اتبعتموهم. قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". الحديث أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب ١٤ ج٨/١٥١، ومسلم في كتاب العلم باب ٣ ج٤/٢٠٥٤، وابن ماجه في كتاب الفتن باب ١٧ ج٢/١٣٢٢. ٢ ينص الأشعري على أن النبي ﷺ أرسل إلى الطوائف التي سبق أن أشار إليها في كلامه، وكان على رأس دعوته إليهم العودة بهم إلى ربهم، وإلى توحيده وحده والخضوع له ﷾. والواقع أن توحيد الله ﷿ هو أساس الديانات كلها فما من رسول بعثه الله إلا وجعل رأس دعوته "التوحيد" واستعرض قصص القرآن كله وخاصة سورتي الأعراف وهود لترى أن كل نبي ابتدأ خطاب قومه بقوله "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". ولا يفوتني هنا أن أنص على أمرين هامين: أولهما: أن المراد بتوحيد الله ما نص عليه علماء السلف من توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. ثانيهما: يتحتم على كل داعية إلى الله ﷿ أن يبدأ دعوته بتعليم قومه التوحيد، فإذا علموه انتقل بعد ذلك إلى الشرائع والأحكام، والتوحيد هو الأساس والأصل، وبدونه ينتفي الدين والإيمان، ولا عذر هنا لأحد يظن أو يتوهم أن هذا الأمر فيه تفريق للأمة، وقضاء على وحدتها، فالنجاح الكامل في اتباع منهج النبوة، والله الهادي إلى سواء السبيل. ٣ في الأصل "ما كان" والتصحيح من (ت) وهو الصواب الذي به يستقيم المعنى. ٤ ذكرت سابقًا التعليق على ما سبق أن ذكره الأشعري من حال الناس قبل بعثة النبي ﷺ وما صاروا إليه من فساد وضلال فدعا النبي ﷺ إلى الله على بينة وبصيرة، موضحًا لكل أمة فساد ما هم عليه من الضلال. فمثلًا في جزيرة العرب دعاهم إلى التوحيد، وبين لهم أن آلهتهم التي يشركونها مع الله لا تملك لنفسها أقل نفع فضلًا عن غيرها، وإليك هذا المثل القرآني الرائع الذي إذا تأملته البشرية كلها خرت لربها ساجدة، وما جعلت له شريكًا في أي لون من ألوان العبادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحج آية ٧٣، ٧٤.
[ ٨٠ ]
عن ربهم تعالى بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة١، ويوضح لهم سائر ما تعبدهم الله ﷿ (به) ٢ من شريعته٣.
وأنه ﵇ دعا جماعتهم إلى الله، ونبههم على حدوثهم٤ بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم، بما يقتضي وجوده٥ يدل على إرادته وتدبيره٦؛
_________________
(١) ١ جعل الأشعري آيات الأنبياء دليلًا على صدقهم، ويعني بذلك أنه إذا أتى بالمعجزة فقد ثبت صدقه، وإذا ثبت صدقه وجب اتباعه. ويقول شارح الطحاوية: " ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن دليل غير محصور في المعجزات" (انظر: ص٨٩) . ٢ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٣ ذكرت سابقًا الهدف من إرسال الرسل وهو التوحيد. ويتبع ذلك توضيح الشريعة وبيانها ليوحد الله بالعبادة من خلال ما شرع وأمر، وأسوتنا وقدوتنا في ذلك رسول رب العالمين ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ سورة الحشر آية ٧. ٤ في الأصل، و(ت): "حدثهم"، والصواب ما أثبته. ٥ أشار القرآن الكريم إلى أن العالم حادث، بمعنى أنه خلق ووجد بعد أن لم يكن. قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ . وقد ذكر الأشعري إجماع السلف على ذلك، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. والأشعري هنا يستدل على حدوث الإنسان بالتغير الواقع فيه ليصل بذلك إلى وجود محدِثه وهو الله تعالى. والواقع أن الأشعري في هذه النقطة خالف المنهج الصحيح لاستدلاله بالصور والهيئات التي هي عبارة عن الأعراض التي تأتي على الإنسان، وهذا مسلك الفلاسفة والمتكلمين، وهو ما أخذه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وذكره أنه سار خلف طريقة المتكلمين في رسالته هذه. (انظر: مجموع الفتاوى ١٦/٣٨٦، والنبوات ص٤٩، ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٢٨) . كما أن الأشعري استدل على حدوث الإنسان، ولم يستدل بحدوثه على وجود الله تعالى، وهناك فرق بين الأمرين، والصواب الاستدلال بحدوثه لا على حدوثه، وقد ذكر ذلك ابن تيمية فقال: "إن الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها، وأرشد إليها، فإن الإنسان هو المستدل وهو الدليل والبرهان. قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . (انظر: النبوات ص٤٨، وانظر تعليق ابن تيمية على ما ذكره من رسالة الأشعري هذه في درء تعارض العقل والنقل ٧/٢١٩- ٢٢٤) . ومع هذا فالأشعري ذكر في هذه الرسالة نفسها أن طريقة الاستدلال بالأعراض غير واضحة، وهي مسلك أهل البدع ومن اتبعهم. وقد أيده في ذلك القول ابن تيمية وذكر ذلك عنه. (انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠، والموافقة ١/٢٤، ٢٥) . وقد خالف في حدوث العالم الفلاسفة الملاحدة، وقالوا: إن العالم قديم، وفصل الغزالي مذهبهم في كتابه تهافت الفلاسفة، وذكر أنهم استقروا على القول بقدمه، وأنه لم يزل موجودًا مع الله تعالى ومعلولًا له. (انظر: تهافت الفلاسفة ص٧٦، وما بعدها من الطبعة الثانية) . ويعلل ابن تيمية هذا القول من الفلاسفة فيقول: "وإنما يعظم على الجهال من المتفلسفة وأمثالهم وأشباههم تقرير حدوث العالم وتغيره لأنهم لم يقدروا الله حق قدره". (انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٤٥) . ٦ ينص الأشعري على خلق الله للعالم بإرادته وتدبيره، وفي ذلك دفع لكلام الفلاسفة القائلين بأن العالم صدر عن الله صدور المعلول عن العلة كصدور شعاع الشمس من الشمس، ولهم في ذلك كلام يطول عرضه هنا. (انظر: كتاب تهافت الفلاسفة ص١٢٠) .
[ ٨١ ]
حيث قال ﷿: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١، فنبههم ﷿ بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها (على ذلك وشرح ذلك) ٢ بقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣.
وهذا من أوضح (ما يقتضي الدلالة على حدث٤ الإنسان) ٥، ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديمًا، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديمًا ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيرًا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن٦ قبل تغيره عليها (دل ذلك على حدوثها، وحدوث الهيئة التي كان
_________________
(١) ١ الذاريات آية: (٢١) . وهذه الآية من الآيات التي استدل بها الأشعري على وجود الله سبحانه ووحدانيته، لأنها تلفت نظر الإنسان إلى التأمل في ذاته، وسيأتي مزيد توضيح لهذه الآية في الآية التالية، وانظر تعليق البيهقي عليها في الاعتقاد ص٨، وابن القيم في الجواب الكافي ص٢٣. ٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل "على الله شرح ذلك". وفي (ت) "على ذلك شرح"، ولعل الأولى حذف الجار والمجرور "على ذلك"، والكلام مستقيم بدونه. ٣ المؤمنون آية: (١٢، ١٣) . وقد ذكر الأشعري أن هذه الآية شرح لما قبلها، وهو بهذا يحدد لنا مجال النظر الذي أمر به القرآن، وهو أن ينظر الإنسان في أصل خلقته، والأطوار والمراحل التي مر بها، وهي سبعة كما في الآية، ثم ينتقل من هذا النظر إلى الإقرار بالله ربًا ومعبودًا، وهذا هو الهدف من النظر كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ . وانظر كلام البيهقي حول الآية في كتاب الاعتقاد ص٩. ويقول محمد الأمين الشنقيطي: "بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان ونقله له من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا". (انظر: أضواء البيان ٥/٧٧٦) . ٤ في الأصل: "حدوث"، ولعل الصواب ما أثبته. ٥ ما بين المعقوفتين في (ت) هكذا "ما يقتضي وجوده ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال ﷿ الدلالة على حدوث الإنسان". ٦ ساقطة من (ت) .
[ ٨٢ ]
عليها قبل حدوثها) ١؛ إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها، وذلك أن (القديم) ٢ لا يجوز عدمه٣.
وإن كان هذا على ما قلنا وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيًا إلى هيئات محدثة لم تكن٤ الأجسام قبلها موجودة، بل كانت قبلها محدثة، ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق٥ فيتم من غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين هنا مخالف لما في (ت) ولفظه هناك: "وكونه قديمًا ينفي تلك الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها". ٢ في الأصل: "العدم" والتصحيح من (ت) . ٣ يقيم الأشعري هنا دليلًا عقليًا على وجود الله ﷾، وهذا الدليل يسمى عند المتكلمين "بطريق الوجود"، ويقولون فيه: إن العقل ليقتضي بضرورة إثبات وجود موجِد لهذا الكون سابق وجوده عليه. وذلك أن كل موجود متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لابد له من موجِد أحدث وجوده. فإذا نظر الإنسان بتأمل فيما حوله من الكائنات أدرك وأيقن بالمشاهدة أن هذه الموجودات لابد لها من موجد أحدث وجودها وما فيها من تغير، وقد توسع المتكلمون في ذكر هذا الدليل وتقريره، وذكره ابن تيمية عنهم وذكر ما فيه من حق وما عليه من قصور، حيث إنه لا يتعدى إلى إثبات توحيد الألوهية بعد إثباته للربوبية. (انظر: مجموع الفتاوى ج٢/٧- ٢٥) . ورغم أننا لا نوافق الفلاسفة والمتكلمين عمومًا إلا أن القرآن الكريم وجه الإنسان إلى النظر في الموجودات بتأمل وتدبر ليعلم من حالها ضرورة افتقارها إلى خالق لها، مدبر أمرها، هو الله تعالى ثم ينتقل من ذلك كله إلى إفراد الله بالعبادة والوحدانية، لأنه هو المقصود من الاستدلال. ولقد سلك المتكلمون لإثبات وجود الله طرقًا متعددة حصرها صاحب المواقف في أربع طرق. (انظر: المواقف للإيجي ص٢٦٦) . ويقول "خليل هراس" عنهم: "إن المتقدمون منهم بنوا رأيهم في إثبات الله تعالى على حدوث العالم ذهابًا منهم إلى أن الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وأنه إذا ثبت أن العالم حادث كان لابد من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود، ويقول المتكلمون: إن هذه قضية بديهية، ويوافقهم ابن تيمية على ذلك، إلا أنه لا يسلم لهم طريقتهم في إثبات حدوث العالم". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٧٠، ٧١) . ٤ في (ت) "لم يكن". ٥ في (ت) "إلا باتفاق"، والاتفاق هنا معناه المصادفة، تقول وافقت فلانًا في موضع كذا أي: صادفته، (انظر: لسان العرب ١٠/٣٨٢) . والأشعري هنا يرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله، ويقولون بأن العالم وجد عن طريق الصدفة، ولو تأمل هؤلاء في أنفسهم، وفي آثار القدرة والحكمة التي أوجدتهم لأيقنت قلوبهم بالقاهر المدبر القادر الحكيم ولكن على القلوب أقفالها!! وما سبق ذكره وما سيأتي من كلام الأشعري يقيم الحجة على هؤلاء الكافرين ولكني هنا أنقل بعض الاعترافات التي ذكرها بعض علماء العصر الحديث من الكافرين، لأقيم الحجة بها على أنفسهم أولًا، وعلى أمثالهم من الكفرة ثانيًا. يقول "إسحاق نيوتن" العالم الإنجليزي ومكتشف قانون الجاذبية: "لا تشكوا في الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قائدة هذا الوجود" (نقلًا من كتاب العقائد للشيخ حسن البنا ص٥٤) . ويقول "أينشتين" أكبر عالم كوني في الأعصار الحديثة: "إن ما يراه في الكون يدفع إلى إيمان عميق بوجود قدرة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام"، ثم يقول: "ذلك هو فهمي لمعنى الألوهية" (نقلًا باختصار من مقال للشيخ محمد الغزالي في مجلة الأمة بعنوان "رحلة من العلم إلى الإيمان") . ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب "الله يتجلى في عصر العلم". ومع هذا فإن هذا الإيمان لا ينفعهم حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد ﷺ لقوله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار". رواه مسلم في كتاب الإيمان باب ١٧٠/١٣٤، وأحمد في المسند ٢/٣١٧.
[ ٨٣ ]
دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئة١ المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها٢ بذلك إلى محدثها ومرتبها، لأن سلالة الطين والماء المهين يحتمل من الهيئات ضروبًا كثيرة٣، لا يقتضي واحد منها سلالة الطين، ولا الماء المهين بنفسه، ولا يجوز أن يقع شيء٤ من ذلك فيها بالاتفاق لاحتمالها لغيره٥.
فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره، وشمه وحسه، وآلات ذوقه٦، وما أعد
_________________
(١) ١ في (ت) "الهيئات". ٢ في (ت) "تأخرها وحاجتها تلك" ولعل الصواب: "وتأخرها وحاجتها بذلك" كما جاءت العبارة في نسخة ابن تيمية. ٣ في الأصل "ضروريًا كثيرًا" وما أثبته من (ت) . ٤ في الأصل، و(ت): "شيئًا" بالنصب، وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب قطعًا؛ لأنها فاعل يقع. ٥ يبين الأشعري النظر إلى أن الصدفة لا يمكن لها أن تقيم هذا النظام البديع الدقيق المتمثل في هذه السنن الكونية من خلق وتكوين وتنشئة وتطور. فالإنسان مثلًا يعلق نطفة في الرحم، ثم تمر به عدة مراحل لا دخل لأحد غير الله فيها، يخرج بعدها بشرًا سويًا، وأصله من طين ثم من ماء مهين ولا يوجد أدنى صلة بين الماء والطين وأعضاء الإنسان وأجزائه، فكيف إذا تكونت هذه الأعضاء بما فيها من دم ولحم وعصب وعظم؟. ويقول الدكتور "محمود قاسم": "ولو كانت هذه الوظائف وليدة الصدفة، أو توجد من تلقاء ذاتها، لوجب أن توجد للأجسام جميعها دون تفرقة، فوجودها إذن في بعض الأجسام دون بعض دليل على وجود صانع اقتضت إرادته أن تكون مخلوقاته أسمى مرتبة من بعضها الآخر وينطبق هذا القول على الكون بأسره، لأنه مجموعة". (انظر: كتابه ابن رشد وفلسفته الدينية ص١٠٠ من الطبعة الثالثة) . ٦ هذه الحواس التي زود الله ﷾ الإنسان بها، ليطالع الأشياء التي في متناوله على حقيقتها من أعظم نعم الله على الإنسان وفيها من الحكمة والقصد والإرادة، ما يعجز عن وصفه. قال تعالى منبهًا عباده إلى ذلك: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ سورة السجدة: آية (٧- ٩) . ويقول ابن القيم عن الحواس التي أنعم الله بها على الإنسان: " ثم تأمل الحكمة في أن جعل الحواس خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس، ليلقى خمسًا بخمس، كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة، فجعل البصر في مقابلة المبصرات، والسمع في مقابلة الأصوات، والشم في مقابلة أنواع الروائح المختلفات، والذوق في مقابلة الكيفيات المذوقات، واللمس في مقابلة الملموسات " (انظر: مفتاح دار السعادة ص٢٨٥ من الطبعة الثانية) .
[ ٨٤ ]
له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ما قد حوج١ إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته.
فإذا نقل من ذلك وحوج٢ إلى غذاء لا ينتفع به، ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه٣.
والمعدة المُعَدَّة٤ لطبخ٥ ما يصل إليها من ذلك، وتلطيفه٦ حتى يصل إلى الشعر والظفر، وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطاف قد هيئت لذلك بمقدار ما يقيمها٧، والكبد المعدّة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب٨، والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد باجتذاب المناخر٩،
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل، و(ت) وعند ابن تيمية: "أحوج". ٢ هكذا بالأصل، و(ت) وفي نسخة ابن تيمية "وخرج". ٣ اقتضت حكمة الله ﷾ أن يمر الإنسان بمراحل في تنشئته فمن صبا وطفولة، إلى شباب وفتوة، إلى كهولة وشيخوخة، وقد أعد الله ﷾ لكل مرحلة ما يناسبها. وقد ذكر ابن القيم كلامًا نفيسًا حول ذلك، فلينظر في كتابه "مفتاح دار السعادة". ومما قال: " فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالأداوة قد تدلي إليك، وأقبل بدوره عليك إلى أن قال: حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك ويقوى عليه لحمك، وضع فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام، وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمة بأمك ولطفًا بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمة بك وإحسانًا إليك ولطفًا بك " (انظر: ص٢٧٧) . ٤ ساقطة من (ت) . ٥ في (ت) "أطبخ". ٦ في الأصل "ويلطفه" والتصحيح من (ت) . ٧ المعدة: خزانة يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه إصلاحًا ورتب الله ﷾ منها مجاري وطرقًا يسوق بها الغذاء إلى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر وظفر. (انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ص٢٨١) . وعلى كل عاقل أن يتأمل أمر هذه المعدة، ويسأل نفسه: إن المعدة تهضم اللحم وهي لحم، فلماذا لا تهضم نفسها؟ ثم هي تهضم مختلف الأصناف والألوان والأشكال بطرق منتظمة دقيقة، تسوقنا إلى أن نردد قول الله ﷿: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . ٨ للكبد مشاركة فعالة في عملية الهضم، فهو يفرز "العصارة الصفراوية" التي تقوم بأدوار ثلاثة في الهضم، ثم هو ينظم نسبة السكر في الدم وهو أكبر عدة في جسم الإنسان تزن حوالي اثنين من الكيلو جرامات. (انظر: جسم الإنسان في علم الصحة ص٩٥- ١٠١ لحسن نصر ومحيي الدين) . ويذكر ابن القيم فوائد الكبد فيقول: "وجعل الكبد للتخليص وأخذ صفو الغذاء وألطفه"، والمراد بالتخليص هنا هو قتل الجراثيم. (انظر مفتاح دار السعادة ص٢٨١) . ٩ يوجد في جسم كل إنسان جهاز للتنفس الرئوي، وهو يقوم بتجديد هواء الرئتين باستمرار بطريقة طبيعية، وتسمى عمليتي الشهيق والزفير. (انظر: جسم الإنسان في علم الصحة ص١٢٢) .
[ ٨٥ ]
وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من الغذاء عن وقت الحاجة في مجاري١ ينفذ ذلك منها٢، وغير ذلك مما يطول شرحه مما لا يصح وقوعه بالاتفاق٣، ولا يستغني فيما هو عليه عن مقوم يرتبه.
إذ كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع ولا مدبر عند كل عاقل متأمل٤، كما لا يصح أن يترتب الدار على ما يحتاج فيها من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها، ويقصد إلى ترتيبها٥.
ثم زادهم تعالى في٦ ذلك بيانًا بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
_________________
(١) ١ هكذا بالأصل، و(ت)، وعند ابن تيمية "مجار" بدون ياء. ٢ ركبّ الله ﷾ في جسم كل إنسان جهاز الإخراج ليتخلص به من فضلات الطعام التي لو بقيت لأضرت بالجسم، وهو جهاز دقيق للغاية، فيه من كمال الصنعة والإتقان ما يعجز عنه وصف الإنسان. وقد كان رسول الله ﷺ يقول عقب قضاء الحاجة: "غفرانك" أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب ١٧ج١/٣٠، والترمذي في كتاب الطهارة باب ٥ج١/١٢، وابن ماجة في كتاب الطهارة باب ١٠ج١/١١٠، وأحمد في المسند ٦/١٥٥، والدارمي في كتاب الوضوء ١/١٧٤. وعلل الساعاتي عدة تعليلات لهذا الاستغفار واختار منها: أنه ﷺ استغفر لتقصير في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج، ثم قال: وهو المناسب لما رواه ابن ماجة عن أنس ﵁ قال "كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" ورواه أيضًا النسائي عن أبي ذر، ورمز السيوطي بصحته والله أعلم. (انظر: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/٢٧٠) . ٣ انظر ما سبق ذكره في صفحة ١٤٩- ١٥٠. ٤ في (ت) "يتأمل". ٥ هذه من القضايا البديهية التي يؤمن بها الجميع، وهي فطرية ضرورية في النفوس، ويقول ابن تيمية عن هذا المثال وغيره: بأنه من القضايا المعينة الفطرية الضرورية التي لا تحتاج إلى دليل، ثم يقول: " ولهذا لا تجد أحدًا يشك في أن هذه الكتابة لابد لها من كاتب، وهذا البناء لابد له من بان، بل يعلم هذا ضرورة". (انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ٣/٩٤) . ولقد فصل الأشعري هذه النقطة في "اللمع" في الباب الأول، وهو يتكلم عن وجود الصانع وصفته، ومن قوله: "مما يبين ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلًا مفتولًا، ثم ثوبًا منسوجًا بغير ناسج صانع،،لا مدبر، ومن اتخذ قطنًا ثم انتظر أن يصير غزلًا مفتولًا، ثم ثوبًا منسوجًا بغير صانع ولا ناسج كان عن معقول خارجًا، وفي الجهل والجًا " (انظر: ص١٨) . ويقول ابن الجوزي: " فإن الإنسان لو مر بقاع ليس بنيان ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًا علم أنه لابد له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة القوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع!! " (انظر: تلبيس إبليس ص٤١) . ٦ ساقطة من (ت) .
[ ٨٦ ]
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ١ فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم التي لا يخفى٢ مواقع٣ انتفاعهم بها.
كالليل الذي جعل لسكونهم، ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم، والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك، ولو كان دهرهم كله ليلًا لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم، وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم، وكذلك لو كان دهرهم كله نهارًا لأضر بهم ذلك، ودعاهم ما فيه من الضياء٤ إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك إلا ما لا يطيقونه (فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم) ٥، وجعل لهم من النهار قسطًا لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه، وجعل لهم من الليل قسطًا لسكونهم، لا يقصر على قدر حاجتهم لتعتدل في ذلك أحوالهم، وتكمل مصالحهم، "وجعل لهم"٦ من البرد والحر٧ فيهما مقدار ما لهم ولثمارهم ولمواشيهم من الصلاح رفقًا لهم٨، وجعل
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: آية (١٩٠) . هذه الآية لها شأن عظيم، فهي تلفت النظر إلى بديع صنع الله في خلق السماوات والأرض، وما أودع فيهما من الحكم الجليلة والمنافع العظيمة كما أنها تقرر أن الإيمان يتأكد ويثبت عند ملاحظة آيات الله في الكون، وتتبع العلامات التي بثها الله فيه لتدل عليه وتسوق إلى عبادته وتوحيده. قال ابن كثير: وقد ذم الله ﷾ من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ومدح عباده المؤمنين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (انظر: تفسير ابن كثير ٢/١٦١) . وعن ابن عباس ﵄ قال: "بتُ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية. (انظر: البخاري كتاب التفسير ٦/٥١) . وقال أبو السعود: "والتنكير في "آيات" للتفخيم كمًا وكيفًا، أي الآيات كثيرة عظيمة لا يقادر قدرها، دالة، على تعاجيب شئونه التي من جملتها ما مر من اختصاص الملك العظيم به سبحانه". (انظر: تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ١/٦٢٢ مطبعة السعادة بالقاهرة الناشر مكتبة الرياض الحديثة) . ٢ في (ت) "لا تخفى". ٣ في (ت) "واقع". ٤ في (ت) "من الضياء به". ٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و(ت) "فإذا هم قلة الراحة إلى عطيهم". ٦ ساقطة من (ت) . ٧ في (ت) "الحر والبرد". ٨ هكذا بالأصل، و(ت)، وعند ابن تيمية "بهم".
[ ٨٧ ]
لون ما١ يحيط بهم من السماء ملاومًا لأبصارهم، ولو كان لونها على خلاف ذلك من الألوان لأفسدها٢.
ودلهم على حدثها بما ذكرناه من حركاتها واختلاف هيئاتها٣ كما ذكرنا آنفًا، ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض، وما فيهما من الحكم على٤ عظمتهما وثقل أجرامهما إلى إمساكه ﷿ لهما بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٥.
فعرّفنا تعالى أن وقوعهما٦ لا يصح٧ أن يكون من غيره، وأن وقوفهما لا يجوز أن يكون٨ بغير مُوقف لهما٩.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . ٢ في (ت) "فسدتها". يشير الأشعري بكلامه السابق إلى بعض مظاهر عظمة الله في الكون ومنها الليل الذي تستريح فيه العوالم من كد السعي والتعب، ففيه تأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطيور إلى أوكارها، وتهدأ به نفوس وأجساد البشر كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ . وكما جعل الليل راحة وسكونًا، جعل النهار حركة وانتشارًا لطلب المعاش وقضاء المصالح قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ . ولقد ذكر الله ﷾ عباده بهذه النعم الجليلة مبينًا لهم ما فيها من آثار رحمته وقدرته، ومشيرًا بها إلى وحدانيته وعظمته قائلًا: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة القصص الآية (٧٠- ٧٣) (وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ص٢٢٨) . ويقول أبو الوفاء درويش: "وفي اختلاف الليل والنهار من مظاهر الرحمة ما لا يأتي على بيانه الوصف، وفي اختلاف الليل والنهار وحلول كل منهما محل الآخر، ما يعين الكائنات الحية على أن تراوح بين نومها ويقظتها، وعملها وراحتها، ولو كان الليل سرمدًا، والنهار سرمدًا لقضت برودة الليل الدائم وحرارة النهار الدائم على حياة الأحياء". (انظر: كتابه الأسماء الحسنى ص١٩) . ٣ في (ت) "هيهاتها" وهو تحريف. ٤ في (ت) "مع". ٥ فاطر: آية (٤١) . وفي هذه الآية مظهر من أروع مظاهر العظمة الإلهية، ويشير ابن القيم إلى ذلك بقوله: "ثم تأمل الممسك للسماوات والأرض الحافظ لهما أن تزولا، أو تقعا، أو يتعطل بعض ما فيها، أفترى مَن الممسك لذلك ومَن المقيم بأمره، ومَن المقيم له، فلو تعطلت بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه، وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان" (انظر: مفتاح دار السعادة ص٢٣٣، ٢٣٤) . وعلق أبو الوفاء درويش على هذه الآية بقوله: "انظر إلى هذه الأجرام التي بثها الله في آفاق السماء بنظام وإحكام وجعلها متماسكة أشد التماسك لا يخرج شيء منها عن المدار الذي وضعه الله فيه، إذ لو خرج شيء منها عن مداره لاصطدم بغيره، فحدثت الطامة الكبرى، وهلك العالم وما فيه. قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (انظر: الأسماء الحسنى ص١٨) . ٦ في الأصل "وقوفهما"، وما أثبته من (ت) . ٧ في (ت) "لا يكون". ٨ ساقطة من (ت) . ٩ ساقطة من (ت) .
[ ٨٨ ]
ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع١، وما يدعونه من فعل الأرض، والماء والنار، والهواء في الأشجار، وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله ﷿: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى٢ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ ٣، ثم قال ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤. ثم نبه تعالى خلقه على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا شريك له فيها بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، ووجه الفساد بذلك، لو كان إلهان ما اتسق أمرهما على نظام، ولا يتم على إحكام، وكان لابد٥ أن يلحقهما العجز، أو يلحق أحدهما عند التمانع في الأفعال، والقدرة (على ذلك) ٦ وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرًا على ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من (فعل) ٧ الآخر، أو لا يكون كل واحد منهما قادرًا على ذلك (فإن "كان" كل واحد منها قادرًا على فعل ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من بدل الآخر، أو لا يكون كل واحد منهما
_________________
(١) ١ في (ت) "بالطباع". وملخص قول الفلاسفة في ذلك ما ذكره ابن الجوزي عنهم من أنهم قالوا بأن هذه المخلوقات من فعل الطبيعة، وقالوا: ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه، التي هي الماء والتراب والنار والهواء. (انظر: تلبيس إبليس ص٤٣) . ويحكي ابن تيمية قولهم فيقول: "إنهم يقولون إن الموجب بذاته على حال واحدة من الأزل إلى الأبد، فيمتنع أن يصدر عنه حادث بعد أن لم يكن ذلك الحادث صادرًا منه، وعلى هذا فهم يقولون: بأن كل ما يجدُّ في العالم من حوادث إنما هو من فعل الطبيعة، وقالوا: إن الفلك يتحرك حركة اختيارية بسببها تحدث الحوادث من غير أن يكون قد حدث من جهة الله ما يوجب حركته". ثم يقول: "ففي الحقيقة ليس عندهم الرب لا إلهًا ولا ربًا للعالمين غاية ما يثبتونه أن يكون شرطًا في وجود العالم وأن كمال المخلوق في أن يكون متشبهًا به، وهذا هو الإله عندهم، وذاك هو الربوبية، ولهذا كان قولهم شرًا من قول اليهود والنصارى،.. إلى أن قال: فتبين أن هؤلاء المتفلسفة قدرية في جميع حوادث العالم، وأنهم من أضل بني آدم، ولهذا فهم يضيفون الحوداث إلى الطبائع التي في الأجسام". (انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٧٣- ٧٦) . ٢ في (ت) "تسقى"، وهما قراءتان صحيحتان، قال الطبري: "وقرأ بالتاء عامة قراء أهل المدينة والعراق من أهل الكوفة والبصرة، وبالياء بعض المكيين والكوفيين" (انظر: تفسيره ١٣/١٠١) . ٣ سورة الرعد: آية (٤) . وفيها كما ذكر الأشعري رد بليغ على قول الفلاسفة، ومن سار في ركابهم من أهل الزيغ والضلال، ومنهم طائفة المفوضة من الرافضة التي نفت خلق الله للعالم بكل ما فيه، وقالوا إن الله تعالى خلق محمدًا، ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره، فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب، فهو المدبر الثاني. انظر: في ذلك الفرق بين الفرق ص٢٥١، والتبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين ص٧٥) . ٤ سورة الرعد: آية (٤) . ٥ في (ت) "ولو كان لابد". ٦ ما بين المعقوفتين من (ت)، وفي الأصل "على الله". ٧ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل، و(ت) كلمة "بدل" مكانها، وما أثبته ألصق بالسياق.
[ ٨٩ ]
قادرًا على ذلك) ١، فإن كان واحد منهما قادرًا على فعل ما يقدر عليه الآخر بدلًا منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر إلا بترك الآخر له، وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك، ومن يجوز٢ أن يُمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مدبَّر عاجز، وإن كان كل واحد منهما لا يقدر فعل مثل مقدور الآخر بدلًا منه وجب عجزهما وحدوث قدرتهما، والعاجز لا يكون إلهًا ولا ربًا٣.
_________________
(١) ١ لعل ما بين المعقوفتين كتب خطأ من الناسخ، والكلام مستقيم بدونه، وهو هكذا في (ت) وما بين الحاصرتين المزدوجتين منها، والجملة كلها ليست موجودة في نسخة ابن تيمية. ٢ في (ت) "ومتى يجوز". ٣ في هذه الصفحة وما سبقها يسوق الأشعري الدليل على وحدانية الله ﷾ من خلال الآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، إلا أنه - ﵀ - سلك طريقة المتكلمين في ذلك، وإن كانت طريقة صحيحة مفضية إلى المطلوب إلا أنها ليست المقصودة من الآية، والاستدلال بها في هذا الموطن غير سليم، بل هو مناف للفهم السلفي الدقيق؛ وذلك أن المتكلمين ذهبوا إلى أن الله واحد. بمعنى: عدم مشاركة الغير له في الألوهية، ويقول ابن تيمية: "إن المتقدمين منهم اعتمدوا دليل التمانع، وظنوا أنه هو الدليل المذكور في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ مع أن الأمر ليس كذلك" (انظر: منهاج السنة ٢/٨١) . ويرى "ابن تيمية" أن المقصود من الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ عن عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله تعالى لا يصلح أن يكون معبودًا، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته وهذا هو معنى قول النبي ﷺ أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل ويوضح الدكتور "محمد خليل الهراس" وجهة نظر ابن تيمية فيقول: "فالآية في نظر "ابن تيمية" ليس المقصود منها تقرير توحيد الربوبية وبيان أنه سبحانه الخالق لكل شيء، فإن هذا النوع من التوحيد كان يعرفه المشركون من العرب وغيرهم في نظر "ابن تيمية" ثم يقول: "ولكن المقصود منها هو تقرير التوحيد في الألوهية بمعنى بيان امتناع وجود إله يستحق العبادة مع الله، وهو متضمن أيضًا لتوحيد الربوبية، والحاصل أن ابن تيمية يرى أن برهان التمنانع الذي ذهب إليه نظار المتكلمين كاف في إثبات امتناع صدور العالم عن اثنين الذي هو توحيد الربوبية، ولكنه قاصر عن توحيد الألوهية، والقرآن إنما جاء بتقرير النوعين معًا". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٨٨) . ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن "ابن تيمية" لم يبطل طريقة المتكلمين التي ذكرها الأشعري، وإنما أشار إلى أنها ليست طريقة القرآن وإن كانت طريقة عقلية صحيحة، وطريقته في ذلك هي تقرير توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، ويذكر ابن تيمية أن أعظم دليل جاء في ذلك هو قول الله جل ذكره: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (المؤمنون/ ٩١) فهذه الآية ذكر فيها برهانين يقينين على امتناع أن يكون مع الله إله آخر بقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقد عرف أنه لم يذهب كل إله بما خلق، ولا علا بعضهم على بعض. ويستمر "ابن تيمية" في الكلام على هذه الآية مبينًا أن توحيد الله وعبادته أمر هام جدًا دعا إليه القرآن ووضحه الرسول توضيحًا شافيًا؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وخاصة أن مشركي قريش كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية. (انظر: منهاج السنة ٢/٨٤- ٩٠) . وهذا التحليل الذي عرضه "ابن تيمية" لهذه القضية يدل على أنه - ﵀ - كان صاحب فهم دقيق عميق بكتاب الله جل ذكره. ولقد أشاد بهذا الفهم الدكتور "محمد خليل الهراس" فعقب على كلام ابن تيمية بقوله: "ومن الحق أن نقرر أننا لم نجد من سبق "ابن تيمية" إلى تفسير تلك الآية، وتقرير ما فيها من الأدلة على التوحيد على هذا النحو من البسط والبيان". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٩١)، وانظر: شرح وتعليق "ابن القيم" على هذه الآية في مختصر الصواعق ١/٩٥) . ولقد تعرض الأشعري أيضًا في اللمع لهذه المسألة، واستدل بالآية نفسها، وكلامه هناك يشبه تمامًا ما في رسائل الثغر التي معنا، بل هناك تعبيرات تكاد تكون واحدة، وهذا مما يقطع بثبوت الرسالة له بلا نزاع. (انظر: اللمع ٢٠/٢١) .
[ ٩٠ ]
ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء١ على جواز إعادته تعالى لهم حيث قال لهم: لما استكبروها٢، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ثم أوضح لهم ذلك بقوله ﷿: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٤ فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من (العفار والمرخ)
_________________
(١) ١ في (ت) "بالإبتواء". ٢ هكذا بالأصل، و(ت) وعند ابن تيمية "استكروها". ٣ سورة يس: آية (٧٨، ٧٩) . وهاتان الآيتان من أقوى الأدلة على البعث والدار الآخرة، ويستنبط "ابن تيمية" من هذه الآية قاعدة فيقول: "إن وجود الشيء دليل على ما دونه أولى بالإمكان منه" ويفصل ذلك عند تعرضه لقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس﴾ فيقول: "إنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك، وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله: " وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ". (انظر: الموافقة ١/٢٠) . ولقد ذكر "الشنقيطي" أن براهين البعث بعد الموت في القرآن أربعة: الأول: خلق السماوات والأرض كقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ . الثاني: خلق الإنسان أولًا، كما في الآية التي استدل بها الأشعري. الثالث: إحياء الأرض بعد موتها، كما جاء في قوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ . الرابع: إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ . (انظر: أضواء البيان ٣/٢٠٣، ٢٠٤) . وانظر ما كتبه الدكتور "علي ناصر" حول ذلك في مجلة الجامعة الإسلامية العدد "٥٠، ٥١" ص٧٣- ٧٦ وذلك تحت مقال بعنوان "مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث". ٤ سورة يس: آية (٨٠) . وهذه الآية جاءت دليلًا آخر لتأكيد البعث والجزاء، وقد ذكر الأشعري أنها موضحة للآية السابقة، وذلك أنها تبين أن الذي يخرج من الشجر الأخضر نارًا تحرق لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ومن ذلك بعث الأجساد. (وانظر: تفسير الطبري ٢٣/٣٢، وفي ظلال القرآن لسيد قطب ٥/٢٩٧) . ٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل "القشر والمرخ" وفي (ت) "المعشر والمرخ"، والصواب ما جاء في نسخة ابن تيمية، وفي تفسير القرطبي ما يؤكد صحة هذا التعبير في قوله: "ويعني بالآية: ما في المرخ والعفار، وهي زنادة العرب، ومنه قولهم: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي الأسفل". (انظر: تفسير القرطبي ١٥/٥٩، ٦٠، وابن كثير ٦/٥٨١) . والمرخ: شجر كثير الوري سريعه. (انظر: لسان العرب ٤/٢٢، والقاموس المحيط ١/٢٦٩، ومحاسن التأويل للقاسمي ١٤/٥٠٢١) .
[ ٩١ ]
وهما شجرتان (خضراوان) ١ إذا حكت٢ إحداهما الأخرى بتحريك الريح لهما اشتعل النار فيهما - على جواز إعادته المياه في العظام النخرة والجلود المتمزقة.
ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها٣ مع نحتها بقوله ﷿: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ ٤ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥ فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها بأنها إذا كانت لا تصير أصنامًا إلا بنحتكم لها، فأنتم أيضًا أولى أن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات (التي لم تكن) ٦ إلا بفعلي، وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه (خالق) ٧ لنحتكم إذ٨ كنت٩ أنا المقدر لكم عليه١٠ والممكن لكم١١ منه١٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و(ت) "خضراوتان". ٢ في الأصل: "حلت"، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٣ في (ت) "عبادتهم". ٤ سورة الصافات: آية (٩٥) . ٥ سورة الصافات: آية (٩٦) . ٦ ما بين المعقوفتين غير موجود بالأصل، و(ت) والسياق يقتضيه. ٧ في الأصل "خالقًا" وفي (ت) "خلقًا" وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب. ٨ في (ت) "إذًا". ٩ ساقطة من (ت) . ١٠ في الأصل كلمة "عليه" مكررة. ١١ في (ت) "لهم". ١٢ مراد الأشعري بكلامه هذا إبطال الآلهة المزيفة التي عبدها المشركون من دون الله تعالى، وإبطال قول القدرية في أن العبد يخلق فعل نفسه، ولقد استدل على ذلك بالآيات التي ذكرها، وقد اختلف العلماء في إعراب "ما" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقد ساق "ابن حجر" في الفتح معظم الأقوال في ذلك، ورجح أنها مصدرية ليقرر أن الله خالق لأفعال العباد. وذهب البعض إلى ترجيح كونها موصولة لمناسبة السياق. قال أبو حيان: "الظاهر أن "ما" موصولة بمعنى الذي معطوفة على الضمير في "خلقكم"، أي: أنشأ ذواتكم وذوات ما تعملون من الأصنام والعمل هو التصوير والتشكيل، كما يقال: عمل الصانع الخلخال، ويحمل ذلك على أن "ما" بمعنى "الذي" ليتم الاحتجاج بأن كلا من الصنم وعابده هو مخلوق لله تعالى". (انظر: البحر المحيط ٧/٩٦٧) . وذهب "ابن تيمية" إلى ذلك وأشار إلى هذا المعنى فقال: "فإنه في أصح القولين "ما" بمعنى "الذي"، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، ومنه حديث حذيفة عن النبي ﷺ: "إن الله خالق كل صانع وصنعته". ولكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آجر - فيقال: إذا كان خالقًا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها، فإنها إنما صارت أوثانًا بذلك التأليف، وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم، وإذا كان خالقًا للتأليف كان خالقًا لأفعالهم" (انظر: مجموع الفتاوى ٨/١٢١، وانظر كتاب إيثار الحق على الخلق ص٣٤٩- ٣٥٧) .
[ ٩٢ ]
ثم رد على المنكرين لرسوله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ﴾ ١ وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢.
ثم احتج النبي ﷺ على أهل الكتاب بما في كتبهم من ذكر صفته، والدلالة على اسمه ونعته٣، وتحدى النصارى لما كتموا ما في كتبهم٤ من ذلك وجحدوه بالمباهلة عند أمر الله ﷿ له بذلك بقوله تعالى٥: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: آية (٩١) . ولقد ساق ابن جرير في تفسيره روايات عديدة تفيد أنها نزلت في اليهود، وروايات تفيد أنها نزلت في المشركين، وهو الراجح لمناسبة السياق، لذلك عقب ابن جرير على الروايات بقوله: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عني بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مشركو قريش". (انظر: جامع البيان ١١/٥٢٤) . والآية توبيخ شديد للكافرين بنعم الله على عباده، المنكرين لنزول الوحي من عنده، كما أنها تلزمهم الإيمان بالقرآن، والإقرار بأنه وحي من عند الله، كما آمنوا بالتوراة، وقد أشار أبو السعود في تفسيره إلى ذلك فقال: "وليس المراد بهذا مجرد إلزامهم الاعتراف بإنزال التوراة فقط، بل بإنزال القرآن أيضًا، فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعًا لما فيها من الشواهد الناطفة به". (انظر: تفسيره ٢/٢٤٩) . ٢ سورة النساء: آية (١٦٥) . وهذه الآية حجة من الله على عباده قطع بها عذر من صد عن سبيله وعبد الأنداد من دونه، لأن الله أرسل الرسل مبشرين بثوابه لمن أطاعهم ومنذرين بعقابه لمن خالفهم. قال ابن جرير فيها: " فقطع حجة كل مبطل ألحد في توحيده وخالف أمره، بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذارًا منه بذلك إليهم لتكون لله الحجة البالغة عليهم، وعلى جميع خلقه". (انظر: تفسيره ٩/٤٠٨) . ٣ أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال في التوراة: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين. أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق" الحديث (البخاري كتاب ٦٥ باب ٣ ج٦/٤٤، ومسند أحمد ٢/١٧٤، وسنن الدارمي ١/٤) . كما أن عيسى ﵇ بشَّر النصارى بمحمد ﷺ وجاء ذلك صريحًا في القرآن. (انظر سورة الصف: آية ٦) . ٤ في (ت) "كتبهم". ٥ في (ت) "﷿". ٦ سورة آل عمران: آية (٦١) . وهي تسمى آية المباهلة، وعن حذيفة ﵁ قال: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله إن كان نبيًا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا..". (انظر: البخاري كتاب المغازي ٥/١٢٠، والمسند ١/٤١٤، والترمذي كتاب المناقب باب ٣٢ ج٥/٦٦٧) . وقد ذكر ابن هشام قصتهم كاملة في سيرته. (انظر: ١/٥٧٣- ٥٧٥ من الطبعة الثانية - طبع شركة الحلبي بالقاهرة) .
[ ٩٣ ]
وقال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، فلم (يجسر) ٢ أحد٣ منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه، وتناهيهم في عداوته واجتهادهم في التنفير٤ عنه، لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك.
فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أنه فيه (توهين) ٥ أمره، ثم إن الله ﷿ بعد إقامة٦ الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة، وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث إليهم لما قالوا إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة مثله وقد خاطبهم فيه بلغتهم فعجزوا عن ذلك مع إخباره له٧ أنهم لا يأتون بمثله ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن٨.
وقطع ﵇ عذرهم به وعذر غيرهم، كما قطع موسى ﵇ عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصى التي فضحت سحرهم، وبان بما كان منها لهم
_________________
(١) ١ سورة الجمعة: آية (٦) . وهذه مباهلة خاصة باليهود، وقد ربط ابن كثير بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة البقرة من مباهلتهم أيضًا في آية (٩٤، ٩٥)، وعلق بقوله: "فهم عليهم لعائن الله، لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى. دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون" (انظر: تفسيره ١/١٨٣) . وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ عنقه قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا". أخرجه أحمد في المسند ١/٢٤٨، وأخرج البخاري ما يتعلق بأبي جهل في كتاب التفسير عند تفسيره سورة العلق ٦/٢٨٩، وكذلك الترمذي ٥/٢٤٤، وانظر: مجمع الزوائد ٨/٢٢٨. وذهب ابن حجر في الفتح إلى أن تحدي الله لليهود في القرآن من أظهر معجزات القرآن فقال: "ومن أظهر معجزات القرآن إبقاؤه مع استمرار الإعجاز، وأشهر من ذلك تحديه اليهود أن يتمنوا الموت، فلم يقع ممن سلف منهم، ولا خلف من تصدى لذلك، ولا أقدم مع شدة عداوتهم لهذا الدين، وحرصهم على إفساده، والصد عنه فكان في ذلك أوضح معجزة". (انظر: فتح الباري ٦/٥٨٢) . ٢ ما بين المعقوفتين من (ت) ونسخة ابن تيمية وفي الأصل: "فلم يجيبوه". ٣ في (ت) "أحدًا". ٤ في الأصل: "التغير" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل و(ت) "توهن". ٦ في (ت) "إقامته". ٧ في (ت) "لهم". ٨ يشير الأشعري هنا إلى ما جاء في القرآن من تحدي الله للكفرة والمشركين أن يأتوا بمثل القرآن، ولقد كرر الله عليهم هذا التحدي ليظهر عجزهم ويفضح أمرهم، فدعاهم أولًا أن يأتوا بمثله كما في سورة الإسراء آية: (٨٨)، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله كما في سورة هود آية: (١٢)، ثم بسورة واحدة مثله كما في سورة يونس آية: (٣٨)، ثم بسورة واحدة من مثله كما في سورة البقرة آية: (٢٣) . وفي كل مرة يفسح لهم المجال ويبيح لهم الاستعانة بمن رغبوا دون قيد أو شرط. ويلفت الدكتور "عبد الله دراز" النظر إلى أسلوب هذا التحدي فيقول وهو بصدد الكلام عن التحدي الوارد في سورة البقرة: "انظر كيف تنزل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثلة إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلًا على التقريب لا على التحديد، وهذا أقصى ما يمكن من التنزل". (انظر كتابه: النبأ العظيم ص٨٤) . والواقع أن القرآن الكريم في قمة المعجزات على الإطلاق بلغ ذروة الإعجاز في نظمه وأسلوبه، وفصاحته وبلاغته، وتأثيره في المؤمنين وحتى الكافرين دليل على ذلك، ويكفي أن رؤساء الكفر والضلال خافوا على أنفسهم من سماعه وحذر بعضهم بعضًا منه، وفي ذلك يقول الله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ سورة فصلت: آية (٢٦) . ولقد ذكر الباقلاني بعض وجوه الإعجاز في القرآن في كتابه الإنصاف (انظر: ص٦٢، ٦٣) . كما عقد "القاضي عياض" في كتابه "الشفا" فصلًا ذكر فيه وجوه الإعجاز في القرآن. (انظر: كتابه ١/٢٥٨) .
[ ٩٤ ]
ولغيرهم أن ذلك من فعل الله وأن ليس يبلغه قدرهم، ولا يطمع فيه خواطرهم١.
وكما قطع عيسى ﵇ عذر من كان في زمانه من الأطباء الذين قد برعوا في معرفة العقاقير، وقوامًا٢ في الحشائش، وقدر ينتهي إليه علاجهم "وتبلغه حيلهم"٣، بإحياء الموتى بغير علاج، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك مما قهرهم به، وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير٤ الفكر أنه خارج عن قدرهم٥ وما يصلون إليه بحيلهم٦.
_________________
(١) ١ أيد الله ﷾ نبيه موسى ﵇ بتسع آيات كما ذكر في كتابه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ ﴾ . سورة الإسراء: آية (١٠١، ١٠٢) . قال ابن عباس: الآيات التسع هي: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. (انظر: تفسير الطبري ١٥/١٧١ من الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ طبع شركة الحلبي بالقاهرة) . وكان على رأس هذه المعجزات العصا التي أعجزت فرعون الطاغية وحاشيته، ولما رأى السحرة أمرها أيقنوا أن الحق مع صاحبها، وأنه مؤيد من الله الذي يدعو إليه، فخروا له ساجدين، وفي ذلك يقول الله في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ . سورة الأعراف: آية (١١٧- ١٢٢) . ٢ في (ت) "وحوامًا" وفي نسخة ابن تيمية "وقوى ما في الحشائش". ٣ ما بين القوسين سقط من (ت) وفي الأصل: "وتبلغوه حيلهم" وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٤ في الأصل "بتيسير" والتصحيح من (ت) . ٥ في الأصل "قهرهم"، وما أثبته من (ت) . ٦ أرسل الله عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل، وأيده الله ﷾ بمعجزات خارقة جمعها القرآن الكريم في خمسة أشياء وهي: أ - خلق الطين طيرًا بإذن الله. ب- إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله. جـ - إحياء الموتى بإذن الله. د - إنزال المائدة له من عند الله. هـ - الإنباء بأمور غائبة عن حسه. ويرى الأشعري أن هذه المعجزات جاءت موافقة لما كان عليه أهل عصره وزمانه. وابن كثير يوافق الأشعري فيما ذهب إليه، ويعرض هذا الأمر بتفصيل فيقول: "كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرة أذكياء ، وهكذا عيسى بن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". (انظر: البداية والنهاية ٢/٨٤) . ويعرض الدكتور محمد أبو زهرة لرأي ابن كثير، ويرد عليه، ويرى أن معجزة عيسى ﵇ لم تكن على هذا النحو ولكن من بعث فيهم أطباء بل لأنه قد ساد إنكار الروح في أقوال بعضهم وأفعال جميعهم، فجاء ﵇ يعلن عن عالم الروح، ويتمثل ذلك في نفخه للطين المصور على شكل طير فيكون طيرًا بإذن الله". (انظر: كتابه محاضرات في النصرانية ص٢٢) . وأنا أرى أنه لا معارضة بين القولين، لأننا إذا تأملنا معجزات عيسى ﵇ سنجد أنها جمعت الأمرين معًا، فهي أقهرتهم وأقامت الحجة عليهم لما عجزوا عن معارضتها وهي من جنس ما يفعلون، وهي في نفس الوقت دالة على وجود الروح وأهميتها، ومبينة لمنزلتها ومكانتها. والله أعلم.
[ ٩٥ ]
وكذلك أزاح نبيّنا ﵇ بالقرآن وما فيه من العجائب علل الفصحاء من أهله، وقطع به عذرهم لمعرفتهم١ أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم، وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق الذي ذكرنا فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيانه، ودل على صحة ما دعاهم٢ إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه (ولا احتيج) ٣ مع ما كان منه ﵇ في ذلك إلى زيادة من غيره، ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن ﵇ حجة على جماعتهم، ولا كانت طاعته لازمة لهم، مع خصامهم وشدة عنادهم٤ قد٥ احتجوا عليه بذلك، ودفعوه عما يوجب طاعتهم له وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول تحديه لهم وكثرة تبكيتهم، وطول مقامه فيهم، ولكنهم لم يجدوا سبيلًا مع حرصهم عليه٦، وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا٧ إليه في
_________________
(١) ١ في (ت) "لمعرفته". ٢ في (ت) "ما دعهم". ٣ في الأصل، و(ت) "احتج"، وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٤ في (ت) "غيارتهم". ٥ هكذا بالأصل، و(ت)، وفي نسخة ابن تيمية "ولكانوا قد احتجوا". ٦ يشير الأشعري بكلامه السابق إلى أن الله أيد الرسول ﷺ بمعجزة القرآن، وهو غاية في الوضوح والبيان، والفصاحة والإحكام حتى أعجز الجميع عن معارضته، أو الانتقاص من قيمته وشأنه وبذلك أقام الله الحجة عليهم، وقطع به عذرهم. ٧ في (ت) "مذهبنا".
[ ٩٦ ]
دعوته ﵇ إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه الطرق إليها١.
وقد أكد الله تعالى دلالة نبوته بما كان من٢ خاص آياته ﵇ التي نقض٣ بها عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير٤، وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير، وهو ينبع من بين أصابعه حتى رووا ورويت مواشيهم٥،
_________________
(١) ١ أشرت سابقًا إلى أن الله قطع عذر الكافرين ببيان القرآن ووضوحه، وهنا ينص الأشعري على أن الله جعل توحيده وعبادته في المقام الأول من ذلك. ولقد تعرض ابن القيم لهذه المسألة، وذكر أن حجج الله ﷾ جمعت بين كونها عقلية، سمعية. ظاهرة واضحة، قليلة المقدمات وذلك مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسد بها عليهم أبلغ سد وأحكمه". (انظر: مختصر الصواعق المرسلة ١/٩٤) . ٢ ساقطة من (ت) . ٣ في (ت) "تنقضي". ٤ تكلم الأشعري فيما مضى عن القرآن الكريم، وهو المعجزة المعنوية الكبرى لرسول الله ﷺ ثم أتبع بذكر بعض المعجزات الحسية، وهي كثيرة جدًا، وبعضها تكرر مرارًا كتكثير الطعام وفوران الماء وهي ثابتة ثبوتًا قطعيًا عند أهل العلم بالسنن والآثار. قال البيهقي: "ودلائل النبوة كثيرة، والأخبار بظهور المعجزات ناطقة، وهي وإن كانت في آحاد أعيانها غير متواترة، ففي جنسها متواترة متظاهرة من طريق المعنى، لأن كل شيء منها مشاكل لصاحبه في أنه أمر مزعج للخواطر ناقض العادات، وهذا أحد وجوه التواتر التي يثبت بها الحجة ويقطع بها العذر". (انظر: الاعتقاد ص١٢٧) . وقال ابن حجر: " وأما ما عدا القرآن من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير". (انظر: فتح الباري ٦/٥٨٢) . وأما إطعام الجماعة الكثيرة من الطعام اليسير فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، وكذلك مسلم وغيرهما، ومن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي ﷺ دعا أهل الخندق قائلًا: "إن جابرًا قد صنع لكم سؤرًا فحي هلا بكم، ثم قال لجابر: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء، فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك، وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادعي خابزة لتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله، لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا لتخبز كما هو". (انظر: البخاري كتاب المغازي باب ٢٩ج٥١/٤٦، ٤٧، ومسلم كتاب الأشربة باب ١٩ج٣/١٦١١، ودلائل النبوة للأصبهاني ص٣٥٣. ٥ أخرج البخاري في كتاب المناقب باب ٢٥ عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم يجده، فأوتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم". (انظر: ٤/١٧٠)، والحديث هكذا في مسلم كتاب الفضائل باب ٣ ج٤/ ١٧٨٣. وأخرجه البخاري أيضًا من حديث جابر وفيه يقول: " فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة". (انظر كتاب المغازي باب ج٥/٦٣) . وقد عقد الأصبهاني في الدلائل مقارنة بين نبوع الماء من بين أصابعه ﷺ وبين حجر موسى ﵇ وبين أن معجزة النبي ﷺ أعظم وأبلغ. (انظر دلائل النبوة ص ٣٤٥) . وقد ذكر الأشعري أن المواشي قد رويت من هذا الماء، ولم أقف على نص في ذلك، ولكن الماء إذا توافر وكان كثيرًا استفاد منه من يحتاج إليه انسانًا كان أو حيوانًا وهذا واضح بحمد الله.
[ ٩٧ ]
وكلام الذئب١، وإخبار الذراع المشوية أنها مسمومة٢، وانشقاق القمر٣، ومجيء الشجرة
إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها٤، وإخباره لهم عليه
_________________
(١) ١ أخرج أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، فقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك. محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: أخبرهم فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: صدق الحديث". (انظر المسند ٢/٣٠٦، ورواه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري انظر: ٣/٨٣، ٨٤) . وقال الهيثمي بعد رواية أبي سعيد الخدري: "رواه أحمد والبزار بنحوه باختصار، ورجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح، وقال بعد رواية أبي هريرة التي ذكرناها: هو في الصحيح باختصار، ورواه أحمد ورجاله ثقات". انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٨/٢٩١، ٢٩٢) . كما أخرج القصة ابن كثير تحت عنوان "قصة الذئب وشهادته بالرسالة" ثم قال بعد سردها، وهذا إسناد على شرط الصحيح، وقد صححه البيهقي. (انظر: البداية والنهاية ٦/١٤٣) . ٢ بوب البخاري في الصحيح لذلك بقوله: "باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ بخيبر، وروى عن أبي هريرة أنه قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم" (انظر كتاب المغازي باب ٤١ ج٥/٨٤) . وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس - ﵄ - أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة فأرسل إليها فقال ما حملك على ما صنعت؟ قالت: أحببت أو أردت إن كنت نبيًا فإن الله سيطلعك عليه الحديث" قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة" (انظر: مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، والفتح الرباني للساعاتي ٢١/١٢٤) . وقد أخرج ابن هشام القصة كاملة في سيرته، وذكر أن رسول الله ﷺ قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. (انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٣٨) . ٣ أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين، فقال النبي ﷺ: اشهدوا" (انظر كتاب المناقب باب ٢٦ ج٤/١٨٦، وأخرجه مسلم في كتاب المنافقين باب ٤٣ ج٤/٥٠، وأحمد في مسنده ١/٣٧٧، وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٢/٤٠، ودلائل النبوة للأصبهاني ص٢٣٣- ٢٣٦) . ٤ عن ابن عمر - ﵄ - قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له النبي ﷺ أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك في خير؟ قال: وما هو؟ قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، قال: من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدًا، حتى جاءت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها". (رواه الطبراني في الكبير ١٢/٤٣٢) . وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح" (انظر: مجمع الزوائد ج٨/٢٩٢) . وقد ذكر أحمد في مسنده مجيء الشجرة لاستتار النبي ﷺ في قضاء الحاجة. (انظر: المسند ٤/١٧٢) .
[ ٩٨ ]
السلام بما تجنه١ صدورهم، وما يغيبون٢ به عنه من أخبارهم٣، ثم دعاهم ﵇ إلى معرفة الله ﷿ وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٤، وعرفهم أمر الله تعالى بإبلاغه ذلك، وما ضمنه٥ له من عصمته منهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٦ فعصمه٧ الله منهم مع كثرتهم وشدة
_________________
(١) ١ جن الشيء يجنه جنًا ستره، وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك، وبه يسمى الجن جنًا لاستتارهم واختفائهم. (انظر: لسان العرب ١٦/٢٤٤) . ٢ في الأصل و(ت) "يعينون" وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب. ٣ كان الوحي ينزل على النبي ﷺ فيخبره عما يغيب عنه من أخبار المنافقين، وقد دل على ذلك ما جاء في سورة التوبة. (انظر: تفسير الطبري ١٠/١٧٣)، كما ثبت في الصحيح والسير قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، وأن النبي ﷺ أخبر عنه، وكذلك أخبر عن موت زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ونعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. (انظر: الاعتقاد للبيهقي ص١٥١) . وينبغي أن يعلم أن رسول الله ﷺ لا يعلم الغيب من عند نفسه، بل علمه به من قبل ربه، وفيما هو مصلحة للدعوة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ الجن آية: (٢٦- ٢٨) . ٤ الآية من سورة النساء، وتمامها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ آية: (٥٩) . ويتبين من هذه الآية ونظائرها أن الله أوجب في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ وهذا يجب التنبيه إليه، حيث إن كثيرًا من المسلمين أهملوا هذا الجانب، فتركوا السنة، أو ابتعدوا عنها قليلًا أو كثيرًا، بحجة أن الله لم يفرض علينا سوى القرآن، والواقع يخالف ذلك، فالذي فرض القرآن هو الذي أوجب علينا اتباع سنة خير الأنام ﷺ، ولقد قال الشافعي - ﵀ - في الرسالة: "وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علمًا لدينه بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به". (انظر: الرسالة ص٧٣ من الطبعة الأولى ١٣٥٨هـ) . وقال الشوكاني عقب ذكره للآيات الآمرة باتباع النبي ﷺ: "ويستفاد من جميع ما ذكره أن ما أمره به رسول الله ﷺ ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجبًا بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول الله في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمرًا من الله". (انظر: شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص١١) . ٥ في الأصل، و(ت) "لهم". وأثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب. ٦ المائدة آية: (٦٧) . وهذه الآية تفيد إفادة قطعية أن النبي ﷺ بلغ الإبلاغ المبين، وجاهد في سبيل ذلك حتى أتاه اليقين. وقد أخرج البخاري في تفسيره لهذه الآية قول عائشة - ﵂ - "من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (انظر: تفسير المائدة ٥/١٨٨، وسورة النجم ٦/٢٥٠، وكتاب التوحيد باب ٤٦ ج٨/٢١٠، ومسلم كتاب الإيمان باب ٧٧ج١/١٥٩، والترمذي كتاب التفسير باب ٧ ج٥/٢٦٢) . وفي هذه الآية أيضًا رد على الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة الذين يقولون بالظاهر والباطن. ولقد تعرض لهم رشيد رضا في تفسيره للآية فقال: " فأما الباطنية فأئمتهم في مذاهبهم زنادقة..، وأما المتصوفة فقد راج على بعضهم بعض الشبهات والتأويلات لضعفهم في علم الكتاب والسنة، ثم قال: والحق الذي لا مرية فيه أن الرسول ﷺ بلغ جميع ما أنزل إليه من القرآن وبينه، ولم يخص أحدًا بشيء من علم الدين، وأنه لا يمتاز أحد في علم الدين على أحد إلا بفهم القرآن" (انظر تفسيره: ٦/٤٦٣- ٤٧٤) . ٧ في الأصل: "فعصمة" بالتاء، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
[ ٩٩ ]
بأسهم، وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه تعالى إليهم مع (كثرتهم) ١، ووحدته٢ وتبري أهله منه، ومعاداة عشيرته، وقصد جميع المخالفين له حين سفه آراءهم فيما كانوا عليه من تعظيم أصنامهم، وعبادة النيران وتعظيم الكواكب٣ وإنكار الربوبية٤ وغير ذلك مما كانوا عليه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم عنه مما كانوا عليه، ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وتبيانه (لهم) ٥.
وأنه ﵇ لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفه لهم، وإنما جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما (أجمله) ٦ الله من الأحكام قبل بروز فعله لهم، فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عند كافتهم٧.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وأثبته من (ت)، ونسخة ابن تيمية. ٢ هكذا بالأصل ونسخة ابن تيمية وفي (ت) "وحدته". ٣ وقد وقع هذا من المجوس، وقد سبق التعريف بهم. (انظر ص١٤٢، والملل والنحل ٢/٧٠- ٩٣ عل هامش الفصل لابن حزم. ٤ وقد وقع هذا من الدهريين. (انظر ما تقدم ذكره عنهم ص١٤١)، أما مشركو العرب فكانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية مع إشراكهم بالله في توحيد الألوهية ولم ينفعهم إيمانهم بالربوبية وحده، بل ضرب الرسول ﷺ رقابهم في بدر لكونهم أشركوا بالله في الألوهية. ٥ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) . سبق أن أشرت إلى تعريف الطوائف التي ذكرها الأشعري، وأخبر أن النبي ﷺ دعاها إلى الله ﷿ وإلى عبادته وحده لا شريك له، وهنا ينص على أن النبي ﷺ لم يدخر وسعًا في تبليغ رسالة الله إلى هذه الطوائف كلها رغم العوائق الكثيرة في طريقه، ولم يداهن أحدًاً من قومه رغم وقوفهم جميعًا ضده، بل دعا إلى الله على بينة وبصيرة من ربه. وتتجلى قدرة الله وعظمته هنا، بأن حفظ نبيه ومصطفاه منهم، حتى بلغ رسالة ربه كاملة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. ٦ في (ت) "حمله" وفي الأصل "جملة" وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٧ يذكر الأشعري هنا قاعدة اتفق عليها أهل الأصول، وهي أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال الفراء البغدادي: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء، فلم يكن بد من البيان". (انظر: كتابه العدة في أصول الفقه ٣/٧٢٤، وانظر كذلك شرح الكوكب المنير ص٣٢١) . وأما تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل بروز فعله، فقد قال به جمهور الأصوليين، ونص عليه أحمد بن عبد العزيز الفتوحي في شرح الكوكب المنير، وخلاصة ما ذكر: أنه يجوز تأخير البيان وتأخير تبليغ النبي ﷺ الحكم إلى وقت الحاجة، وقال: "حكاه ابن عقيل عن جمهور الفقهاء، وذكره المجد عن أكثر أصحابنا فهو جائز وواقع مطلقًا" (انظر: شرح الكوكب المنير ص٢٣١- ٢٣٢) . وقال القرافي: "من جوز تكليف ما لا يطاق، جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز عندنا". (انظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص٢٨٢) . وبهذا يظهر أن كلام الأشعري أعلاه يوافق موافقة تامة ما قاله علماء الأصول ومراده منه واضح.
[ ١٠٠ ]
ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي ﷺ إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه١ الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه٢ وصفات فعله٣، وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح٤ أن يؤخر عنهم البيان فيه٥؛ لأنه ﵇ لم يجعل (لهم) ٦ فيما كلفهم من (ذلك) ٧ من مهلة، ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه، وإنما أمرهم بفعل (ذلك) ٨ على الفور، وإذا٩ كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله، وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه، وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته١٠.
وهذا (المعنى) ١١ لم تجد عن أحد من صحابته خلافًا١٢ في شيء مما وقف ﵇ جماعتهم (عليه) ١٣، ولا شك في شيء منه، ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك، ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج، بل نصوا جميعًا (رحمة الله عليهم) ١٤
_________________
(١) ١ في الأصل: "أسماء" وما أثبته من (ت) . ٢ الأولى أن يقول: "من صفات ذاته"، لأنها تقابل صفات فعله. ٣ ينص الأشعري هنا على أن توحيد الله وإفراده بالعبادة، ومعرفة أسماء الله وصفاته من أهم الأمور التي دعا إليها الإسلام، بل هي لب دعوة النبي ﷺ ولذلك لم يؤخر بيانها ولم يفتر عن دعوة الناس إليها. ويفهم من ذلك أنه ينبغي على كل مسلم أن يوحد الله ويؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق به سبحانه، وأن ذلك من أصول الدين، ومن أشرف العلوم. ٤ في الأصل و(ت) "يصح" بدون "لا" وأثبتها ليستقيم المعنى، وهي كما أثبتها في نسخة ابن تيمية. ٥ في (ت) "البيان فيهم فيه". ٦ ساقطة من الأصل، وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٧ في الأصل: "الله" مكان "ذلك" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٨ في الأصل: "الله" مكان "ذلك" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٩ هكذا بالأصل و(ت) وفي نسخة ابن تيمية "وإنما كان". ١٠ سبق أن نص الأشعري على أن النبي ﷺ لم يؤخر البيان عن أمته فيما تدعو الحاجة إليه. ويقيم هنا حجة على ذلك ملخصها: أن النبي ﷺ طلب من أمته تحقيق ما يأمرهم به على الفور، ويتطلب ذلك حصول البيان منه على الفور أيضًا، حتى يتم تنفيذ ما طلب، ولو طلب منهم ما لم يبينه لهم لعد ذلك من باب المستحيلات ولكان ضربًا من العبث المنزه عنه ﷺ. ١١ ساقط من الأصل، وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية. ١٢ في الأصل، و(ع): "خلاف"، والصواب ما أثبته. ١٣ ليست في الأصل، (ت) والسياق يقتضيها. ١٤ ما بين القوسين ساقط من (ت) .
[ ١٠١ ]
على ذلك، وهم متفقون لا يختلفون في حدوثهم١ ولا في٢ توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته، وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها بأقسامه٣، لما قد ثلجت به صدورهم، وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم ﵇ (عليها) ٤ عند دعائه لهم إليها. وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به، وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه٥ من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم، وحدوثها٦ فيهم، وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها، ونبههم بالإشارة على ما فيها، فكان منهم - رحمة الله عليهم - في ذلك ما نقل إلينا من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها، والطرق التي اختلفوا فيها٧.
ولم يقلد بعضهم بعضًا فيما صاروا إليه من جميع ذلك، لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به٨.
_________________
(١) ١ في الأصل، و(ع): "حدثهم" ولعل الصواب ما أثبته. ٢ ساقطة من (ت) . ٣ هذا أمر مقطوع به عن الصحابة - ﵃ - والأقوال عنهم في ذلك ثابتة ومتوافرة، وقد جمع بعضها ابن أبي عاصم في كتابه السنة، والبخاري في الصحيح، والذهبي في كتابه العلو، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، وسيأتي ذكر ما أجمع عليه السلف في أصول الدين فيما بعد إن شاء الله تعالى. ٤ في الأصل، و(ت): "عليه"، وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٥ في (ت): "كلفوا". ٦ في الأصل: "وحدثوها"، والتصحيح من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٧ الاجتهاد: عبارة عن بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال. (انظر: المستصفى للغزالي ٢/٣٥٢) . ويعرفه الدكتور محمد مدكور بقوله: "هو بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بالنظر المؤدي إليها". (انظر: كتابه أصول الفقه الإسلامي ص٣٤٣) . أما مجال الاجتهاد فهو في الأحكام الشرعية التي لم يرد بشأنها نص قطعي أو إجماع، فالعقائد وغيرها من الأحكام المنصوص عليها لا مجال فيها لرأي أو اجتهاد، فإن الحق فيها واحد، والمصيب واحد، والمخطئ آثم معاقب. وهذا معنى كلام الأشعري أعلاه، بل إنه ينص على أنه ينبغي على المجتهد أن يرد الأحكام الجديدة التي تنزل به إلى أصولها في الشريعة الإسلامية، ولا يحكم عليها برأيه، أو هواه، وهذا ما قرره علماء الأصول. ويقول الدكتور محمد مدكور: "ينبغي للمجتهد أن ينظر أولًا في النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يجد في نصوصهما حكم مسألته، أخذ بالظواهر منهما، وما يستفاد من منطوقهما ومفهومهما، فإن لم يجد نظر في أفعال النبي ﷺ وتقريراته لبعض أفراد أمته، ثم في الإجماع، ثم في القياس على ما يقتضيه اجتهاده من العمل بمسالك العلة ملاحظًا القواعد الكلية. والاجتهاد بالرأي لا يكون صحيحًا إلا إذا كان منضبطًا بعدم مخالفته للنص". (المرجع السابق ص٣٤٨) . ٨ التقليد: هو أخذ قول الغير بغير حجة شرعية كأخذ العامي عن عامي مثله وأخذ المجتهد عن مجتهد مثله دون نظر في الدليل، وهذا هو الذي لم يقع في الصحابة كما ذكر الأشعري، فلم يقلد بعضهم بعضًا في مسائل الاجتهاد، بخلاف العامة فإنهم يقلدون المجتهدين، وقد ذكر القرافي أن مذهب مالك وجمهور العلماء إبطال التقليد، واستثنى مالك من ذلك مسائل منها: تقليد العوام المجتهدين في الأحكام. (انظر: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص ٤٣٠) . وقال ابن تيمية: " وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور". (انظر: مجموع الفتاوى ١٩/٢٦٢) . ويفهم مما ذكر أن أخذ قول الغير بدليل شرعي ليس من باب التقليد ولذلك قال صاحب فواتح الرحموت بعد تعريفه للتقليد: " فالرجوع إلى النبي﵊ - أو إلى الإجماع ليس منه، فإنه رجوع إلى الدليل، وكذا رجوع العامي إلى المفتي، والقاضي إلى العدول ليس هذا الرجوع نفسه تقليدًا". (انظر: فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثبوت في أصول الفقه بذيل المستصفى ٢/٤٠٠) . وأحب أن أؤكد على أنه لا يجوز للعامي أن يتخذ آراء الرجال دينًا ومذهبًا، ولكن يجب عليه إذا نزلت به النازلة أن يذهب إلى عالم بالكتاب والسنة فيسأله عن حكم الله تعالى ورسوله في هذه النازلة. ولقد فصل القول في هذه المسألة الفلاتي (ت/ ١٢١٨هـ) في كتابه إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار.
[ ١٠٢ ]
فأما ما دعاهم إليه ﵇ من معرفة حدثهم، والمعرفة١ بمحدثهم، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته، فقد بين٢ لهم وجوه الأدلة في جميعه، حتى ثلجت صدورهم به، وامتنعوا عن٣ استئناف الأدلة فيه، وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك، واتفقوا عليه إلى من بعدهم، فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك (مقطوعًا) ٤ بما نبههم النبي ﷺ من الدلالة٥ على ذلك، وما شاهدوه من آيات الدلالة٦ على صدقه٧.
وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم٨، ونقل أهل كل زمان حجة
_________________
(١) ١ في (ت) "ومعرفة". ٢ في (ت) "تبين". ٣ في (ت) "على". ٤ في الأصل و(ت): "مقطوع" وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٥ في (ت) "الأدلة". ٦ في (ت) ونسخة ابن تيمية: "من آياته الدالة". ٧ ينص الأشعري هنا على أن الرسول ﷺ أوضح الطريق إلى الله غاية الوضوح، وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي أساس الدين، وتلقى ذلك منه الصحابة وأجمعوا عليه فصار عذر من جاء بعدهم مقطوع بتبليغ ذلك إليهم. يقول ابن تيمية في ذلك: " أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب". (انظر: الموافقة ١/١٦) . ويقول ابن القيم: " والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله فيما أراد تقريرهم به، وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولًا وأقلها تكلفًا، وأعظمها غنى ونفعًا". (انظر: مختصر الصواعق ١/٩٣) . ويتضح لنا من ذلك، أنه لا يجوز لأحد أن يزيد أو ينقص في مسائل الاعتقاد المنصوص على جميعها في القرآن والسنة، بل يسعنا في ذلك ما وسع سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويقين. ٨ ينص الأشعري هنا على أن الحجة قد قامت على العباد بنقل الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما جاء به رسول الله ﷺ ويلزم كل من وصلته الحجة، أن لا يحيد عنها، ولا ينظر في سواها، ولا عذر له عند ربه إن تركها، أو فرط فيها.
[ ١٠٣ ]
على من بعدهم١، من غير أن يحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دُعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي ﷺ عليها، ودعا سائر أمته إلى تأملها.
إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى، أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه ﵇ ٢ وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك، وانقطعوا إلى الاحتياط في (طلب) ٣ الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء.
يعلمه أكابرهم أصاغرهم، ويدرسونه٤ صبيانهم في كتاتيبهم ليقروا ذلك عندهم٥، وشهرته فيهم، واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته.
واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي ﷺ من المعجزات بعد تنبيه لسائر المكلفين٦ على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب
_________________
(١) ١ يدخل في كلام الأشعري أيضًا ما أجمع عليه أهل عصر من العصور، ويقول الأصوليون بأنه حجة على من جاء بعد هذا الإجماع، وعلى هذا يجب عليهم اتباعه ولا يجوز لهم مخالفته، وهذا ينطبق على إجماع أي عصر بلا استثناء. قال الغزالي: "ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة، وهو فاسد، لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة - أعني الكتاب والسنة والعقل - لا تفرق بين عصر وعصر، فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة، فمن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين". (انظر: المستصفى من علم الأصول ١/١٨٩، وكذلك التبصرة في أصول الفقه للشيرازي ص٣٥٩) . ٢ وهذا حق لا مرية فيه إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق الذي بعث الله به نبيه ﷺ، وقد ورد في الصحاح والسنن بأسانيد عديدة قول النبي ﷺ: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ "، كما جاء: "إن خير الحديث كتاب الله الخ". (انظر: البخاري كتاب الأدب باب ٧٧٠/٩٦، وكتاب الاعتصام باب ٢ ج٨/١٣٩، ومسلم كتاب الجمعة باب ١٣ ج٢/٥٩٢، والنسائي كتاب صلاة العيدين ٣/٧٨، والمسند ٣/٣١٠، ٣١٩، ٣٧١، وابن ماجة في مقدمته ١/١٧) . وقد عقد ابن تيمية فصلًا في رسالته معارج الوصول قال فيه: "فصل في أن رسول الله ﷺ بين جميع الدين، أصوله وفروعه باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصول هو أصل الأصول في الدين". (انظر: ج١/١٧٥ ضمن مجموعة الرسائل الكبرى) . ويقول في موطن آخر "بأن الله قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد موته، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ شرط، وشيء نكرة في سياق الشرط، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلًا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه" (المرجع السابق ص١٩٠) . ٣ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٤ في (ت) "يدسونه". ٥ تكلم ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل عن مدى تحمل الصحابة والتابعين وأتباعهم لحديث النبي ﷺ وما جاء به من عند ربه وبلغوا ذلك لمن جاء بعدهم. (انظر: الجرح والتعديل ١/١٠٧) . ٦ في (ت) ونسخة ابن تيمية: "المتكلفين".
[ ١٠٤ ]
صحة أخباره، ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله ﷿ ١.
وإذا ثبت بالآيات صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبره به النبي ﷺ عنه، وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا٢ إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله، وصار خبره عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه، وطريقًا إلى العلم بحقيقته٣.
وكان ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض٤ التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية٥، وأهل
_________________
(١) ١ سبق أن تكلم الأشعري عن المعجزات النبوية، وأشار إلى أنها دليل قوي على صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وهنا يعود فيؤكد ويقرر ما سبق، وينص على أن ما أيد به ﷺ من المعجزات يوجب علينا تصديقه فيما يدعو إليه، لأنه مبلغ عن الذي أيده بهذه المعجزات. ويقول ابن حزم، وهو بصدد الكلام عن النبوة: "فصح ضرورة أن الله تعالى شهد لهم بما اظهر على أيديهم صحة ما أتوا به عنه، وأنه تعالى صدقهم فيما قالوه". (انظر: المحلى ١/٢٩، والفصل ١/٧٣، ٧٤) . ٢ في (ت) "ما دعا". ٣ يشير الأشعري هنا إلى نقطة هامة جدًا، وهي ما يمكن أن نطلق عليه "واجب العقل بعد إرسال الرسل"، وخلاصة قوله في ذلك هو أنه يلزم من الإيمان الرسالة وتصديق الرسول التصديق المطلق له في كل ما أخبر به عن ربه، وخاصة فيما لا يقع تحت حواسنا من الأمور الغيبية التي أخبر بها، ومنها صفات الباري جل وعلا، لأن مقتضى العقل تصديق الصادق ومنه تصديق أبي ﵁ بخبر الإسراء والمعراج، ومنه أيضًا ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينما راع في غنمه عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع؟ ليس لها راع غيري، فقال الناس: سبحان الله، فقال النبي ﷺ: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر، وما ثم أبو بكر وعمر". (البخاري باب مناقب عمر بن الخطاب ٤/٢٠٠، ومسلم باب فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٨، والمسند ٢/٢٤٦) . فإيمان رسول الله بذلك وهو لم يشهده دليل على أنه أوحي به إليه، وحكمه على أبي بكر وعمر بتصديقهما لذلك وهما غير موجودين عند الحديث، لعله بتصديقهما إذا علما أن الخبر صادر من رسول الله ﷺ لأنه قد ثبت عندهما صدقه، فلزم تصديقه في كل ما يخبر به. ويقول الشيخ محمد عبده: "بعد أن ثبت نبوته ﷺ بالدليل القاطع على ما بيناه، وأنه إنما يخبر عن الله تعالى، فلا ريب أنه يجب تصديق خبره، والإيمان بما جاء به". (انظر: رسالة التوحيد ص٢٠٠) . وعلى هذا أقول: يجب تصديق رسول الله ﷺ فيما أخبر به من أمور الغيب كأشراط الساعة وغيرها، ومن ذلك أسماء الله وصفاته دون إعمال العقل بنظر في ذلك. ٤ في (ت) "الاعتراض" والعرض لغة ما يقل لبثه، واصطلاحًا: ما يعرض في الوجود ولا يجب له من اللبث ما للجواهر. (انظر: المغني للقاضي عبد الجبار ٦/١٦٦) . ٥ القدرية من الألفاظ المشتركة التي تطلق على من يقول بالقدر خيره وشره، ويقولون مع هذا بأن العبد مجبور في جميع حركاته ويسمون الجبرية، قال شارح الطحاوية: "وقد تسمى الجبرية قدرية لأنهم غلوا في إثبات القدر" (انظر: ص٤٧١) . وتطلق أيضًا على من ينفون الإرادة عن الله تعالى، ويقولون بأن العبد يخلق فعل نفسه، وهم المعنيون بقول رسول الله ﷺ القدرية مجوس هذه الأمة. وعرفهم الإمام أحمد بقوله: "والقدرية وهم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدر، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأن العباد يعملون بدءًا من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله ﷿، أو في علمه، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية، وهو أصل الزندقة". (انظر: رسالة السنة ص٨١ بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري) . وأول من تكلم في القدر معبد الجهني البصري، وكان ذلك في زمن المتأخرين من الصحابة كعبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، وأنكروا عليهم ذلك وهجروهم. (انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص١٨، والتبصرة في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين لأبي المظفر الإسفرائيني ص١٣، وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص٦٨٧) . وذهب الملطي إلى أنهم سبع فرق أولاها: "من يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم". (انظر: تنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٥٧) . وقسم ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أصناف: أولًا القدرية المشتركة المعترفين بالقضاء والقدر، إلا أنهم قالوا بأن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا وهؤلاء يؤول أمره إلى تعطيل الشرائع. ثانيًا: القدرية المجوسية: وهم الذين يجلون لله شركاء في خلقه ويقولون خالق الخير غير خالق الشر، وهما قسمان: غلاة القدرية الذين يقولون بأن الله لم يسبق له علم بأفعال العباد، والقدرية المعتزلة الذين يقولون سبق بها إلا أنه لم يخلقها ولم يقدرها. ثالثًا: القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران لكن عندهم هذا تناقض. (انظر: مجموع الفتاوى ٨/٢٥٦- ٢٦١) .
[ ١٠٥ ]
البدع المنحرفين عن الرسل - ﵈ - من قبل أن الأعراض١ لا يصح الاستدلال (بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال) ٢ على وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها، والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها، ولا يجوز ذلك على شيء منها، والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة باختلاف أجناسها٣، وأنه لا يصح انتقالها من محالها، والمعرفة بأن ما لا ينقل منها فحكمه في الحدث حكمها، ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند٤ مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها؛ لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفًا، وفي كل مرتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها،
_________________
(١) ١ في (ت) "الاعتراض". ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) وهو كما أثبته في الأصل ونسخة ابن تيمية. ٣ الأجناس: جمع جنس، وهو الضرب من الشيء. قال الخليل: "كل ضرب جنس، وهو من الناس، والطير والأشياء جملة". (انظر: معجم مقاييس اللغة ١/٤٨٦) . وفي اصطلاح علماء المنطق: "كل مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب "ما هو" من حيث هو كذلك" (انظر: التعريفات ص٦٩، وكشاف اصطلاحات الفنون لمحمد علي الفاروقي التهانوي ١/٣١٧) . ٤ في (ت) "على ما هي له له عليه عند".
[ ١٠٦ ]
ويطول الكلام معهم عليها١.
وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول ﵇ على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى٢ مثل ذلك٣، لأن آياته والأدلة الدالة٤ على صدقه محسوسة مشاهدة قد أعجزت القلوب، وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها٥، وأنها لا يصح أن تكون٦ من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك،
_________________
(١) ١ سبق أن تكلم الأشعري عن إثبات حدوث العالم، واستدل هناك ص١٤٥، ١٤٧ على حدوث الإنسان بالتغير والاختلاف، وذكرت هناك أن هذا المسلك أخذه عليه ابن تيمية - ﵀ - وهنا يخالف الأشعري مسلك المتكلمين وينص على غموض الطريقة التي سلكوها في إثبات حدوث العالم - وهي الجوهر والعرض وبين أنها مخالفة لطريقة الأنبياء - وما سبق الأشعري قرره ابن تيمية أتم تقرير، وفي ذلك يقول: " وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا أو إثبات بعضها كالأكوان التي هي الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق وإثبات حدوثها بإثبات إبطال ظهورها بعد الكون، وإبطال انتقالها من محل إلى محل بعد إثبات امتناع خلو الجسم، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض، بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعًا، والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى". ثم يصل ابن تيمية بعد هذا العرض الدقيق لمذهبهم إلى بطلانه، ويؤكد ما سبق إليه الأشعري فيقول: "فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمد ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعري وغيره أنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقًا". (انظر: الموافقة ١/٢٤، ٢٥) . وبعد هذا الكلام من ابن تيمية، وما ذكره عن الأشعري يجعلني أقرر أن الأشعري يخالف المتكلمين عمومًا ويصف طريقتهم بأنها طريقة مخالفة لمنهج النبوة، وما ذكره سابقًا من استدلاله على حدث الإنسان بالتغير والاختلاف على حدوثه ووجود خالقه يعتذر له فيه بأنه لم يكن خبيرًا بدقائق مذهب السلف كغيره من المتقدمين، وخاصة أن هذه الرسالة - كما ذكرت - كتبت قبل الإبانة، ووقتئذ لم يكن في دقة فهمه لمذهب السلف كدقته بعد الإبانة. ولقد اعتذر له شيخ الإسلام بمثل هذا في أكثر من موطن، وانظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٢١٩- ٢٢٤. ٢ ساقطة من (ت) . ٣ أي لا يحتاج المؤمن المصدق بالنبي ﷺ إلى ما ذهب إليه الفلاسفة والمتكلمون من ترك النصوص، وردها بالتكذيب أو التأويل واستعمال العقل والهوى، كما فعلوا في حدوث العالم. ٤ ساقطة من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٥ وعلى رأس هذه الآيات أكبر معجزة، وهي القرآن الكريم الذي قال الله فيه: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (القمر آية: ١٧) . قال ابن كثير: "أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (انظر تفسير ابن كثير ٧/٤٥٣) . وقال القاسمي: "سهله الله للادكار والاتعاظ، لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية" (انظر: محاسن التأويل ١٥/٥٥٩٩) . ٦ هكذا بالأصل ونسخة ابن تيمية وفي (ت) "أن يكون".
[ ١٠٧ ]
ولا سيما مع إزعاج الله تعالى قلوب سائر من أرسل إليه النبي ﷺ على النظر في آياته بخرق عوائدهم له، وحلول ما يعدهم من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند دعوة موسى وعيسى ومحمد - ﵈ -، وإذا كان ذلك على ما وصفنا بَان لكم - أرشدكم الله - أن طريق١ الاستدلال بأخبارهم - ﵈ - على سائر ما دُعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس أوضح من الاستدلال بالأعراض، إذ كانت أقرب (إلى) ٢ البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن تبعهم من أهل الأهواء، واغتروا بها لبعدها عن الشبه كما ذكرنا، وقرب من٣ أخلد (ممن) ٤ ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه، ولذلك٥ ما منع الله رسله٦ من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا - ﵈ - إلزامهم فرضه.
فأخلد سلفنا - ﵃ - ومن تبعهم من الخلف الصالح بعدما عرفوه من صدق النبي ﷺ فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها، والعدول عن٧ كل ما خالفهما لثبوت نبوته ﵇ عندهم، ونبههم٨ بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم فيه، وكفتهم العبرة بما ذكرناه له٩.
_________________
(١) ١ في (ت) ونسخة ابن تيمية "طرق". ٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية. ٣ في الأصل، و(ت) "ما أخلد" وما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٤ في الأصل، و(ت) ونسخة ابن تيمية "ما ذكرنا"، ولعل ما أثبته هو الصواب الذي به يستقيم المعنى. ٥ في (ت) ونسخة ابن تيمية "وكذلك". ٦ في الأصل "ورسله" بالواو، وما أثبته من (ت)، ونسخة ابن تيمية. ٧ في الأصل "على" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٨ هكذا بالأصل، و(ت) وفي نسخة ابن تيمية "وثقتهم". ٩ هكذا جاءت العبارة بالأصل، وفي (ت) "وكفتهم العبرة بها بما ذكرناه له" وفي نسخة ابن تيمية: "وكشفته لهم العبرة". وهذا هو شأن أهل السنة والجماعة في كل مسائل الدين تمسكوا بما دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف هذه الأمة، وما أحسن ما قال الإمام أحمد بن حنبل فيما وصفهم بقوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى إلى أن قال: ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم". (انظر: مقدمة كتاب الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣) .
[ ١٠٨ ]
وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن تبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه، وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم١.
وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول٢ وغلط من دفع ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم٣.
_________________
(١) ١ يشير الأشعري إلى العلة الحقيقية التي أوقعت الفلاسفة في الضلال المبين ألا وهي: إنكارهم وعدم إيمانهم بالأنبياء. ويقول ابن تيمية - ﵀ - عنهم: " ولهذا من لم يكن عارفًا بالأنبياء من فلاسفة اليونان والهند وغيرهم لم يكن له فيهم كلام يعرف، كما لم يعرف لأرسطو وأتباعه فيهم كلام يعرف". (انظر: النبوات ص٢٢) . أما الذين تسموا بفلاسفة الإسلام فيقول عن زعيمهم: بأنه بنى أمر النبوة على أنها من قوى النفس، وقوى النفس متفاوتة، واشترط في النبي شروطًا ثلاثة، من اتصف بها فهو نبي وهي:
(٢) أن تكون له قوة علمية.
(٣) أن تكون له قوة تخيلية.
(٤) أن تكون له قوة فعالة. (انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٧٣٤ ضمن مجموعة التوحيد) . وعلى هذا فهم لا يؤمنون بوحي، ولا برسالة، ولا بملائكة إلى آخر هذا الضلال، وقد ختم ابن تيمية حديثه عنهم بقوله: " ولكن هؤلاء من أجهل الناس بالنبوة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على أصول قوم لم يعرفوا النبوة". (انظر: النبوات ص١٢٢) . ويقول ابن الجوزي عنهم: "وإنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء". (انظر: تلبيس إبليس ص٤٥) . ٢ العقل لكونه يفرق بين الحسن والقبيح، يدرك بيسر وسهولة صدق النبي المرسل للدلائل والقرائن التي تلازمه، فإذا آمن به وجب اتباع النبي فيما جاء به. (انظر ما سبق ص١٨٦، ١٨٨) . ٣ وقد نص العلماء على تكفير من يسلك طريقًا غير طريق النبوة بعد وضوحه وتبيانه، مستندين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء آية: ١١٥) . ويذكر المفسرون أن الآية نزلت في الخائنين ومنهم طعمة بن الأبيرق. (انظر: تفسير ابن جرير ٩/٢٠٤) . ويقول القرطبي: "والآية وإن كانت نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين". (انظر: تفسيره ٥/٣٨٥) . وبهذا يظهر ويتضح أن كل من عرف الحجة ووقف على الدليل لا ينبغي له الخروج عنه أو مخالفته، وإلا فهو من الهالكين. وقد ورد عن السلف لعن من تكلم في الجوهر والعرض فقد نقل عن أبي حنيفة لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ قال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا. (انظر: شرح الطحاوية ص٤٧١) .
[ ١٠٩ ]
فلما كان هذا واجبًا كما١ ذكرناه عند سلف (الأمة) ٢ والخلف رحمهم الله٣ كان اجتهاد الخلف٤ في طلب أخبار النبي ﷺ والاحتياط في عدالة الرواة لها واجبًا عندهم، ليكونوا فيما٥ يعتقدونه من ذلك على يقين٦.
ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول ﷺ حرصًا على معرفة الحق من وجهه، وطلبًا٧ للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه، وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به٨،
_________________
(١) ١ في (ت) ونسخة ابن تيمية "لما". ٢ في الأصل "الأئمة". وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٣ هذا الدعاء ساقط من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٤ المراد بالخلف هنا كل من جاء بعد رسول الله ﷺ من أمته واجتهد وبحث لمعرفة سنة الرسول ﷺ وما كان عليه. ٥ في (ت) "فيها". ٦ ذكر الأشعري سابقًا قيمة اتباع منهاج النبوة، والسير خلف طريقة صاحبها ﷺ وترك كل ما عداها، وهذا يقتضي نقل ما جاء به الرسول ﷺ نقلًا علميًا أمينًا لتقوم به الحجة ويسلك الناس به صراط الله المستقيم. ومن هنا حفظ الله هذا الدين بظهور العلماء الأفذاذ الذين تحملوا الرواية، واحتاطوا فيها، حتى لا يدخل في حديث النبوة كذب أو خلل وانتهجوا في ذلك طرقًا علمية صحيحة لنقد الروايات واختبارها، وتمييز صحيحها من سقيمها. وقد حث علماء هذه الأمة منذ القرن الأول على الاحتياط في الحديث والتثبت من أحوال الرواة، وكان يوصي بعضهم بعضًا بذلك، فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن "محمد بن سيرين" أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". (انظر: صحيح مسلم ١/١٤) . وكان عبد الله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". (المرجع السابق ١/١٥) . ويذكر الدكتور مصطفى السباعي أن الطرق التي سلكها العلماء منذ عصر الصحابة إلى أن تم التدوين: هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، وهم أول من وضعوا النقد الدقيق للأخبار والمرويات بين الأمم كلها، ثم ذكر الخطوات التي سلكوها للاحتياط في الرواية. انظر ذلك بتفصيل في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص٩٠- ٩٦، وكذلك منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، وكتاب السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب ص٢١٩ وما بعدها. وإسناد الأحاديث خاصية خص الله بها أمة محمد ﷺ دون سائر الأمم، وفضلها به، ويقرر ذلك ابن حزم وهو يتكلم عن صفة وجوه النقل عند هذه الأمة فيقول: "إن ما نقله الثقة عن الثقة حتى يبلغ به إلى رسول الله ﷺ خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها". (انظر: الفصل ٢/٨١، ٨٢) . ٧ في الأصل "طلبًا" بدون "واو" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٨ أشرت فيما سبق إلى مكانة حديث رسول الله ﷺ وما بذله علماء هذا الشأن من الاحتياط فيه، ومن مقتضيات الوصول إلى هذه البغية: الرحلة والتنقل لطلب الحديث والوقوف عليه بأعلى إسناد وكان أحد الصحابة يرحل من بلده إلى مكان آخر ليتثبت من إسناد حديث واحد، وقصة جابر بن عبد الله أوضح شاهد على ذلك، وفيها يذكر أنه سار شهرًا حتى أتى الشام، والتقى بعبد الله بن أنيس، وقال له: "حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة، أو قال العباد عراة غرلًا بهما الحديث" (أخرجه أحمد في مسنده ٣/٤٩٥، والبخاري في الأدب المفرد باب المعانقة حديث رقم ٩٧٠ ص٣٣٧، وذكره في صحيحه تعليقًا في موضعين، في كتاب العلم باب ١٩ ج١/٢٧، وكتاب التوحيد باب ٣٢ ج٨/١٩٤، والحاكم في المستدرك ٤/٥٧٤، ٥٧٥، وصححه ووافقه الذهبي) . وكانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي. قال ابن الصلاح: "إذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي في بلده فليرحل إلى غيره". (انظر: علوم الحديث ص٢٢٢) . ويقول الدكتور نور الدين عتر: "ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحًا جليًا، إذا ما تناولنا أي إسناد منها، ودرسنا تاريخ رواته نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن، بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في الحديث شتاتهم وقربت ما بعد بينهم حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد". انظر مقدمته لكتاب الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، ومن أراد الوقوف على كثير من الرحلات، فلينظر كتاب الخطيب المذكور الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ) .
[ ١١٠ ]
ويفارقوا١ بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه في سادته بغير دلالة تقتضي ذلك٢.
ولما كلفهم الله ﷿ ذلك، وجعل أخبار نبيه ﷺ طريقًا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره ﵇ في سائر الأزمنة، ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها، أو تبديل معنى كلمة٣ قالها إلا كشف الله ﷿ سره، وأظهر في الأمة أمره، حتى يرد٤ ذلك عليه العربي والعجمي٥، ومن قد أُهّل لحفظ ذلك من حملة علمه ﵇ والمبلغين عنه٦.
كما حفظ كتابه حتى لا ينطق٧ أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن، أو تسكين حرف متحرك إلا تبادر٨ القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله ﷿ من صحة الأداء عنه٩.
_________________
(١) ١ في (ت) "ويقارفوا". ٢ سبق أن عرفت التقليد، وبينت حكمه هناك بتوضيح (انظر ما تقدم ص١٨٧)، وهنا ينص الأشعري على إبطال التقليد الذي يتبع فيه المقلد غيره دون حجة أو برهان وهو التقليد المذموم الذي صار إليه معظم أهل هذا الزمان، وهو شيم الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال آية: ٢٣) . قال ابن عبد البر: " ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء بها على بطلان التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج به - أي من الاحتجاج بها على بطلان التقليد للمسلمين - لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان آخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة" (انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/١٠٩، ١١٠) . ثم ذكر - ﵀ - روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين في ذم التقليد والنهي عنه: "ونقل عن عبيد بن المعتز قوله: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد" واستثنى من ذلك العامة - كما ذكرت سابقًا صفحة ١٨٧ فقال: "وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موضع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك". (المرجع السابق ص١١٤) . ٣ ساقط من (ت) . ٤ في (ت) "يره". ٥ في (ت) "والأعجمي". ٦ من فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها سنة نبيها، كما حفظ لها قرآن ربها، وهذا أمر مقطوع به، لأن الله ﷾ أمرهم أن يرجعوا في موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول، ولا يمكن إحالتهم على شيء غير محفوظ. وقد تولى الله حفظها إذ بها يحفظ الكتاب وتعلم أحكامه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر آية: ٩) . وما فعله أرباب هذا الشأن من جمع الحديث والاحتياط في نقله كما سبق ذكره دليل على ذلك. قال الألباني وهو بصدد الحديث عن الأحاديث الضعيفة: "ولكن الله ﵎ سخر لهذه الأحاديث طائفة من الأئمة بينوا ضعفها، وكشفوا عوارها، وأوضحوا وضعها، ولذلك لما قيل للإمام عبد الله بن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة؟ أجاب بقوله: يعيش لها الجهابذة، ثم نقل عن ابن الجوزي قوله: لما لم يمكن أحدًا أن يدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله ﷺ ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله علماء يذبون عن النقل، ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يخلي منهم عصرًا من الأعصار". (انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٦) . ولقد عقد السباعي بابًا كاملًا في كتابه ذكر فيه سبعة فصول في الشبه التي أوردها أعداء السنة على السنة في مختلف العصور، وفندها جميعًا ورد عليها ردًا متقنًا. (انظر: كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص١٢٧- ٣٧٣) . ويقول الدكتور محمد أبو شهبة: " ولن يخلو عصر من العصور من عالم ينقى عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". (انظر: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين ص٦) .
[ ١١١ ]
ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا ﵇ إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده، واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم١.
حتى قد ظهر ذلك بينهم وأيست من نيله خواطر٢ المنحرفين عنه.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . وما ذكره الأشعري هنا هو معنى حديث رسول الله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله في كتاب الإيمان باب ٧١ ج١/١٣٧، والبخاري من حديث المغيرة بن شعبة في كتاب الاعتصام باب ١٠ج٨/١٤١، وفي أبي داود من حديث ثوبان في كتاب الفتن باب ٥١ج٤/٤٥٠، وكذلك ابن ماجة في مقدمته ١/٥) . والحديث ظاهر الدلالة على أنه لا يخلو زمان من قائم لله فيه بحجة "وهم الطائفة المنصورة". وأخرج الترمذي الحديث عن معاوية بن قرة عن أبيه ثم قال: قال محمد بن إسماعيل يعني - البخاري - قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. انظر سننه كتاب الفتن باب ما جاء في أهل الشام ٤/٤٨٥. كما ذكر البخاري في كتابه خلق أفعال العباد عقب حديث أبي سعيد في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ هم الطائفة التي قال فيها النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي" الحديث. انظر كتابه ١٥٢، ١٥٣، ضمن مجموعة عقائد السلف للنشار. وبوجود هذه الطائفة يبقى الحق ظاهرًا محفوظًا، ويبقى أهله ظاهرين به، وبذلك تقوم حجة الله على عباده في جميع الأزمان. قال ابن عبد الوهاب: "وفي الحديث بشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة" (انظر: تيسير العزيز الحميد ص٣٧٩) . ٢ في (ت): "خواطرهم".
[ ١١٢ ]
وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع١ القلوب عليه حجة على من تعبد بعده٢ ﵇ بشر بعثه، ودلالة لمن٣ دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله ﷿ لجميعهم طرق الدين، وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين، ودل على ذلك بقوله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤، وليس يجوز أن يخبر الله ﷿ عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به.
وبين النبي ﷺ معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم ﷺ بقوله٥: "اللهم هل بلغت " ٦.
_________________
(١) ١ في (ت) "وجميع". ٢ ساقطة من (ت)، ومكانها كلمة "تعبد" مكررة. ٣ في (ت) "إلى من". ٤ المائدة آية: (٣) . وهذه الآية حجة قاطعة على الذين يدخلون البدع والمحدثات في الإسلام متوهمين أن ذلك من القربات، وهي في الحقيقة جلب لغضب الله وسخطه، وقد روى ابن جرير أن ابن عباس قال في الآية: "أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا". (انظر: تفسير الطبري ٩/٥١٨ طبعة أحمد شاكر) . ويقول ابن حجر في تعليقه على الآية: " وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك". (انظر: فتح الباري ١٣/٣٥٢ المطبعة السلفية بالقاهرة) . ويناقش القاسمي - ﵀ - الذين يستخدمون الرأي بعد هذا البيان والإكمال فيقول: "ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا، فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه ﷺ فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إذا كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح، وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدًا". ثم يقول: "فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلًا، اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا". (انظر: محاسن التأويل ٦/١٨٣٦) . وعلى هذا يمكن القول بأن كل من أدخل في الدين شيئًا من عند نفسه فقد عصى الله ورسوله، وخرافة البدعة الحسنة والبدعة السيئة في دين الله لا مجال لها هنا، لأن كل بدعة في الدين ضلالة. ٥ "بقوله" ساقطة من (ت) . ٦ هذا جزء من حديث رواه البخاري عن ابن عباس في كتاب الحج باب الخطبة أيام منى وفيه يقول: "ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ". (انظر ٢/١٩١)، كما أخرجه في كتابه خلق أفعال العباد ص١٦٧، ١٨٢، وأحمد في مسنده ١/٣٠، كما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ: "اللهم أشهد؟ اللهم أشهد؟ ثلاث مرات". (انظر كتاب الحج باب ١٩ ج٢/٨٩٠، وأخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتابه خلق أفعال العباد ص١٨٣. قال ابن كثير: "وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفًا" (انظر تفسير ابن كثير ٣/١٤٢) . وقال المقريزي: "والحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه ولم يكتم رسول الله ﷺ من الشريعة ولا كلمة ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو لد عم على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئًا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمة". (انظر: الخطط ٣/٣١٣) . وبهذا يندفع قول من قال بالظاهر والباطن من الزنادقة كالباطنية والرافضة وغيرهم من الذين أولوا أحكام الشريعة على وجه يؤدي إلى رفع الشريعة. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/٦٥، والفرق بين الفرق ص٨١، والتبصير في الدين ص٨٣، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١١٩) لتقف على شيء من أمر هؤلاء الملاحدة.
[ ١١٣ ]
فلو كنا نحتاج مع ما١ كان منه ﵇ في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغًا (إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه) ٢ إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو٣، ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم٤ يجدوا سبيلًا إلى الطعن٥؛ لأنه ﵇ لم يدع شيئًا مما تهم٦ الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، أو مثل فعله إلا وقد بين لهم.
ويزيد٧ هذا وضوحًا قوله ﵇: "إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها"٨، وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا
_________________
(١) ١ في (ت): "مما". ٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي (ت): "إذ كنا نحتاج إلى المعرفة إليه". وفي الأصل ما يزيد على سطرين مع تكرار بعض كلمات العبارة السابقة وعدم وضوح بعض الكلمات وكل ذلك تحريف، والصواب ما أثبته من نسخة ابن تيمية. ٣ في نسخة ابن تيمية "الملغز". ٤ في الأصل "لا"، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٥ يبين الأشعري هنا أن الرسول ﷺ بين لأمته بيانًا شافيًا أصول الدين وفروعه، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن المشركين الذين ناصبوه العداء لم يجدوا فيما دعاهم إليه أي خلل أو نقص يتهمونه فيه بالتقصير أو عدم الكمال، وبناءً عليه فلسنا بحاجة إلى ما جاء به أهل البدع والضلال، ويكفينا ما جاء من عند الله ورسوله. ٦ في نسخة ابن تيمية: "بهم". ٧ في الأصل: "ومزيد" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية. ٨ يشير إلى معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك " الحديث. انظر المستدرك ١/٩٦، ومسند أحمد ٤/١٢٦، وابن ماجة في مقدمة سننه ١/٤، وابن أبي عاصم في كتابه السنة، وقد حكم الألباني على مجموع أسانيد هذه الروايات بالصحة. انظر: تخريجه لكتاب السنة المسمى بظلال الجنة ١/١٩، ٢٠، ٢٦، ٢٧، وكلمة "الواضحة" الواردة في كلام الأشعري لم أقف عليها في الروايات المشار إليها، كما لم يشر إليها الألباني، لكن قد أخرج مالك في الموطأ قول عمر بن الخطاب ﵁: " أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة". (انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك ٣/٤٢) .
[ ١١٤ ]
طعن لمبتدع، إذ كان ﵇ قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده١، وأحكم أطنابه٢.
ولم يدع ﷺ لسائر من دعاه٣ إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنًا عليه، ثم مضى ﷺ محمودًا بعد إقامته الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحدًا٤ من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم، أو معنى أسره إلى أحد من أمته٥ بل قد قال ﷺ في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره، (أو طي شيء منه على من شهده) ٦ "إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به٧ لن تضلوا كتاب الله وسنتي"٨ ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر
_________________
(١) ١ الأوتاد: جمع وتد، وهو ما رز في الحائط أو الأرض من الخشب قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (انظر: لسان العرب ٣/٤٤٤، والقاموس ١/٣٥٦) . ٢ الأطناب: جمع طنب، والطنب: حبل طويل يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق. (انظر: لسان العرب ٢/٤٩، وقال ابن فارس: "هو لفظ يدل على ثبات الشيء وتمكنه في استطالة". انظر معجم مقاييس اللغة ٣/٤٢٦. ٣ في (ت): "ما ادعاه". ٤ في (ت): "أحد". ٥ ذكر الأشعري في الصفحات السابقة تبليغ النبي ﷺ لجميع ما نزل عليه من الوحي، وشهدت أمته له بذلك، وهنا يتعرض للطائفة الرافضة الذين يقولون بأن النبي ﷺ خص عليًا بشيء من الرسالة لم يعرفه أحد من أمته، بل ذهبوا إلى أن القرآن الموجود بين يدي المسلمين اليوم محرف مبدل ناقص، والقرآن الحقيقي جمعه علي بن أبي طالب وهو محفوظ عند الإمام الغائب كما يزعمون. انظر ما ذكره أحد أئمتهم في الضلال المدعو حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه: فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب، مطبوع مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية المركزية تحت رقم عام ٤٥٠٩٣، وانظر الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب ص١٤، ١٥، طبعة الجامعة الإسلامية. ومما يدفع هذا الضلال والبهتان قول علي نفسه لما سئل هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله أحدًا في كتابه وما في هذه الصحيفة" الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم باب ٣٩ ج١/٣٦، ومسلم في الإيمان باب ١٢١، والترمذي في الديات باب ١٦ ج٤/٢٤، والنسائي في القسامة ٨/٢٣، والدارمي في الديات ٢/١٩٠، وأحمد في مسنده ١/٧٩. ٦ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و(ت): "أو ظن منه من شهده". ٧ ساقطة من (ت) . ٨ أخرج هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتابه السنة بلفظ: " وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه". انظر كتابه السنة ص٢٠، ٢١، وهكذا أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٩٣ وصححه ووافقه الذهبي، وقال: وله أصل في الصحيح وذلك فيما أخرجه مسلم في كتاب الحج باب ١٩ ج٢/١٩٠.
[ ١١٥ ]
مشكل، والبرء من كل داء معضل١، وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية٢ لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده.
وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك على ما وصفنا، فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق٣.
وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول.
_________________
(١) ١ معضل: يعني شديد. قال ابن منظور: "وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة ما يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير". قال الأموي في قوله: أعضل بي: هو من العضال، وهو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه". (انظر: لسان العرب ١٣/٤٧٩) . ٢ ساقطة من (ت) . ٣ ذهب البعض إلى أن السلف كانوا في إيمانهم مقلدين، لا يعرفون معاني النصوص وما تدل عليه، وخاصة في باب الأسماء والصفات. وقال بعضهم: إن السلف أعلم، والخلف أحكم، وهو قول باطل فاسد؛ لأن السلف أعلم بكتاب الله وسنة رسوله فهم متبعون لا مبتدعون كالخلف ويكفيهم أنهم أتباع محمد ﷺ وصحابته الكرام، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون، والمبتدعون من الخلف لا يعرفون قدر السلف ومنزلتهم، ولقد رد عليهم ابن تيمية في ذلك. (انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٦ الطبعة الثالثة بالمطبعة السلفية بالقاهرة. وكذلك مختصر الصواعق ١/٨ لابن القيم، وفتح الباري ١٣/٣٥٢ لابن حجر) . ولقد عرف السابقون علم السلف فشادوا به ودعوا الناس إلى تعلمه، قال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم"، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد وغيره. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٢٩. ونقل ابن رجب كلام الأوزاعي السابق، ثم قال: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم في زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم". انظر رسالته فضل علم السلف على الخلف ص١٣. ويلحق بعلوم السابقين من سار على طريقتهم من العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة السائرين على منهاج النبوة.
[ ١١٦ ]
(باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول) ١ التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي ﷺ بها٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٢ في الجزء الآتي من الرسالة يذكر الأشعري معظم ما أجمع عليه سلف هذه الأمة في باب العقائد، لذا أحب أن أقدم بين يدي ما ذكره من إجماعات كلمة قصيرة عن معنى الإجماع وحكمه ومنزلته تاركًا التفصيلات في ذلك لكتب الأصول. الإجماع لغة: العزم والاتفاق. قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُم﴾ أي: أعزموه، ويصح إطلاقه على الواحد فيقال: أجمع. (انظر: القاموس المحيط ٣/١٥، وشرح الكوكب المنير ٢/٢١١) . وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو كان الأمر فعلًا اتفاقًا كائنًا بعد النبي ﷺ. (انظر المرجع السابق وشرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص٣٢٢، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي ص١٩، ٢٠) . حكم الإجماع: ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجماع حجة قاطعة يجب اتباعه وتحرم مخالفته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء آية: ١١٥) . قال ابن حزم: "ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله ﷿" (انظر الإحكام في أصول الأحكام ٤/٦٤٠ الطبعة الأولى بتحقيق محمد أحمد عبد العزيز. وقد ذكر الغزالي النص على حجية الإجماع من ثلاثة طرق، وهي الكتاب والسنة والعقل. انظر المستصفى ١/١٧٤. منزلة إجماع السلف وأهميته في باب العقائد: ذكر علماء السنة أن ما أجمع عليه في باب العقائد لا يمكن لأحد مخالفته ولا الخروج عنه؛ لأنه موافق للقرآن والسنة، وعلى هذا فالخارج عليه خارج عن الكتاب والسنة، ومن هنا قال اللالكائي في مقدمة كتابه: "أما بعد فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون. ثم التمسك بمجموعها والمقام بها إلى يوم الدين". (انظر: أصول اعتقاد أهل السنة ١/٩ من النص المحقق) . ويقول ابن تيمية: "كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عليه من الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه فقد بينه الرسول، وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها فإن ما دل عليه الإجماع، فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص". انظر رسالة معارج الوصول ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ص٢٠٥، مطبعة محمد علي صبيح، وانظر مجموع الفتاوى ٣/١٥٧. وهذا التوضيح من ابن تيمية لا يحتاج إلى تعليق، غاية الأمر هو أنني أود أن أنبه بذلك إلى قيمة ما يذكره الأشعري من إجماعات في هذه الرسالة، وأن ما أجمع عليه في مسائل العقيدة، وورد إلينا عن سلف هذه الأمة هو دين الله الذي لا دين سواه، ومخالف ما صح من ذلك مخالف لله والرسول، وإليك الآن حكم مخالف. قال القرافي: "تكفير المخالف له وإن قلنا به، فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضروريًا من الدين، أما من جحد ما أجمع عليه من الأمور الخفية في الجنايات وغيرها من الأمور التي لا يطلع عليها إلا المتبحرون في الفقه فهذا لا نكفره، إذا عذر بعدم الاطلاع على الإجماع". (انظر: شرح تنقيح الفصول ص٣٣٧) .
[ ١١٧ ]
الإجماع الأول
واعلموا - أرشدكم الله - أن مما أجمعوا عليه - رحمة الله عليهم - على اعتقاده مما دعاهم النبي ﷺ إليه، ونبههم بما ذكرناه على صحته أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه محدث لم يكن ثم كان١، وأن لجميعه محدثًا واحدًا اخترع أجناسه، وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه٢.
وأنه ﷿ لم يزل قبل أن يخلقه واحدًا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأنهم عرفوا ذلك بما نبههم الله ﷿ عليه، وبين لهم ﷺ وجه الدلالة فيه على ما تقدم شرحنا له قبل هذا الموضع٣.
_________________
(١) ١ مصداق هذا من كتاب الله قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنسان آية: ١) . ومن سنة رسول الله ﷺ قوله: " كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ٢٢ ج٨/ ١٧٥. ٢ هذا الجزء من الإجماع الأول ذكره أيضًا البغدادي ضمن الأصول التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة فقال: "وأما الركن الثاني وهو الكلام في حدوث العالم - فقد أجمعوا على أن العالم كل شيء هو غير الله ﷿ وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم، ولا من جنس شيء من أجزاء العالم". (انظر الفرق بين الفرق ص٣٢٨) . ٣ يطالعنا الأشعري في مستهل كلامه عن الصفات بموقف السلف جملة في أسماء الله وصفاته، ذاكرًا بعض الصفات على سبيل المثال، وسيأتي إفراد بعضها بالحديث عنه وإثباته. وقد ساق اللالكائي بإسناده إلى عبد الله بن أبي حنيفة الدبوسي قال: "سمعت محمد ابن الحسن يقول: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنهم لم ينفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة لا شيء". (انظر أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٤١٧، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٤/٤، ٥، ومختصر العلو للذهبي ص١٥٩) . ومراد السلف هنا في نهيهم عن تفسير صفات الله هو عدم الخوض والبحث عن معرفة كنهها وحقيقتها، فإن هذا لا علم لأحد به، أما الإيمان بها وبمعناها وبما دلت عليه فهم يعرفونه، ومن هنا قال الإمام مالك لما سئل عن الاستواء: "الاستواء معلوم والكيف مجهول". (انظر: أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٣٧٩) .
[ ١١٨ ]
الإجماع الثاني
وأجمعوا على أنه ﷿ غير مشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله ﷿ على ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: (١١) . وتمامها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ولقد اتفق أهل السنة والجماعة على معنى هذه الآية، وآمنوا أن الله ﷾ لا يشبه أحدًا من خلقه. قال أبو حنيفة: "لا يشبه شيئًا من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية". (انظر الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص١٥) . وقال الطحاوي: "ولا شيء مثله". وعلق شارحه على ذلك بقوله: "اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله". (شرح الطحاوي ص٣٨) . ولقد ضل فريقان في هذا الباب أحدهما: الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني. الذين شبهوا الله بخلقه، وأطلق عليهم الأشعري اسم المجسمة، وذكر أن أقوالهم بلغت ست عشرة مقالة. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٨١، والفرق بين الفرق ص٢١٦، ولوامع الأنوار البهية ١/٩١) . ولقد سار في هذا الطريق أيضًا مقاتل بن سليمان وهشام بن الحكم قال ابن رجب: "وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقول، وبالغوا في الطعن عليه، ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره". (انظر فضل علم السلف على الخلف ص٨) . والفريق الثاني: الجهمية النافون للأسماء والصفات ومن شاكلهم كالمعتزلة، وذلك لما قام في قلوبهم من رجس التشبيه. قال الإمام أحمد عنهم: "إذا سألهم الناس عن قول الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ ما تفسيره؟ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص ٢٨) . وكلا الفريقين السابقين في بعد عن الصواب، أما سلف هذه الأمة فقالوا: إن الله موصوف بصفات الجلال والكمال، كما وصف نفسه، وأنه مع اتصافه بهذه الصفات لا يشبه شيئًا من المخلوقات، فكانوا في ذلك وسطًا بين المشبهة والمعطلة. (انظر: في ذلك شرح الطحاوية ص٣٩، ٥٨، ٤٦٦، ٤٤٧، وشرح العقيدة الواسطية ص٤٩) . وقال نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا". (انظر مختصر العلو للذهبي ص١٨٤) . وقد اختلف في إعراب الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ على وجوه ذكرها شارح الطحاوية ص٧٨، ٧٩، وتعرض لذلك الدكتور عبد الله دراز، ورجح أن الكاف أصلية وليست زائدة، وجودها ضروري وهادف من طريقين. الطريق الأول: أن في وجود الكاف نفي المماثلة وما يشبهها أو يدنو منها. الطريق الثاني: أنها نفت التشبيه وأقامت البرهان على نفيه، كأن الآية قالت: مثله تعالى لا يكون له مثل، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. (باختصار وتصرف من كتابه النبأ العظيم ص١٣٢- ١٣٦) .
[ ١١٩ ]
وبقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١ وإنما كان ذلك كذلك، لأنه تعالى لو كان شبيهًا لشيء من خلقه لاقتضى من الحدث والحاجة إلى محدث له ما اقتضاه ذلك الذي أشبهه، أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من خلقه، وقد قامت الأدلة٢ على حدث جميع الخلق واستحالة قدمه على ما بيناه آنفًا، وليس كونه ﷿ غير مشبه للخلق ينفي وجوده؛ لأن طريق إثباته كونه تعالى على ما اقتضته٣ العقول من دلالة أفعاله عليه دون مشاهدته.
الإجماع الثالث
وأجمعوا أنه تعالى لم يزل موجودًا حيًا قادرًا عالمًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا على ما وصف به نفسه، (وتسمى) ٤ به في كتابه، وأخبرهم به ورسوله، ودلت عليه أفعاله، وأن وصفه بذلك لا يوجب شبهه لمن وصف من خلقه بذلك من قبل الشيئين لا يشبهان بغيرهما، ولا باتفاق أسمائهما٥، وإنما يشبهان بأنفسهما فلما كانت نفس الباري تعالى غير مشبهة لشيء من العالم بما ذكرناه آنفًا، لم يكن وصفه بأنه حي وقادر وعالم يوجب تشبهه لمن وصفناه بذلك منا، وإنما يوجب اتفاقهما في ذلك اتفاقًا٦ في٧ حقيقة الحي والقادر والعالم، وليس اتفاقهما في حقيقة ذلك يوجب (تشابهًا) ٨ بينهما، ألا ترى أن وصف الباري ﷿ بأنه موجود ووصف الإنسان بذلك لا يوجب تشابهًا بينهما، وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، ولو وجب تشابههما بذلك لوجب تشابه السواد والبياض بكونهما
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص آية: (٤) . وهذه الآية كالآية السابقة نص في نفي الشبيه والنظير لله ﷾، وقد جاء في الحديث أن سورة الإخلاص هي صفة الرحمن. (انظر البخاري كتاب التوحيد باب ١ ج٨/١٦٥، والأسماء والصفات للبيهقي ص٢٧٩) . ٢ في (ت) "الدلالة". ٣ في الأصل: "ما اقتضاه". وما أثبته من (ت) . ٤ في الأصل: "وسمى". وما أثبته من (ت) . ٥ هكذا جاءت العبارة بالأصل، و(ت) ولعل الصواب "لا يشبهان بغيرهما لاتفاق أسمائهما" بدون "لا". ٦ في الأصل، و(ت): "اتفاق" بالرفع، وهي مفعول يوجب. ٧ ساقطة من (ت) . ٨ في الأصل و(ت): "تشبهًا"، ولعل الصواب ما أثبته.
[ ١٢٠ ]
موجودين، فلما لم يجب بذلك بينهما (تشابه) ١ وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، لم يجب أو يوصف الباري ﷿ بأنه حي عالم قادر، ووصف الإنسان بذلك تشابههما، وإن اتفقا في حقيقة ذلك، وإن كان الله ﷿ لم يزل مستحقًا لذلك، والإنسان مستحقًا لذلك عند خلق الله ذلك له وخلق هذه الصفات فيه٢.
الإجماع الرابع
وأجمعوا على إثبات٣ حياة الله ﷿ لم يزل بها حيًا، وعلمًا لم يزل به عالمًا، وقدرة لم يزل بها قادرًا، وكلامًا لم يزل به متكلمًا، وإرادة لم يزل بها مريدًا، وسمعًا وبصرًا لم يزل به سميعًا بصيرًا٤.
وعلى أن شيئًا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثًا، إذ لو كان شيئًا٥ منها
_________________
(١) ١ في الأصل و(ت): "تشابهًا" بالنصب، وهي فاعل يجب. ٢ يقرر الأشعري في هذا الإجماع أن مجرد الاتفاق في الأسماء بين الله وبين خلقه لا يلزم منه نفي الأسماء والصفات عن الله ﷿، إذ لا يلزم من اشتراكهما في الأسماء حدوث تماثل بينهما، ولقد ضرب الأمثلة على ذلك (وانظر التوحيد لابن خزيمة ص٢٨، ٢٩) . ولقد فصل ابن تيمية هذه القضية تفصيلًا تامًا فقال: "وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود". (انظر رسالة التدمرية ص٨ من الطبعة الثانية بالمطبعة السلفية بالقاهرة) . ثم ساق ابن تيمية عدة أمثلة على ذلك مبينًا أن بين أسماء الله وصفاته من الفرق، كما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وعقب على ذلك بذكر الأصلين والمثلين الذين يوضحان كل شبهة ويزيلان كل إشكال، ثم ختم بخاتمة جامعة حول هذا الباب. (انظر التدمرية ص١٣- ٤٦) . ٣ في الأصل: "وأثبتوا على إجماع"، وما أثبته من (ت)، ولعل الصواب أن يقال: "وأجمعوا على أن لله حياة لم يزل بها حيًا". ٤ سبق أن ذكر الأشعري هذه الصفات السبع في الإجماع السابق، وهذه الصفات هي التي يؤمن بها من ينتسب إلى الأشعري اليوم - وهي عقيدته وقت أن كان كلابيًا- ولا يتعداها إلى غيرها كالاستواء واليد، مع أن الأشعري يؤمن بذلك بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وسيأتي كلامه عن الاستواء واليد والنزول وغير ذلك. ولقد تعرض السفاريني لتعريف كل صفة من هذه الصفات السبع وذكر مذهب أهل الحق فيها ورد على المخالفين. (انظر كتابه لوامع الأنوار البهية ١/١٣١- ١٥٢) . ٥ كذا في الأصل، ولعل الصواب "شيء".
[ ١٢١ ]
محدثًا لكان تعالى قبل حدثها موصوفًا بضدها، ولو كان ذلك لخرج١ عن الإلهية٢، وصار إلى حكم المحدَثين الذين يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله ﷿، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال؛ إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال٣.
الإجماع الخامس
وأجمعوا (على) ٤ أن صفته ﷿ لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له ﷿ هذه الصفات لم يكن موصوفًا بشيء منها في الحقيقة، (من قبل أن من ليس له حياة لا يكون حيًا، ومن لم يكن له علم لا يكون عالمًا في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل) ٥ لم يكن فاعلًا في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسنًا، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلمًا في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريدًا، وأن من٦ وصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقًا لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازًا٧ أو كذبًا، ألا ترى أن وصف الله ﷿ للجدار بأنه يريد أن ينقض، لما لم يكن له إرادة في الحقيقة كان مجازًا، وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك
_________________
(١) ١ في الأصل و(ت): "يخرج" بالياء. ٢ في (ت): "الأهلية". ٣ ما ذكره الأشعري هنا من أن صفات الله أزلية قديمة صرح به جمهور أهل السنة والجماعة. قال البغوي: "ويجب أن يعتقد أن الله عز اسمه قديم بجميع أسمائه وصفاته، لا يجوز له اسم حادث ولا صفة حادثة". (انظر شرح السنة ١/١٧٩) . وقال الطحاوي: "ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد لكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، كما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا". (شرح الطحاوية ص٦٢) . ٤ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٥ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) . ٦ ساقطة من (ت) . ٧ ذكر ابن تيمية أن وصف الله ﷿ للجدار بأنه يريد أن ينقض ليس من باب المجاز، بل هو حقيقة ومن مشهور اللغة، وذلك أن لفظ الإرادة يستعمل في الميل الذي يكون معه شعور، وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وميل الجماد، وعلى هذا يفسر معنى إرادة الجدار للانقضاض. (انظر كتاب الإيمان ص١٠٣ من الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي) .
[ ١٢٢ ]
تلقيبًا أو كذبًا، فإذا كان الله ﷿ موصوفًا بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة، وإلا كان وصفه بذلك مجازًا١ كما وصف الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة مجازًا ويبين هذا أن وصف الإنسان بأنه مريد وسارق وظالم مشتق من الإرادة والسرقة والظلم، وكذلك وصفه بأنه أسود مشتق من السواد، فإذا وصف بذلك من ليس له هذه الصفات في الحقيقة كان وصفه بذلك تلقيبًا٢، ألا ترى أن من سمت العرب من أولادها بذلك لم يستحق الذم، لأن تسميته بذلك لا يقتضي إثبات هذه الصفات، وإنما وضعوا ذلك لهم تلقيبًا، كما يلقبونهم بزيد وعمرو، وعلى مثل هذا (جاء) ٣ السمع في تسمية الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة، وإذا كان وصف الباري ﷿ بسائر ما ذكرناه من كونه ﷿ حيًا وقادرًا وعالمًا ومتكلمًا ومريدًا وسميعًا وبصيرًا في الحقيقة دون المجاز والتلقيب، وجب إثبات هذه الصفات التي اشتق له ﷿ الأوصاف من أخص أسمائها، وقد أوضح ذلك بقوله ﷿: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٤، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٥، وقال٦: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ ٧ ولا يجب٨ إذا أثبتنا هذه الصفات له ﷿ على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، لأنه تعالى لم يزل موصوفًا بها، ولا يجب أن تكون أعراضًا؛ لأنه ﷿ ليس بجسم، وإنما توجد الأعراض في الأجسام٩،
_________________
(١) ١ في الأصل توجد كلمة "قال" قبل "وصف" وليست موجودة في (ت)، ولعلها مصحفة من كلمة "كان"، وكلمة "مجازًا" الواردة في نهاية العبارة خبرها. ٢ تلقيبًا يعني: علمًا على المسمى باللقب. ٣ ما بين المعقوفتين ليس من المخطوطتين، والسياق يقتضيه. ٤ سورة الذاريات آية: (٥٨) . ٥ سورة النساء آية: (١٦٦) . ٦ ساقطة من (ت) . ٧ سورة البقرة آية: (٢٥٥) . ٨ في الأصل: "ولا يجب أن إذا"، و"أن" هنا زائدة لا معنى لها وهي غير واضحة. ٩ في (ت): "الأجساد"، وأحب أن أنبه هنا على أمر هام جدًا، وهو أن السلف كانوا لا يطلقون هذا اللفظ على الذات الإلهية لا بنفي ولا بإثبات، بل ذموا من فعل ذلك. قال ابن تيمية عنهم: "وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والمركب والمنقسم، فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف، كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا بإثبات، إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك النفاة الذين نفوا ما جاءت به النصوص، والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص، كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيًا وإثباتًا هم طوائف من الشيعة المعتزلة، وهم من أهل الكلام الذين كان السلف يطعنون عليهم". (انظر بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤، ومجموع الفتاوى ٧/١٠٢)، وبهذا يظهر أن إطلاق هذه الألفاظ على الذات الإلهية من البدع المحدثة، وهذه الألفاظ من آثار الاعتزال والكلابية التي كان عليها الأشعري.
[ ١٢٣ ]
ويدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها، ولا يجب أن تكون غيره ﷿؛ لأن غير الشيء هو ما يجوز مفارقة صفاته له من قبل أن في مفارقتها له ما يوجب حدثه وخروجه عن الألوهية، وهذا يستحيل عليه (كما لا يجب) ١ أن تكون نفس٢ الباري ﷿ جسمًا أو جوهرًا، أو محدودًا، أو في مكان دون مكان، أو في غير ذلك٣ مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا، فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا، ولا يجب إذا لم تكن هذه الصفات غيره أن تكون نفسه٤ لاستحالة كونه حياة، أو علمًا، أو قدرة؛ لأن من كان كذلك لم يتأت منه الفعل، وذلك أن الفعل يتأتى من الحي القادر العالم دون الحياة والعلم والقدرة٥.
_________________
(١) ١ ساقط من (ت) . ٢ في (ت): "تفسير". ٣ يؤمن الأشعري كما يؤمن غيره من السلف أن الله على العرش استوى وسيأتي إثبات ذلك، ولعله هنا يقصد شيئًا آخر. والله أعلم. وعبارة "أوفي مكان دون مكان" خطأ، لأن الله استوى على عرشه وعرشه فوق سماواته، وقد أخبر الله بذلك في غير آية من كتاب الله تعالى، وأخبر الرسول ﷺ بذلك، وحديث الجارية التي قالت إن الله في السماء، وشهد لها رسول الله ﷺ بذلك أوضح دليل في هذا. (انظر نص الحديث في صحيح مسلم ١/٣٨١، وسنن النسائي ٣/١٧، ومسند أحمد ٥/٤٤٧، وموطأ مالك ٣/٥، ٦) . ٤ الصفات معان زائدة على الذات، وليست غيرها؛ لأن الله بأسمائه وصفاته إله واحد، ولا يتحقق الإيمان بالله إلا إذا آمنا بذات متصفة بصفات الكمال، وعليه فالمغايرة بين الذات والصفات بهذا المعنى باطلة، مع التأكيد على أن للصفات معان نفهمها منها زائدة على الذات. (انظر بدائع الفوائد ١/٢١، وكتاب الصفات الإلهية في الكتاب والسنة المحمدية للدكتور محمد أمان ص٣٤١- ٣٤٣) . ٥ يشير الأشعري في هذا الإجماع إلى ما سبق أن قرره من عدم مشابهة الله لأحد من خلقه، وأن صفات الله ﷿ ليست كصفات المخلوقين، ثم أخذ في الرد على المعتزلة الذين نفوا صفات الله ﷿، وقالوا بأنه لا يوصف بالعلم والقدرة وسائر الصفات، لأنها قديمة ولو وصف بها لتعدد القدماء وهو باطل. (انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص١٨٢، والمقالات للأشعري ١/٢٤٤، والإبانة ص٣٨، والفرق بين الفرق للبغدادي ص١١٤، والملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩) . والمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فألزمهم الأشعري الإيمان بها كما آمنوا بالأسماء، وقد وضح هذا الإلزام لهم في كتابه الإبانة فقال: "وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي من حياة، واسم سميع من سمع، واسم بصير من بصر. ولا تخلو أسماء الله ﷿ من أن تكون مشتقة، إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله ﷿ على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقًا من صفة، فإذا قلنا إن الله ﷿ عالم قادر فليس ذلك تلقيبًا كقولنا زيد وعمرو، وعلى هذا إجماع المسلمين وإذا لم يكن ذلك تلقيبًا، وكان مشتقًا من علم وجب إثبات العلم". (انظر: الإبانة ص٤٠) . ويؤكد الرازي كلام الأشعري في هذا المقال فيقول: "إن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه خلافًا لأبي علي وأبي هاشم فإن العالم والقادر والحي أسماء مشتقة من العلم والقدرة والحياة، ثم إنهما يطلقان هذه الأسماء على الله تعالى، وينكران حصول العلم والقدرة والحياة لله تعالى". (انظر المحصول في علم أصول الفقه ص٣٢٧ بتحقيق د/ طه جابر) . ويقول محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -: "والمعتزلة ينفونها - أي الصفات - ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، وهكذا فرارًا منهم من تعدد القديم. ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل، لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا عدم السواد عن جرم مثلًا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة. قال في مراقي السعود: وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزليَ الحق (انظر أضواء البيان ٢/٢٧٧) .
[ ١٢٤ ]
الإجماع السادس
وأجمعوا على أن١ أمره ﷿ وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٢، ففرق تعالى بين خلقه وأمره.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . ٢ سورة الأعراف آية: (٥٤) . ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الله متصف بصفة الكلام وأنه سبحانه لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وقد خالف في ذلك المبتدعة من الجهمية والمعتزلة، وسائر الفرق الضالة. (انظر أقوال الناس في مسألة الكلام في شرح الطحاوية ص١٠٦، والصواعق ٢/٢٨٦، وفتح الباري ١٣/٤٩٣) . ولقد عقد الإمام أحمد فصلًا في كتابه "الرد على الجهمية" عَنوَن له من مفهوم الآية السابقة فقال: "باب بيان ما فصل الله بين قوله وخلقه وأمره" ثم ذكر أن الله ﷾ إذا سمى الشيء الواحد باسمين، أو ثلاثة أسامي جاء به مرسلًا مفصلًا، وإذا سمى شيئين مختلفين لا يدعهما مرسلين حتى يفصل بينهما. من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾، فهذا شيء واحد سماه بثلاثة أسامي وهو مرسل، ولما كان الخلق غير الأمر فصل بينهما فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وهذا يدل على أن الخلق بخلاف الأمر الذي هو صفة من صفات ذاته". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص٣٤)، وقال في رسالة السنة: "والقرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر". (انظر ص٧٦، وانظر كتاب السنة أيضًا لعبد الله ابن الإمام أحمد ص٣٣- ٤٠) . كما ذكر البخاري هذه الآية في بابي ٣٠، ٥٦ من كتاب التوحيد وعقب عليها في الباب الأخير بقول ابن عيينة: "بين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ . قال ابن حجر: "وسبق ابن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي وتبعه الإمام أحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم". (انظر فتح الباري ١٣/٥٣٣) . وقال سفيان بن عيينة: "أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: "القرآن كلام الله وليس بمخلوق". (رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد ص١١٧)، وقال ابن أبي عاصم: "والقرآن كلام الله ﵎ تكلم الله به ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه". (انظر السنة لابن أبي عاصم ٢/٦٤٥) . وقال ابن تيمية: "إن مذهب السلف وأهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة وكان من التابعين الأعيان وقال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك". (انظر مجموع الفتاوى (٣/٤٠١) . ويقول أيضًا: "إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء بكلام يقوم به، وهو متكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديمًا، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٢٩٦، وانظر أيضًا باب الرد على الجهمية في شرح السنة للبغوي ١/٨١، والشريعة للآجري ص٧٥، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٢٢١- ٣٠٦، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ص١٠٦ ضمن الرسائل المنيرية، ومختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٧٧- ٣٣٢، وشرح الطحاوية ص١١٥، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/١٣٢- ١٤٣) .
[ ١٢٥ ]
وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، فبين بذلك تعالى أن الأشياء المخلوقة تكون شيئًا بعد أن لم تكن بقوله وإرادته.
وأن قوله غير الأشياء المخلوقة من قبل أن٢ أمره تعالى للأشياء وقوله لها كوني، لو كان مخلوقًا لوجب أن يكون قد خلقه بأمر آخر، وذلك القول لو كان مخلوقًا (لكان مخلوقًا) ٣ بقول آخر، وهذا يوجب على قائله أحد شيئين: إما أن يكون كل قول محدث قد تقدمه قول محدث إلى ما لا نهاية له، وهذا قول أهل الدهر بعينه، أو يكون ذلك القول حادثًا بغير أمره ﷿ له، فبطل معنى الامتداح بذلك٤.
وقد نص على هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بحضرة أوليائه من الصحابة وأعدائه من الخوارج لما أنكروا عليه التحكيم فقال: والله ما حكمت مخلوقًا وإنما حكمت كلام الله٥، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة الذين يوالونه، ولا أحد من الخوارج الذين يعادونه، ولا روي عن أحد منهم خلاف له في ذلك.
_________________
(١) ١ سورة يس آية: (٨٢) . استدل الأشعري بهذه الآية أيضًا على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وقد استدل بها البخاري أيضًا للغرض نفسه في كتابه خلق أفعال العباد، وذكرها أيضًا عقب استدلاله بالآية السابقة التي استدل بها الأشعري. انظر كتابه ص١٣٦. كما بوب البخاري في الصحيح بما يشبه هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر كتاب التوحيد باب ٢٩، والإبانة ص١٩. ووجه الاستدلال من الآية: أن الله خلق الخلق بقوله: "كن" فلا يمكن أن يكون مخلوقًا، لأن المخلوق لا يخلق، وهو أمر مسلم به. وقال ابن أبي حاتم: "حدثنا أبي قال: قال أحمد بن حنبل دل على أن القرآن غير مخلوق حديث عبادة: أول ما خلق الله القلم فقال اكتب الحديث. قال: إنما نطق القلم بكلامه لقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قال: فكلام الله سابق على أول خلقه فهو غير مخلوق". (انظر فتح الباري ١٣/٤٤٣) . ٢ ساقطة من (ت) . ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) . ٤ ما ذكره الأشعري هنا أشار إليه في الإبانة ص٢٠ وما بعدها، وإلزامه لهم بما ألزمهم به حق لا يستطيعون الفرار منه، ولقد ألزمهم الربيع بن سليمان بشيء من ذلك أيضًا فقال: "خلق الله الخلق كله بقوله "كن" فلو كان "كن" مخلوقًا لكان قد خلق الخلق بمخلوق وليس كذلك". (انظر فتح الباري ١٣/٤٤٣، وانظر أيضًا الرد على الجهمية للإمام أحمد ص٣٦) . ٥ قال اللالكائي: "روي عن علي ﵁ أنه قال يوم صفين ما حكمت مخلوقًا، وإنما حكمت القرآن، ومعه أصحاب رسول الله ﷺ ومع معاوية أكثر منه فهو إجماع بإظهار وانتشار وانقراض عصر من غير اختلاف ولا إنكار". ثم قال: "وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود مثله". (انظر أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢٢١) . ثم ساق اللالكائي ثلاث روايات فيها نسبة هذا القول إلى علي اثنتان من طريق "عمرو بن جميع" وقد كذبه ابن معين، وقال الدارقطني وجماعة: متروك الحديث، وقال ابن عدي: يتهم بالوضع، وقال البخاري منكر الحديث. (انظر ميزان الاعتدال ٣/٢١٥ طبعة الحلبي بالقاهرة) . والأثر الثالث فيه عتبة بن السكن. قال فيه الدارقطني: متروك الحديث. (انظر ميزان الاعتدال ٣/٢٨) . وقد ذكره البيهقي بالإسناد نفسه وقال عقبه: "هذه الحكاية شائعة فيما بين أهل العلم ولا أراها شاعت إلا عن أصل". (انظر الأسماء والصفات ص٣١٣) . قلت: هذا غير لازم، وقد شاعت الأحاديث الموضوعة والباطلة، ومع هذا فليس لها أصل، وشيوع الشيء لا يدل على صحته، والعبرة في ذلك ثبوت الدليل وصحته. وهذه الآثار مع ضعف أسانيدها إلا أن معناها ثابت وصحيح. وبعد هذا العرض، وبيان مذهب السلف في هذه الصفة يتبين لنا أن ما عليه الأشاعرة اليوم من قولهم بأن القرآن عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، خطأ واضح، ولم يكن السلف يعتقدون ذلك، ومعهم الأشعري بعد عودته إلى المذهب السلفي. ويذهب ابن تيمية إلى أن ابن كلاب هو أول من قال في الإسلام هذه المقالة، فأخذ بذلك بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة، ثم جاء بعده أبو الحسن الأشعري فسلك مسلكه في إثبات أكثر الصفات وفي مسألة القرآن أيضًا، واستدرك عليه قوله: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، وقال المناسب أن نقول: عبارة عن كلام الله. (انظر مجموع الفتاوى ١٢/٢٧٢) . أما ما استقر عليه الأشعري وكانت عليه خاتمته في الاعتقاد هو ما ذكره هنا وفي الإبانة والمقالات من أن القرآن كلام الله حقيقة، وكتبه أمامنا ناطقة بذلك وتأمل قوله في الإبانة: "والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال ﷿: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ". (الإبانة ص٢٩) . وتأمل أيضًا قوله: "ولا يجوز أن يقال أن شيئًا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق" (الإبانة ص٣٠) . وعليه أقول: ينبغي لكل أشعري يسلك مذهب شيخه أن يقف على معتقده الذي لقي الله عليه وأن يقول به ولا يفتري عليه فينسب إليه ما تبرأ منه، وقد بينت ذلك في المقدمة.
[ ١٢٦ ]
الإجماع السابع
وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأن له تعالى (يدين مبسوطتين) ١ وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحًا، وأن يديه تعالى غير نعمته٢.
_________________
(١) ١ في الأصل و(ت): "يدان مبسوطتان" بالرفع، وهي اسم أن فتكون منصوبة وعليه فما أثبته في صلب النص هو الصواب. ٢ يستدل الأشعري على إثبات صفة اليد لله ﷿ بما أشار إليه من آيات، وهكذا فعل الدارمي في رده على بشر المريسي لما قال بأن اليد بمعنى النعمة. (انظر كتابه ص٢٥، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ص٥٣- ٩٠، والأسماء والصفات للبيهقي ص٣١٤- ٣٤١، والرد على الجهمية لابن مندة ص٦٨- ٩٤، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٣٩٤) . كما رد الأشعري أيضًا في الإبانة على من ذهب إلى أن اليد بمعنى النعمة وقرر أنهم لا يجدون دليلًا لا من اللغة، ولا من الإجماع. (انظر ص٣٤- ٣٨) . كما تعرض لهم الباقلاني في التمهيد ورد عليهم بعد حكايته لقولهم بقوله: "يقال لهم: هذا باطل، لأن قوله "بيدي" يقتضي إثبات يدين هما صفة له، فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها، على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم، وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وغيره لا تحصى ". (انظر كتابه التمهيد ص٢٠٩) . وقال اللالكائي: سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله ﷿ الوجه والعينين واليدين، ثم ساق ما يؤيد ذلك من القرآن والسنة. (انظر شرح اعتقاد أهل السنة ٣/٤١٢- ٤٣٤، وانظر تتمة الكلام حول صفة اليد في الصفحات التالية) .
[ ١٢٧ ]
وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١.
الإجماع الثامن
وأجمعوا على أنه ﷿ يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفًا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالًا، وإنما يكون المجيء حركة وزوالًا إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فإذا ثبت أنه ﷿ ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة٢، ألا ترى
_________________
(١) ١ سورة ص آية: (٧٥) . استدل الأشعري بهذه الآية أيضًا على إثبات صفة اليد لله ﷿ وقد ذكر الاستدلال منها كما ترى. وقال الآجري: "ويقال للجهمي الذي ينكر أن الله ﷿ خلق آدم بيده كفرت بالقرآن ورددت السنة، وخالفت الأمة". (انظر كتابه الشريعة ص٣٢٣) . ومجيء الآية على هذا التركيب يدل دلالة قاطعة على ثبوت هذه الصفة وبطلان ما ذهب إليه أهل التأويل فيها، وفي ذلك يقول ابن القيم: "إن هذا التركيب المذكور في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة؛ لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك "كتبت بالقلم"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز". (انظر الصواعق المرسلة ٢/١٥٧) . ومما يؤيد ثبوت هذه الصفة لله كغيرها من الصفات اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوعه، وتأمل في ذلك في الآيات التي جاء فيها ذكر اليد لله، وكذلك في سنة الرسول ﷺ حيث ذكر أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، وكذلك الأحاديث التي جاء فيها الهز والقبض وأخذ الذرية من ظهر آدم وما إلى ذلك. (انظر ما أحلناك عليه سابقًا في كتاب التوحيد لابن خزيمة والأسماء والصفات للبيهقي والصواعق لابن القيم) . وقال ابن حجر: "لو كانت اليد بمعنى القدرة، لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له علي، وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ دل على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان؛ لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق، لأن النعم مخلوقة". (انظر فتح الباري ١٣/٢٩٤) . وقال ابن التين في قول النبي ﷺ: "وبيده الأخرى الميزان" يدفع تأويل اليد هنا بمعنى القدرة، وكذا قوله في حديث ابن عباس: "أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين". (المرجع السابق، نفس الصفحة) . ولقد بوب البخاري في الصحيح لهذه الآية في كتاب التوحيد باب ١٩ وذكر تحتها ستة أحاديث لا تحتمل تأويلًا على الإطلاق. ٢ سبق القول أن إطلاق مثل هذه الألفاظ على الله ﷿ لا يجوز نفيًا أو إثباتًا. (انظر ما تقدم ص٢٢٦- ٢٢٧) .
[ ١٢٨ ]
أنهم لا يريدون بقولهم: جاءت زيدًا الحمى أنها تنقلت إليه، أو تحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسمًا ولا جوهرًا، وإنما مجيئها إليه وجودها به١.
وأنه ﷿ ينزل إلى السماء٢ الدنيا كما روي عن النبي ﷺ، وليس نزوله نقله، لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقد نزل الوحي على النبي ﷺ عند من خالفنا٣.
_________________
(١) ١ ينص الأشعري في هذا الإجماع على إثبات صفة المجيء لله ﷾ كما نطق بذلك القرآن الكريم في أكثر من موضع، وصح ذلك عن رسول الله ﷺ كما جاء في حديث أبي هريرة: "إذا كان يوم القيامة نزل الرب إلى العباد" أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٤٨١ وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا في العلو. (انظر مختصر العلو ص١١٠) . وفي حديث الرؤية الطويل قول الرسول ﷺ: "فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفونه" أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/٧٩، وكتاب الرقاق باب ٥٢ ج٧/٢٠٥، ومسلم في كتاب الإيمان باب ٨١ ج١/١٦٣. وقال الحافظ أبو نعيم وهو يذكر ما أجمع عليه السلف: " وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفًا صفًا كما قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (انظر الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية ص٣٥، ٣٦) . كما تعرض ابن القيم لهذه الصفة، وأبطل تأويل المعطلة لها من عشرة أوجه أذكر منها: أن عطف مجيء الملك في الآية على مجيء الله ﷾ يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه سبحانه حقيقة كما أن مجيء الملك حقيقة، وهكذا الأمر في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ حيث فرق سبحانه بين إتيان الملائكة، وإتيانه، وإتيان بعض الآيات، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا. انظر مختصر الصواعق ٢/١٠٦- ١٠٨) . وذكر الأشعري هنا أن مجيء الله ليس كمجيء البشر، بمعنى أنه لا يترتب عليه ما يترتب على مجيء البشر، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أما ما ذكره من كون مجيئه ليس حركة ولا انتقالًا، فهذا شيء لم يتكلم السلف فيه، ولم يوردوه في كتبهم؛ لأن الأصل الذي اعتمدوا عليه في ذلك - وهو إثبات الصفات دون تكييف - رفع عنهم البحث في ذلك. (انظر ما سبق ذكره في التعليق على الإجماع الثاني) . ويقول الهراس وهو يعرض لمسألة نزول الرب عند ابن تيمية - أن ابن تيمية يؤمن بنزول الرب حقيقة من على العرش، ثم يطرح سؤالًا موجهًا إلى كلام ابن تيمية: هل يجوز عليه الحركة والانتقال؟، ثم يجيب قائلًا: "لم أجد لابن تيمية نصًا يفيد هذا، بل مذهبه الصريح الذي يذكره في عامة كتبه أن الله فوق سماواته على عرشه بائن عن خلقه، وأنه لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، كما أنه لا يحل في شيء منها". (انظر كتابه ابن تيمية السلفي ص١٥٦) . وما يقال في النزول يقال في المجيء، فالكل من باب واحد، وسيأتي الكلام على صفة النزول. ٢ في (ت): "سماء" بدون أل. ٣ ذهب أهل السنة والجماعة إلى ما ذكره الأشعري من أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ. قال ابن خزيمة: "باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة" ثم ساق الأحاديث. (انظر كتاب التوحيد ص١٢٥) . وقال ابن أبي زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يروا فيه حدًا". (انظر أصول السنة ورقة ٤/ ب، وانظر السنة لابن أبي عاصم ١/٢١٦، والشريعة للآجري ص٣٠٦، واعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٤١٨، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص١١٢، ومختصر العلو للذهبي ص١٢٨) . كما نص على إجماع السلف على ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية. (انظر الحموية الكبرى ص٤٦) . وقد ألف الدارقطني كتابًا سماه "أحاديث النزول" تضمن ستة وتسعين حديثًا وأثرًا في إثبات هذه الصفة، كما ألف ابن تيمية كتابًا سماه "شرح حديث النزول" قرر فيه هذه الصفة على ضوء عقيدة السلف ورد على المخالفين. وقال الذهبي: "وأحاديث نزول الباري متواترة قد سقت طرقها وتكلمت عليها بما أسأل عنه يوم القيامة" (انظر مختصر العلو ص١١٠) . وقد ذكر ابن القيم تسعة وعشرين صحابيًا رووا أحاديث النزول عن رسول الله ﷺ. (انظر الصواعق ٢/٢٣٠، ولوامع الأنوار البهية ١/٢٤٢) . وقال ابن حجر آل بوطامي: " والحاصل أن حديث النزول حديث صحيح فقد رواه نحو من ثمانية وعشرين صحابيًا عن النبي ﷺ واشتملت عليه كتب الإسلام كالبخاري ومسلم ومسند أحمد وموطأ مالك، ورواه علماء الحجاز والعراق، وأطبق على اعتقاد نزوله بلا كيف جميع علماء الأمصار، كالإمام أبي حنيفة ومالك والسفيانين والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وسائر المحدثين والفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا أهل التعطيل والتأويل هدانا الله وإياهم سواء السبيل". (انظر كتابه العقائد السلفية ص٧٦) . وقد ذهب الخلف إلى تأويل هذه الصفة قائلين: إن المراد من النزول نزول أمره ورحمته، وقد رد عليهم أعلام السلف في ذلك، قال الدارمي في رده على بشر المريسي: " وهذا أيضًا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان " (انظر كتابه ص٢٠) . وقد حاول المعطلة الاعتراض على أحاديث النزول من وجه آخر قائلين: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين، ولقد رد عليهم ابن رجب الحنبلي بعد حكاية قولهم قائلًا: "ومعلوم قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ﷺ أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا بعقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين". (انظر فضل علم السلف على الخلف ص٦) . كما رد عليهم ابن تيمية في شرح حديث النزول ص٦٨- ١٠٦، والهراس في تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢٨.
[ ١٢٩ ]
الإجماع التاسع
وأجمعوا على أنه ﷿ يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم على غضبه شيء١.
وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ
_________________
(١) ١ ما ذكره الأشعري هنا مخالف لما عليه سلف هذه الأمة، ولم يجمعوا مطلقًا على ما ذكره؛ لأنهم كما ذكرت عنهم فيما مضى آمنوا بجميع الصفات، وفوضوا علم الكيفية إلى الله تعالى. ولعل الأشعري هنا أراد أن يفسر الصفة، أو يذكر شيئًا من لوازمها أما إذا كان قصده تأويل الرضى بالنعيم، والغضب بالعذاب فهذا لم يصح عن السلف، بل هو تأويل باطل يأباه منهج السلف الذي رجع إليه في آخر حياته. والقول الحق في ذلك وما عليه سلف الأمة ما ذكره الطحاوي في قوله: "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى" وعلق شارح الطحاوية على قوله بذكر بعض الآيات التي تثبت هاتين الصفتين، ثم قال: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا، والعداوة والولاية، والحب والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى". (انظر شرح الطحاوية ص٤١١، ٤١٢) . وقال ابن القيم: "والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة، بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كل واحد غير الآخر، وكان من دعاء النبي ﷺ: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك،،أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". فتأمل ذكر استعاذته ﷺ بصفة "الرضا" من صفة "الغضب" وبفعل "المعافاة" من فعل "العقوبة" فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره" (انظر مدارج السالكين ١/٢٥٤، طبعة دار الكتب / بيروت ١٣٩٢هـ) وقال ابن حجر آل بوطامي: "ومن الصفات التي جاء بها القرآن والسنة، وأثبتها السلف صفة الرضا لله تعالى ، كما ورد اتصافه بالغضب، ثم قال: قال الخلف: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهذا نفي للصفة". (انظر العقائد السلفية ص٨٦، ٨٧) .
[ ١٣٠ ]
مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ١ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢.
وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه ﷿ لم يزل مستوليًا على كل شيء.
وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى
_________________
(١) ١ سورة تبارك آية: (١٦) . ٢ سورة فاطر آية: (١٠) . ينص الأشعري في هذا الإجماع على أن الله فوق سماواته على عرشه، كما نطق بذلك القرآن، وآمن وصدق بذلك أهل الهدى والإيمان، قال الإمام أحمد وهو يذكر مذهب أهل السنة: " والماء فوق السماء العليا السابعة وعرش الرحمن ﷿ فوق الماء والله ﷿ على العرش" (انظر رسالة السنة ص٧٤، ٧٥، وكذلك نقل هذا الإجماع عن السلف اللالكائي في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٩٦٩، وانظر التوحيد لابن خزيمة ص١٠١، والأسماء والصفات للبيهقي ص٤٠٥- ٤٣٠، والحموية الكبرى لابن تيمية ص٢٣- ٣٢، وشرح الطحاوية ص٢٢٩- ٢٣٥) . كما بوب البخاري في الصحيح لذلك وأثبت العرش وعلو الله عليه، ونقل عن أبي العالية قوله: استوى إلى السماء: ارتفع، وعن مجاهد: استوى: علا على العرش. (انظر كتاب التوحيد باب ٢٢ ج٨/١٧٥) . وقد أفرد كل من الإمامين الجليلين الذهبي وابن القيم مصنفًا في هذه المسألة جمع الأول في كتابه نقولًا عن ثمانية وستين ومائة عالم من علماء السلف ذكرهم حسب طبقاتهم وتاريخ وفياتهم وسمى كتابه "العلو للعلي الغفار"، أما الثاني فذكر العلماء الذين أثبتوا هذه الصفة من كل فن على حدة، فذكر أقوال المفسرين والفقهاء وعلماء اللغة وغيرهم حتى استدل بأقوال الطيور والحشرات كالنمل وسمى كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية". ومع هذه النقول الكثيرة عن السلف في إثبات الاستواء ذهب الخلف إلى إنكاره وتأويله، وسيأتي توضيح ذلك في الصفحة التالية. ٣ سورة طه آية: (٥) . وصف الله ﷾ نفسه في سبع آيات من كتابه بأنه استوى على العرش كما جاء في هذه الآية، ومع هذا ذهب المعطلة إلى تأويلها قائلين: إن استوى بمعنى استولى، وهذا في الحقيقة تحريف لكتاب الله ورد له، وقد بين الأشعري فساد هذا التأويل وأبطله كما ترى، وكذلك فعل في الإبانة ص٣٠، ٣٤، كما رد عليهم الدارمي وأبطل تأويلهم لذلك بقوله: "فهل من مكان لم يستول عليه ولم يعله حتى خص العرش بالذكر من بين الأمكنة والاستواء ثم قال: هذا محال من الحجج وباطل من الكلام لا تشكون أنتم - إن شاء الله - في بطوله واستحالته، غير أنكم تغالطون به الناس". (انظر الرد على الجهمية ص١٨) . وسئل الباقلاني: هل تقولون إنه في كل مكان؟ قال: "معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (انظر كتابه التمهيد ص ٢٦٠) وقال الذهبي - ﵀ - كلمة حكيمة بعد ذكره لكثير من الآيات والآثار التي تثبت فوقية الله واستواءه على العرش: "والقرآن مشحون بذكر العرش وكذلك الآثار بما يمتنع أن يكون مع ذلك، أن المراد بذلك الملك (أي: الاستيلاء)، فدع المكابرة والمراء، فإن المراء في القرآن كفر ما أنا قلته، بل المصطفى ﷺ قاله" (انظر مختصر العلو ص١٠٠) . كما تعرض ابن القيم في الصواعق لذلك وأبطل تأويل المعطلة لهذه الصفة من اثنين وأربعين وجهًا. (انظر كتابه ٢/١٢٦- ١٥٣) . وقال الهراس: "أخبر الله عن استوائه على عرشه في سبع مواضع من القرآن، وكلها بلفظ "استوى" مما يدل أعظم دلالة أنه أراد بالاستواء حقيقة معناه الذي هو العلو والارتفاع، فإن فعل الاستواء إذا عدي بالحرف "على" لا يفهم منه إلا ذلك، ولهذا روى البخاري عن أبي العالية ومجاهد تفسيره بالعلو والارتفاع". (انظر تعليقه على التوحيد لابن خزيمة ص١٠١) .
[ ١٣١ ]
كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله ﷿ على ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا.
وأنه له ﷿ كرسيًا دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وَسِعَ
_________________
(١) ١ سورة الحديد آية: (٤) . يستدل الأشعري بهذه الآية على أن الله ﷿ مع استوائه على عرشه لا يغيب عنه شيء من أطراف مملكته، أي أن علمه بكل شيء محيط. وقد احتج المعطلة على نفي الاستواء بهذه الآية وأمثالها، وقد رد عليهم الإمام أحمد بقوله: "إنما يعني بذلك العلم،؛ لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان" (انظر رسالة السنة ص٧٥) . وقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني إلا الله بعلمه رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم يعني الله بعمله "سادسهم" ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص٥٢) . وقال الدارمي في رده على المعطلة: " فاحتج بعضهم فيه - أي في الاستواء - بكلمة زندقة استوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ الآية" قلنا: هذه الآية لنا عليكم لا لكم إنما يعني أنه حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ" (انظر كتابه الرد على الجهمية ص١٩) . وقال الإمام أبو عمر الطلمنكي في كتابه: "الوصول إلى معرفة الأصول": "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء". (انظر بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ٢/٣٨) . وقال ابن تيمية: "وليس معتنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان". (انظر العقيدة الواسطية مع شرحها ص١٣٤. وانظر أيضًا مختصر الصواعق لابن القيم ٢/٢٦٢- ٢٧٩) .
[ ١٣٢ ]
كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١ وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه.
الإجماع العاشر
وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: (٢٥٥) . وقد أخرج ابن مندة بسنده إلى ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله ﷿ هذا فقال: "كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله". (انظر كتابه الرد على الجهمية ص٤٥، ٤٦) . وقد أجمع أهل السنة على أن لله كرسيًا هو موضع قدميه، قال الإمام أحمد في "رسالة السنة": "والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن ﷿ فوق الماء، والله ﷿ على العرش، والكرسي موضع قدميه". (انظر ص٧٤، ٧٥) . وقال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق" وعلق شارح الطحاوية على ذلك بقوله: "وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وغيره، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الحاكم عن ابن عباس أنه قال: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى". (انظر شرح الطحاوية ص٢٢٥، ٢٢٦)، وحديث الحاكم في المستدرك ٢/٢٨٢ موقوفًا على ابن عباس. قال الحاكم بعد روايته هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن أبي زمنين: "باب في الإيمان بالكرسي"، ثم قال: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين" (انظر كتابه أصول السنة ورقة ٣/ ب) ٢ ذهب أهل السنة والجماعة إلى وصف الله ﷿ بما وصف به نفسه أو جاء على لسان رسوله ﷺ ولم يزيدوا على ذلك شيئًا، كما لم ينقصوا منه شيئًا، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك عند الكلام على الإجماع الأول، ويوضح هذا أن الله ﷾ أخبرنا عن نفسه وبما هو عليه سبحانه من صفات الجلالة والكمال واعتقد ذلك خيار هذه الأمة، وكل خير في اتباع من سلف. أما ما نص عليه الأشعري من تركهم التكييف لصفات الله فهذا حق لا مرية فيه، وما كان عليه سلف الأمة أكبر دليل على ذلك، وما قاله ربيعة ومالك في الاستواء هو من هذا الباب، ومن قول أحمد بن حنبل: "لا يتجاوز القرآن والحديث"، وهذا يعني الوقوف عند حدود النصوص ومعرفة الصفات وما تدل عليه دون البحث عن كيفياتها. وقال الحافظ الصابوني: "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالةوالنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، ولا يعتقدون تشبيهًا" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٠٦ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) . ويحكي ابن تيمية مذهب أهل السنة في ذلك، ويؤكد أنهم لا يكيفون ولا يمثلون صفات الله بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه ﷾. (انظر في ذلك شرح العقيدة الواسطية ص٢١- ٢٦، وانظر رسالة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات) .
[ ١٣٣ ]
الإجماع الحادي عشر
وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١.
وقد بين معنى ذلك النبي ﷺ ودفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عيانًا" ٢.
_________________
(١) ١ سورة القيامة آية: (٢٢، ٢٣) . وهاتان الآيتان نص في رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة، ولقد وردت روايات كثيرة عن أعلام المفسرين من السلف بذلك. (انظر تفسير الطبري ٢٩/١٩١- ١٩٣) . ويذكر البيهقي وجه الدليل من الآية، ويبين أن لفظ "ناضرة" من النضرة بمعنى السرور، ولفظ "ناظرة" يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء: نظر التفكر والاعتبار كقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ونظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، ونظر التعطف والرحمة كقوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، ونظر الرؤية كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، والثلاثة الأول غير مرادة أما الأول: فلأن الآخرة ليست بدار الاستدلال، وأما الثاني: فلأن في الانتظار تنغيصًا وتكديرًا، والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأما الثالث: فلا يجوز، لأن المخلوق لا يتعطف على خالقه، فلم يبق إلا نظر الرؤية، وانضم إلى ذلك أن النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه، لأنه هو الذي يتعدى "بإلى"، وإذا ثبت أن "ناظرة" بمعنى "رائية" اندفع قول من زعم أن المعنى: "ناظرة إلى ثواب ربها"، لأن الأصل عدم التقدير. (انظر الاعتقاد للبيهقي ص٤٥، ٤٦، وانظر أيضًا الرد على الجهمية للإمام أحمد ٤٤- ٤٦، والتوحيد لابن خزيمة ص١٨٠، والإبانة للأشعري ص١٢، ١٣، وحادي الأرواح لابن القيم ص٢٠٣) . كما بوب البخاري في الصحيح مستدلًا على ثبوت الرؤية ووقوعها بهذه الآية، ثم تلاها بالأحاديث. (انظر كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/١٧٦) . وقد نص على إجماع السلف في هذه المسألة أيضًا الإمام أحمد في رسالة السنة. (انظر ص٧٦) . وقال ابن أبي زمنين: "ومن قول أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وأنه يحتجب عن الكفار والمشركين فلا يرونه، وقال ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (انظر أصول السنة ورقة ٥/ ب) . وقال ابن أبي شامة: "أطبق أهل السنة على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الدار الآخرة خلافًا للمعتزلة، والدلائل السمعية دالة على حصول الرؤية" (انظر ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري ورقة ٢/ أ) . وقال البغدادي: "وأجمع أهل السنة على أن الله تعالى يكون مرئيًا للمؤمنين في الآخرة" (انظر الفرق بين الفرق ص٣٣٥) . وقال ابن القيم: "اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة رسول الله ﷺ عاكفون" (انظر حادي الأرواح ص١٩٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "إنكم سترون ربكم عيانًا". (انظر كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/١٧٦) .
[ ١٣٤ ]
وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته" ١. فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه.
ولم يرد النبي ﷺ أن الله ﷿ مثل القمر من قبل أن النبي ﷺ شبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه الله تعالى بالقمر وليس يجب إذا رأيناه تعالى أن يكون شبيهًا لشيء مما نراه، كما لا يجب إذا علمناه أنه يشبه شيئًا نعلمه، ولو كان يجب إذا رأيناه ﷿ أن يكون مثل المرئيين منا لوجب إذا كان الله رائيًا لنا وعالمًا بنا أن يكون مثل الرائين العالمين منا٢.
الإجماع الثاني عشر
وأجمعوا على أنه ﷿ غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى٣ يضل من يشاء
_________________
(١) ١ انظر ما يشير إلى معنى هذا الحديث في البخاري كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/ ١٧٦، وكتاب المواقيت باب ١٦ ج١/١٣٩، وأبو داود في كتاب السنة باب ٢٠ ج٥/٩٧، والترمذي في كتاب الجنة باب ١٦ ج٤/٦٨٧، ومسند أحمد ٣/٢١٦، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣ ج١/٦٣. وأحاديث الرؤية كثيرة جدًا أخرجها المحدثون بألفاظ مختلفة وبأسانيد متعددة. (انظر ما أحلناك عليه سابقًا، وانظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٦٧- ١٩٦) . وقال ابن مندة: "ذكر وجوب الإيمان برؤية الله ﷿ ثم ساق ثمانية وعشرين حديثًا صريحة في الرؤية" (انظر كتاب الإيمان ٣/٧٥٨- ٧٨١ والرد على الجهمية له أيضًا ص٩٥- ١٠٣، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٤٤١- ٤٩٦) . وقال ابن بطال عن أحاديث الرؤية: "تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف" (انظر فتح الباري ١٣/٤٢٦) . وقال شارح الطحاوية: "وأما الأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على الرؤية فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن" (انظر الطحاوية ص١٣٤) . وقال ابن حجر: "جمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين وأكثرها جياد، وأسند الدارقطني عن يحيى بن معين قال: عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية صحاح". (انظر فتح الباري ١٣/٤٣٤) . ٢ يبين الأشعري هنا مراد النبي ﷺ بقوله: "كما ترون القمر ليلة البدر"، ويقرر أن المراد من هذا التشبيه إنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، لأن الله ليس كمثله شيء". (انظر في ذلك شرح العقيدة الواسطية ص١٢٣) . ويقول شارح الطحاوية: "وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي". (انظر ص١٣٥، وانظر الإبانة للأشعري ص١٧) . ٣ ساقطة من (ت) .
[ ١٣٥ ]
ويهدي١ من يشاء، (ويعذب من يشاء، وينعم على من يشاء) ٢ ويعز من يشاء، ويغفر لمن يشاء٣، ويغني من يشاء٤.
وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، ولا لأفعاله علل؛ لأنه مالك غير مملوك، ولا مأمور ولا منهي٥.
_________________
(١) ١ في (ت): "ويهدي وينعم على من يشاء". ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) . ٣ ساقطة من (ت) . ٤ يستهل الأشعري كلامه عن القدر بالرد على المعتزلة القائلين: بوجوب فعل الأصلح للعبد، حيث ذهبوا إلى أن الله لا يضل الكافرين، لأن الكفر قبح والله لا يفعل القبيح، ولذلك يجب عليه فعل الأصلح لعباده. (انظر تفصيل مقالتهم في شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص١٣٢- ١٣٤، ومقالات الإسلاميين ١/٣٢٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/٥٠، والطحاوية ص٨٧) . أما أهل السنة والجماعة فقد ذهبوا إلى ما ذكره الأشعري عنهم، قال الطحاوي: "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا". (انظر الطحاوية ص٨٦، والفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٠، ٣٤١، وانظر منهاج السنة لابن تيمية ١/١٧١)، ويقول ابن القيم: "وقد اتفقت كل رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه". (انظر شفاء العليل ص١٤٢، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٤- ٣٣٥) . ٥ ما ذكره الأشعري هنا من إجماع أهل السنة على أنه ليس لأفعال الله علل غير سليم، بل هو مذهب له ولبعض الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وابن حنبل. (انظر في ذلك مجموع الفتاوى ٨/٨٣)، ولم أقف على نص عن الأشعري يفيد رجوعه عن هذا القول، وبالتالي فهذا القول أثر من آثار الكلابية التي اعتقدها فترة من الزمن، أما أهل السنة وكذلك المعتزلة فيقولون بالحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى. يقول القاضي عبد الجبار: "إن الله ابتدأ الخلق لعلة، ولا يقال خلقه لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا". (انظر المغني ١١/٩٢) . ويقول ابن تيمية: "والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط، بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم، فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٤٤) . ويقول ابن القيم: "إن الله لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلام الله ورسوله على ذلك". (انظر شفاء العليل ص٤٠٠) . كما تعرض الشاطبي لهذه المسألة، وقرر رأي أهل السنة فيها، وأكد أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل، ورد على الرازي في مخالفته لذلك، واستدل بقوله الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (انظر الموافقات ٢/٦) . ومن الجدير بالذكر هنا أن أذكر الفرق بين قول المعتزلة والسلف رغم اشتراكهما في القول بالحكمة والتعليل، وذلك أن السلف يؤمنون بأن الحكمة صفة لله غير مخلوقة، أما المعتزلة فهي عندهم مخلوقة منفصلة، وتعود على العباد. (انظر مجموع الفتاوى ٨/٣٥، ٣٦، ٨٩- ٩٤) . ولعله من المناسب هنا أن أذكر دافع الأشعري، ومن ذهب مذهبه إلى هذا القول، وذلك أنهم قالوا: لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها، وهذا محال وعليه فلا نقول ذلك، وهذه شبهة باطلة؛ لأن مالك الملك ليس بحاجة إلى غيره، ويلزم على قولهم هذا أن لا يحدث شيئًا في الوجود وأن كل ما حدث حدث بغير محدث، وهذا من أبين الباطل. (انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى ٨/٨٣، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٨٠) . والذي يظهر أن الأشعري أخذ هذا القول من ابن كلاب، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا من أصول ابن كلاب ومن تابعه. (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٢) .
[ ١٣٦ ]
وأنه يفعل ما يشاء، (ويفضل على من يشاء، كما قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ٢ وبين تعالى أنه ليس يجري في أفعاله مجرى خلقه بقوله ﷿: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤.
الإجماع الثالث عشر
وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه، وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به، أو ندبهم إلى فعله، أو أباحه لهم، وقد دل ﷿ على ذلك بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت)، والآية من سورة الجمعة (٤) . ٢ سورة الأعراف آية: (١٥٦) . ٣ سورة الأنبياء آية: (٢٣) . ٤ سورة البروج آية: (١٦) . يؤكد الأشعري ما سبق أن قرره في بداية هذا الإجماع، وهي مسألة الهدى والضلال، ويستدل بهذه الآيات على أن الله ﷾ يفعل ما يشاء، ولا يرد على فعله ما يرد على فعل العبيد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن أكرمه وهداه وأدخله الجنة فبفضله ورحمته، ومن أضله وأدخله النار فبعدله وحكمته. ٥ سورة الحشر آية: (٧) . يقرر الأشعري في هذا الإجماع مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الحسن والقبح، ويبين أن القبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع. وذهبت المعتزلة والكرامية: إلى أن الحسن والقبح راجع إلى العقل وأوجبوا على العباد فعل الحسن والكف عن القبيح حتى ولو لم يرد بذلك شرع، يقول الشهرستاني عن المعتزلة: "وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح" (انظر الملل والنحل ١/٤٨، ١٠٣) . ويظهر من كلام الأشعري - كما ذكر ابن تيمية - أن الأشياء في ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة إلا بعد ورود الشرع بالتحسين أو التقبيح، ويميل ابن تيمية إلى أن الشيء قد يشتمل على مصلحة أو مفسدة، أي: يكون حسنًا، أو قبيحًا قبل ورود الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم مشتمل على فساده، لكن لا يلزم من ذلك أن يثاب فاعل المصلحة، أو يعاقب فاعل المفسدة قبل ورود الشرع، فترتيب الثواب والعقاب على الفعل لا يكون إلا بعد ورود الشرع، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٤، ٤٣٥) . وما ذكره ابن تيمية هو الصواب، كما تشهد له الفطرة وتؤيده الطباع السليمة، ولذلك لما أتى الوحي للرسول ﷺ وكان وقتئذٍ غريبًا عليه، وخشي منه على نفسه قالت له زوجته خديجة - ﵂ -: "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم الخ" (انظر البخاري كتاب بدء الوحي ١/٣) . ففهم السيدة خديجة ومعرفتها أن هذه صفات حميدة لو توفرت في شخص حفظ برعاية الله وعنايته دليل على أن الصفات الحميدة تدرك بالعقل وكذلك الحال في القبيحة. وقد يتوهم متوهم أن هناك توافقًا بذلك بين السلف والمعتزلة في هذه المسألة، والأمر ليس كذلك، وذلك أن المعتزلة ترتب الثواب والعقاب على تحسين العقل وتقبيحه قبل ورود الشرع، أما السلف فيقولون: إن الأشياء قد تكون حسنة أو قبيحة قبل ورود الشرع ولكن لا يثبت لها حكم قبل ورود الشرع فالثواب والعقاب مترتب على ما جاء به الشرع ومن جهته فقط، وفي ذلك يقول ابن تيمية أيضًا: "والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم" (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٥) .
[ ١٣٧ ]
الإجماع الرابع عشر
أجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم١ إلى فعله، أو تركه٢.
_________________
(١) ١ في (ت): "دعواهم". ٢ ذهب أهل السنة إلى أن من حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر التسليم المطلق لله ﷿، والرضا بحكمه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . وأخرج أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" المسند ٦/٤٤١ وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الألباني: إسناده صحيح ١/١١٠. ويقول ابن تيمية: "ينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبًا مثل: أن يبتليه بفقر أو مرض، أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع" (مجموع الفتاوى ٨/١٩١) . وتقييد الأشعري الرضا بأحكام الله على ما أمر به، وكذلك ابن تيمية في كلامه السابق يفيد أن ما لم يأمر به فهو غير مرضي له ولا محبوب، وإن كان داخلًا فيما أراده وقضاه؛ لأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وسيأتي تفصيل ذلك. (انظر ما سيأتي ص٢٥٦، ٢٥٨) . ويقول ابن تيمية: "ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، فهذا أصل يجب أن يعتنى به، ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به". (المرجع السابق ص١٩٠) . وعلى هذا أقول: يجب على المرء المسلم أن يصبر ويرضى بما قدره الله عليه ولا يسخط منه شيئًا وهذا في المصائب لا في الذنوب، فالذنوب من فعل العبد واختياره لا يجب الرضا بها، بل عليه الندم والاستغفار وإن كان كل شيء بقدر الله ﷿ وخلقه، فلا يخرج شيء من أفعال عباده عن خلقه حتى العجز والكيس كما هو اعتقاد أهل السنة.
[ ١٣٨ ]
الإجماع الخامس عشر
وأجمعوا على أنه عادل في١ جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك، أم سرنا، نفعنا٢، أو ضرنا٣.
_________________
(١) ١ في (ت) "على". ٢ ساقطة من (ت) . ٣ سبق أن أشار الأشعري في الإجماع الثاني عشر إلى أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وسيأتي ذكره لتقسيم الله لخلقه فرقتين، فرقة في الجنة، وفرقة في السعير. وقد يعترض معترض على مقادير الله ﷿، فنص الأشعري هنا على أن الله عادل في أفعاله كلها. قال الشهرستاني: "وأما العدل، فعلى مذهب أهل السنة: أن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالعدل وضع الشيء في موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف". (انظر الملل والنحل ١/٤٨، وانظر أيضًا شفاء العليل لابن القيم ص٣٧٧) . وذهب المعتزلة إلى أن العدل: هو ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. (انظر الملل والنحل ١/٤٨، والمقالات ١/٢٩٨، ٢٩٩، والإبانة للأشعري ص٤٢) . ومن هنا قالوا: إن الله لا يريد من العباد خلاف ما يأمر به. فالله لا يريد الشر والمعاصي، ولا يقدر شيئًا من ذلك، وعليه فالعبد خالق لأفعال نفسه، ولا دخل لله فيها. والذي دفعهم إلى ذلك تسويتهم بين الإرادة العامة، وهي مشيئته المطلقة، وبين الإرادة الدينية وهي المتضمنة للمحبة والرضا، ولما لم يفرقوا بينهما قالوا: إن الله لا يرضى الكفر ولا يحبه، فهو لا يريده ولا يخلقه. أما المحققون من أهل السنة فهداهم الله إلى الحق وفرقوا بينهما قائلين: إن الإرادة في كتاب الله نوعان: أحدهما: إرادة كونية قدرية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وكقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة هي التي يجب مرادها سواء أحبه الله ورضيه، أم لا. والأخرى: إرادة دينية شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا ومنها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهذه الإرادة لا يجب مرادها، ولذلك تجد الناس يقولون لمن يفعل القبائح هذا ما لا يحبه الله ولا يرضاه. وهذا التقسيم وارد عن أعلام السلف، وبه يزول كل إشكال ويتضح المراد في هذه القضية، كما يظهر خطأ المعتزلة في ذلك ويتضح أن قولهم بأن العبد يخلق فعل نفسه باطل. انظر ذلك بتفصيل في منهاج السنة النبوية ١/٣٥٩، ٣٦٠، وشفاء العليل ص٥٨٥- ٥٩٢، وشرح الطحاوية ص١٩٨، ١٩٩، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٨.
[ ١٣٩ ]
الإجماع السادس عشر
وأجمعوا على أنه تعالى قد١ قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون٢، وقد دل (على) ٣ ذلك٤ بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . ٢ في (ت): "منهم يوم القيامة تبعثون". ٣ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٤ ساقطة من (ت) . ٥ سورة القمر آية: (٥٢، ٥٣) . ذهب أهل السنة إلى أن الله قدر جميع أفعال العباد خيرها وشرها وعلم ما هم صائرون إليه، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ. قال الإمام أحمد: "والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه، وقدرًا قدره عليهم، لا يعدوا واحد منهم مشيئة الله ﷿ ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه ربنا ﷿، والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك بالله والمعاصي كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة، بل لله الحجة البالغة على خلقه". (انظر رسالة السنة ص٦٨، ٦٩) . وقال البخاري: "فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبد الله، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إن الله يخلق كل صانع وصنعته". وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة". (انظر كتاب خلق أفعال العباد ص١٣٧) . كما بوب في الصحيح للمشيئة والإرادة، وذكر سبعة عشر حديثًا كلها في إثبات المشيئة العامة المطلقة لله تعالى. (انظر البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٥) . كما بوب لقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن حجر: "مراد البخاري بذلك بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى، إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادًا لله وشركاء له في الخلق، كما تضمنت الرد على الجهمية في قولهم: لا قدرة للعبد أصلًا، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها". (انظر فتح الباري ١٣/٤٩١)، ويلاحظ من كلام ابن حجر أن الجهمية تقابل المعتزلة في هذه المسألة فهما طرفا نقيض فيها، ومع هذا فقد اتفقا على نفي الصفات الثابتة لله ﷿. كما رد الأشعري عليهم في كتابه الإبانة أيضًا (انظر ص٤٢، ٤٣) . ويقول ابن تيمية: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليهم مع قولهم: "إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله" (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٥٩) . وبهذا الكلام الجامع من ابن تيمية تخرج الطوائف المنحرفة عن الحق في هذا الباب وهم: القدرية الأولى: الذين نفوا علم الله بالأشياء، وقالوا لا قدر والأمر أنف، هؤلاء نفوا علم الله بالأشياء وخلقه لها وقد سبق ذكر مقالتهم، انظر ص١٩٣، ١٩٤. والقدرية الثانية: الذين أثبتوا العلم ونفوا أن يخلق الله، أو يريد أفعال العباد وهم المعتزلة، وهم بهذا يختلفون عن القدرية الأولى لإثباتهم العلم، ويتفقون معهم في نفي خلق الله لأفعال العباد. والجبرية: الذين يقولون بأن العبد مجبور في جميع أفعاله كالريشة في الهواء. انظر تفصيل ذلك في الإبانة للأشعري ص٣٨- ٤٨، والمجلد الثاني من الفتاوى لابن تيمية، وشفاء العليل لابن القيم، وشرح الطحاوية ص٨٤- ٨٨، وجامع العلوم والحكم ٢٤، ٢٥، ١٨٢، ١٨٤، وشرح النووي على مسلم ج١/١٥٤، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ج١/٣٠٠، ٣٠١.
[ ١٤٠ ]
وأخبر أنه ﷿ يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله: ﴿يَوْمَ ١ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢.
الإجماع السابع عشر
وأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين، فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم (وأسماء آبائهم) ٣، وفرقة خلقهم للسعير وذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ ساقطة من الأصل، و(ت) . ٢ سورة القمر آية: (٤٨، ٤٩) . قال الطبري في تفسيره عن هاتين الآيتين: "وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به، ثم ساق بسنده إلى ابن عباس أنه كان يقول: "إني أجد في كتاب الله قومًا يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم: "ذوقوا مس سقر" لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، وإني لا أراهم، فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي". (انظر جامع البيان ٢٧/١١٠) . وقال ابن كثير: "يستدل أئمة أهل السنة بهذه الآية الكريمة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرق القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة". (انظر تفسيره ٧/٤٥٧ طبعة الشعب بالقاهرة) . وقد ثبت في سبب نزول هذه الآيات ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت: ﴿يوم يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (انظر مسلم كتاب القدر باب٤ ج٤/٢٠٤٦، والترمذي في كتاب التفسير ٥/٣٩٨، وقال حديث حسن صحيح، ومسند أحمد ٢/٤٤٤، ٤٧٦، وابن ماجة في مقدمة سننه باب في القدر ١/٣٢) . ٣ ساقطة من (ت) . ٤ سورة الأعراف آية: (١٧٩) . يستدل الأشعري بهذه الآية على تقسيم الله السابق لخلقه إلى فرقتين، وهو ما ذكره علماء التفسير قال ابن كثير: "خلق الله لجهنم كثيرًا من الجن والإنس، أي: هيأهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ٤/٢٠٤٢) . وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم" (مسلم كتاب القدر ٤/٢٠٤٧، وتفسير ابن كثير ٣/٥١٤، وتفسير الطبري ١٣/٢٢٢، والرد على الجهمية لابن مندة ص٥٣- ٦٣، وشرح الطحاوية ص١٩٣- ١٩٥) .
[ ١٤١ ]
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١.
وقد بين ذلك ما روي عن النبي ﷺ في حديث القبضتين٢.
وحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود٣، وما قاله النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - حين قال: يا رسول الله أرأيت ما نحن فيه٤ أمر قد فرغ منه، أم أمر مستأنف، فقال ﵇: بل أمر قد فرغ منه، قال عمر: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٥ وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: (١٠١) . يواصل الأشعري استدلاله بالقرآن الكريم على ما سبق أن ذكره في مقدمة هذا الإجماع، وهو استدلال صحيح يتفق مع ما ورد عن المفسرين في ذلك يقول ابن جرير: قال بعضهم: "عنى به كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مبعد" (انظر تفسير الطبري ١٧/٩٦) . ويقول ابن تيمية: "وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ﴾ فمن سبقت له من الله الحسنى فلابد أن يصير مؤمنًا تقيًا فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من الله حسنى، ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله أن يولد له ولد، فلابد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا، فمن ظن أن أحدًا سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد ضل، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات، وهو قدر فيما مضى هذا وهذا". (انظر مجموع الفتاوى ٨/٢٦٦) . ٢ وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى عن رسول الله ﷺ منها ما أخرجه أحمد والحاكم عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي، قال: فقال قائل: يا رسول الله: فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر". (انظر المسند ٤/١٨٦، والمستدرك ١/٣١، وقال الحاكم بعد روايته: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي، وانظر مجمع الزوائد ٧/١٨٥، ١٨٦، وقال الألباني القدر وحديث القبضتين حق. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول ص٧٦) . ٣ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم، أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع، أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع، أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". (انظر البخاري كتاب القدر باب ١ ج٧/ ٢١٠، ومسلم كتاب القدر باب ١ ج٤/٢٠٣٦، ومسند أحمد ١/٣٨٢، ٤٣٠) . ٤ ساقطة من (ت) . ٥ الحديث أخرجه الترمذي من رواية علي بن أبي طالب بهذا اللفظ، وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح، وأخرج نحوه من حديث عمر وقال عقبه: وفي الباب عن علي وحذيفة بن أسيد وأنس وعمران بن حصين". (انظر سننه ٤/٤٤٥، وانظر البخاري كتاب التوحيد باب ٥٤ ج٨/ ٢١٥، وكتاب القدر باب ٤ ج٧/ ٢١٢، ومسند أحمد ١/٢٩، ٥٢) . وقد ورد في معنى هذا الحديث أحاديث كثيرة، وكلها تفيد تقدم علم الله وكتابته للأشياء قبل كونها، وأن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي يقوم بها العبد فتحصل بسببها السعادة، أو الشقاوة، ولذلك نهي عن الاتكال وترك العمل. (انظر ذلك بتفصيل في مجموع الفتاوى ٨/٢٧٢- ٢٨٠) .
[ ١٤٢ ]
الإجماع الثامن عشر
وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم، وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم به، (وإن كان) ١ السابق من علمه فيهم وإرادته لهم أنهم لا يطيعونه، وأن ترك معصيته لازم لجميعهم، وإن كان السابق في علمه وإرادته أنهم يعصونه، وأنه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي، ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به، ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه، وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره، وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته، وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم، وتعذيبهم لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم، لأنه ﷿ ملك لجميع ذلك فيهم غير محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك، حتى يكون جائرًا فيه قبل تملكه، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له وله مالك يفعل ما يشاء، كما قال ﷿: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ في (ت): "والكفر". ٢ سورة البروج آية: (١٦) . ينص الأشعري في هذا الإجماع أيضًا على أن الله قدر المقادير خيرها وشرها، وأن العباد لا يقدرون على الخروج عما قدر عليهم، وهو ﷾ عادل في جميع ذلك، ولا يعترض على الله سبحانه في شيء من ذلك أو يدعي أحد أن ذلك فيه إسقاط للأمر والنهي، أو أنه ظلم وجور تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (انظر ما سبق ذكره في الإجماع السابع عشر) كما تعرض الأشعري في الإبانة لهذه المسألة بتفصيل أكثر. (انظر ٩، ١٠) ولعله من الملاحظ أن الأشعري هنا يعرف الظلم الذي نزه الله نفسه عنه، بأنه: التصرف في ملك الغير، أما التصرف فيما يملك فليس بظلم، وتأمل قوله في ذلك: " لأنه ﷿ ملك لجميع ذلك فيهم". وتعريف الأشعري الظلم بذلك يخالف ما عليه سلف الأمة، كما ذكر ذلك عنهم ابن تيمية في تعريفه الظلم عند الطوائف المختلفة في قوله: "قالت طائفة: الظلم ليس بممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده منه عدل، والظلم هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، وكون الشيء موجودًا ومعدومًا، فإن الظلم: إما التصرف في ملك الغير، وكل ما سواه ملكه، وإما مخالفة الأمر الذي تجب طاعته، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته، وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن اتبعه، وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل الكلام. والطائفة الثانية قالت: بأنه عدل لا يظلم، لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق، ولا العصيان، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته، وهذا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم. والطائفة الثالثة قالت: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع الشيء في موضعه، وهو سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها.. ثم قال: وما ذكرناه من الأقوال الثلاثة نضبط أصول الناس فيه، ونبين أن القول الثالث هو الصواب، وبه يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل، وأنه لا يضع الأشياء في غير موضعها، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يجزي أحدًا بغير ذنبه، وهذا قول أهل السنة". (انظر في ذلك رسالته في معنى كون الرب عادلًا وفي تنزهه عن الظلم ضمن جامع الرسائل ١٢٣- ١٢٦) . ويقول ابن القيم: "إن الله نزه نفسه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًا". (انظر شفاء العليل ص٣٧٨) .
[ ١٤٣ ]
الإجماع التاسع عشر
وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها (سواه) ١ وقد زجر الله ﷿ من ظن ذلك بقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢ كما زجر من ادعى إلهًا غيره بقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٣، وإنما سمى غيره خالقًا في قوله: ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤ وإن كان خالقًا وحده على طريق الاتساع، كما يقال: عدل العمرين على طريق الاتساع، وإن كان عمر واحدًا.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٢ سورة فاطر آية: (٣) . ٣ وردت مرتين في سورة القصص آية: (٧١، ٧٢) . ٤ سورة المؤمنين آية: (١٤) . أجمع أهل السنة على أن الله خالق لجميع الحوادث، ومنها أفعال العباد خيرها وشرها، وقد سبق توضيح ذلك. (انظر الإجماع الخامس عشر والسادس عشر) . أما ما ذهب إليه في الآية ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ من أنها من باب الاتساع، ولا يطلق لفظ الخلق إلا على الله، فليس كذلك. وذلك أن الخلق في الآية بمعنى الصنع كما ذكر ذلك أهل اللغة والتفسير وقد ذكر ابن جرير عن مجاهد أنه قال في الآية: "يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين". ورجح ابن جرير ذلك، وقال: إن العرب تسمى كل صانع خالقًا، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري. (انظر تفسير الطبري ١٨/١١) . وقال القرطبي: "أحسن الخالقين"، أي: أتقن الصانعين يقال لمن صنع شيئًا خلقه، ثم ذكر قول زهير السابق وقال: ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم". (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٢/١١٠) . وقال أبو حيان: "ومعنى الخالقين: المقدرين، وهو وصف يطلق على غير الله تعالى كما قال زهير". (انظر البحر المحيط ٦/٣٩٨) . وقال أبو بكر الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير. ثم ذكر أنه هو المراد في الآية (انظر لسان العرب ١١/٣٧٢، ٣٧٣) .
[ ١٤٤ ]
وكما سمى غيره إلهًا في قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ ١ في المجاز.
الإجماع العشرون
وأجمعوا على أن جنس استطاعة الإيمان غير جنس استطاعة الكفر من قبل أن جنس استطاعة٢ الإيمان هدى وتوفيق يرغب إلى الله ﷿ في فعلها، ويشكر على التفضل بها، واستطاعة الكفر ضلال وخذلان يستعاذ بالله منها، ويسأل العصمة بالهدى وقوة الإيمان بدلها، وأن قدر المحدثين تختلف وتتجانس وتتضاد، كما يختلف علمهم ويتجانس ويتضاد٣.
_________________
(١) ١ سورة طه آية: (٩٧) . الإله في الآية بمعنى المعبود، وقد اتخذ المشركون غير الله إلهًا بمعنى أنهم عبدوا غيره. قال الراغب: "وإله جعلوه لكل معبود لهم وكذلك الذات، وسموا الشمس إلهة لاتخاذهم إياها معبودًا" (المفردات ص٢١) . وعلى هذا فلفظ الإله يطلق على المعبود سواء كان حقًا أو باطلًا، والآية التي نحن بصددها أطلقت لفظ الإله على المعبود الباطل، ولذلك قال ابن جرير في تفسيرها: "وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيمًا تعبده" (انظر تفسير الطبري ١٦/٢٠٩، وتفسير أبي السعود ٣/٦٦٤) . ٢ في (ت): "الاستطاعة". ٣ مراد الأشعري بذلك هو تأكيد ما سبق أن أشار إليه في مسألة الهدى والضلال، وبيان أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن مقتضيات ذلك أن يفرق سبحانه بين أسباب الهداية، وأسباب الضلال، ويجعل لكل طريق منهما صفات تخصه، ولذلك نقول: إن الله سبحانه زين لأوليائه طريق الإيمان وكره إليهم الكفر بخلاف الكافرين، فلم يفعل ذلك لهم، وعليه فاستطاعة الإيمان التي مكن الله عباده المؤمنين من تحصيلها هدى وتوفيق من رب العالمين لعباده المؤمنين، ويجب عليهم شكر ربهم عليها، واستطاعة الكفر خذلان من الله للكافرين يجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله منها. (وانظر ما سيأتي ص٢٧٤- ٢٧٥) . وقد أوضح ابن جرير هذا المعنى وهو بصدد تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: "وفي هذا أوضح البيان على تكذيب الله الزاعمين أن الله فوض الأمور إلى خلقه في أعمالهم، فلا صنع له في أفعالهم، وأنه قد سوى بين جميعهم في الأسباب التي بها يصلون إلى الطاعة والمعصية، لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان قد زين لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر نظير ما زين من ذلك لأعدائه وأهل الكفر به، وزين لأهل الكفر به من الإيمان به نظير الذي زين منه لأنبيائه وأوليائه" (انظر تفسير الطبري ١٢/٩٢، ٩٣) .
[ ١٤٥ ]
الإجماع الحادي والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه ﷿ في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به ممتثلين لما أمرهم به في قوله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة٢.
الإجماع الثاني والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله ﷿ أنه لا يفعله٣ وقد نص على ذلك تعالى فيما حكاه عن الخضر في قوله لموسى - ﵉ - لما لم يصبر معه ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ٤ ولم ينكر موسى قوله، ولا رد عليه ما ذكره٥.
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة آية (٥) . ٢ لم يفرق الله ﷿ بين العبادة والاستعانة، لأن العبادة لا تكون إلا لله، والاستعانة لا تكون إلا بالله، والعبد في جميع أحواله وأوقاته محتاج إلى ربه وعونه ومدده، ولا تقع العبادة من العبد إلا بعون الله له وتوفيقه إياه. وقد قال ابن جرير في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلها لا أحد سواك، وساق بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "إياك ربنا نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها". (انظر تفسير الطبري ١/١٦٢) . وقال ابن كثير في الآية: "الأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ". (انظر تفسير ابن كثير ١/٤١) . ٣ سبق أن نص الأشعري على أن الله سبق في علمه ما يكون في ملكه وأنه كتب ذلك في اللوح المحفوظ، واستدل هنا بقصة الخضر وموسى على ذلك. (انظر ما سبق ذكره في الإجماع السادس عشر وما بعده) . ٤ سورة الكهف آية: (٧٥) . والمراد بالصبر المنفي عنه في الآية هو: نفي حقيقة قدرته على الصبر لا نفي أسباب الصبر وآلاته فإنها ثابتة له. (انظر شرح الطحاوية ص٣٨٠) . ٥ الخضر عبد من عباد الله تعالى كان موجودًا في زمن موسى بن عمران، وقد ذكر أبو حيان أنه كان نبيًا، وقال: إن هذا رأي الجمهور. (انظر تفسير البحر المحيط ٦/١٤٧) . والذي يعنينا هنا في موضوع الخضر أن نناقش ما ذهب إليه المتصوفة من ادعاء أئمتهم معرفة علم الغيب استنادًا إلى ما وقع من الخضر مع موسى، وقصتهما معروفة في القرآن، وكذلك سنتكلم عن حياته وهل هو حي أو مات؟. والواقع الذي تشهد له النصوص أن الخضر كان على علم علمه الله إياه وهذا العلم جاءه من طريق علام الغيوب سبحانه، ولولا ذلك ما عرف شيئًا، وعليه نقول: إنه لم يشاهد غيبًا، ولم يطلع على اللوح المحفوظ، كما ذهب إليه من يقول بذلك، وقد ذكر الله عن الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وهذا دليل في غاية الوضوح، كما أن موسى ﵇ كان على علم من ربه لا يعلمه الخضر أيضًا، فكل منهما كان يعلم علمًا من قبل الله ﷿ ليس عند الآخر، وقد قال الخضر نفسه لموسى ﵇ "يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علمه علمكه لا أعلمه". (الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٢٧ ج٤/١٢٦، وكتاب التفسير ٥/٢٣٠) . وبهذا يظهر أن الخضر وموسى اشتركا في أن كلًا منهما على علم لا يعلمه الآخر، فما يقال في موسى يقال في الخضر ولا يزاد. وأما اختلاف الناس في حياته فقد قال به الكثيرون من المتصوفة، والحق أنه مات. قال أبو حيان: "الجمهور على أن الخضر مات، ونقل عن أبي الخضر المرسي أنه قال: أما خضر موسى بن عمران فليس بحي؛ لأنه لو كان حيًا للزمه المجيء إلى النبي ﷺ والإيمان به واتباعه". (انظر البحر المحيط ٦/١٤٧) . ونقل القاسمي عن ابن تيمية أنه قال في بعض فتاويه: "وكذلك الذين يرون الخضر أحيانا هو جني رأوه، وقد رآه غير واحد ممن أعرفه وقال "انني" وكان ذلك جنيًا لبس على المسلمين الذين رأوه، وإلا فالخضر الذي كان مع موسى ﵇ مات، ولو كان حيًا على عهد رسول الله ﷺ لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويؤمن به ويجاهد معه، فإن الله فرض على كل نبي أدرك محمدًا أن يؤمن به ويجاهد معه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (انظر محاسن التأويل للقاسمي ١١/٤٠٩٤، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٢٧، ٢٨) . وقال ابن حجر: " وأخرج النقاش أخبارًا كثيرة تدل على بقائه لا تقوم بشيء منها حجة. قاله ابن عطية، قال: ولو كان باقيًا لكان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يثبت شيئًا من ذلك". ثم ساق ابن حجر الروايات الواردة في بقائه وحكم عليها بالضعف. (انظر فتح الباري ٦/٤٣٤) كما كتب ابن حجر رسالة خاصة في هذا الموضوع بعنوان "الزهر النضر في نبأ الخضر" وختمها بقوله: "وأقوى الأدلة على عدم بقائه عدم مجيئه إلى رسول الله ﷺ، وانفراده بالتعمير من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي". (انظر رسالته هذه ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٢٣٤) . ونقل صديق حسن خان أقوال العلماء السابقين في ذلك فقال: "قال النووي: قال الأكثرون: هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات قبل القضاء مائة سنة من الهجرة.. وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: وأما رواية اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت، فلا يصح من طرقها شيء كما نقل عن أبي الحسين بن المناوي مثل ذلك، وعقب على هذه الأقوال بقوله: "والحق ما ذكرناه عن البخاري وأضرابه في ذلك، ولا حجة في قول أحد كائنًا من كان إلا الله سبحانه ورسوله ﷺ ولم يرد في ذلك نص مقطوع به ولا حديث مرفوع إليه ﷺ حتى يعتمد عليه ويصار إليه، وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد وطول التعمير لأحد من البشر وهما قاضيان على غيرهما، ولا يقضي غيرهما عليهما". (انظر فتح البيان ٥/٤٩٢) .
[ ١٤٦ ]
الإجماع الثالث والعشرون
وأجمعوا على أن الله ﷿ قد كلف الكفار الإيمان والتصديق بنبيه ﷺ وإن كانوا غير عاملين بذلك؛ لأن النبي ﷺ قد أوضح لهم الدلالة، ولزمهم حكم الدعوة، وإنما وجب عليهم من إيجاب الله ﷿ له، وطريق معرفتهم بذلك العقول التي جعلت آلة تمييزهم، وأنهم أثموا في الجهل في ذلك من قبل إعراضهم عن تأمل ما دعوا إلى تأمله من
[ ١٤٧ ]
الأدلة لتي جعل لهم بها السبيل إلى معرفة وجوب ما دعوا إليه من النظر في آياته التي أزعج بخرق العادات فيها قلوبهم، وحرك بها دواعي نظرهم١.
الإجماع الرابع والعشرون
وأجمعوا على أنهم يستحقون الذم بإعراضهم وتشاغلهم بما نهوا عنه عن التشاغل به٢.
الإجماع الخامس والعشرون
وأجمعوا أيضًا على أن الكافرين غير قادرين على العلم بما دعوا إليه مع تشاغلهم بالإعراض٣ عنه، وإيثارهم للجهل عليه مع كونهم غير عاجزين عن ذلك، ولا ممنوعين منه لصحة أبدانهم وقدرتهم على ما تشاغلوا به من الإعراض عنه، وآثروه من الجهل عليه، وإنما أتوا في ذلك من جهة إعراضهم عنه، وسوء الاختيار في التشاغل بتركه، ولو
_________________
(١) ١ يشير الأشعري هنا إلى أن الله كلف الكافرين وأمرهم بالإيمان مع سبق علمه أنهم لا يؤمنون، كما حدث مع أبي جهل مثلًا، وهذا يؤكد ما سبق ذكره في مسألة الهدى والضلال، وأنه لا يجب على الله فعل الأصلح لعباده. كما أنه ينص على أن الحجة قامت على العباد ببعثة النبي ﷺ وتبليغه الرسالة، وأن من أعرض وكذب بعد ذلك فهو جاحد معاند مخالف للحق الذي وجب عليه الإيمان به، ومقصر في تركه الاستفادة من نعم الله عليه. (وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٢٧) . ويتفرع على هذه المسألة القول في التكليف وأقسامه، وسأفرد الكلام عليه في الإجماع الآتي. ٢ ذكر الأشعري في الإجماع السابق أن الله أمر الكافرين بالإيمان مع علمه السابق أنهم لا يؤمنون، فهل هذا تكليف بما لا يطاق؟. يجيب الأشعري عن ذلك ضمنًا بكلامه في هذا الإجماع وما قبله ويفصل ذلك في اللمع فيقول: "فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان؟ قلنا له: نعم، فإن قال: أفيستطيع الإيمان؟ قيل له: لو استطاع لآمن، فإن قال: أفكلفه ما لا يستطيع؟ قيل له: هذا كلام على أمرين: إن أردت بقولك أنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه فلا، وإن أردت أنه لا يستطيعه لتركه والاشتغال بضده فنعم". (انظر اللمع ص٩٩) . ويذهب ابن تيمية إلى ما ذهب إليه الأشعري فيقول: "ما لا يطاق يفسر بشيئين: مالا يطاق للعجز عنه فهذا لم يكلفه الله أحدًا، ومالا يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٤، والموافقه ١/٤٣) . ٣ في (ت): "باعراض".
[ ١٤٨ ]
كرهوا ما هم (عليه) ١ من الإعراض عن تأمل أدلة الله التي نبههم نبيه ﷺ عليها ودعاهم إلى تأملها لتأتى لهم ذلك وحصل لهم العلم به والقدرة عليه٢.
الإجماع السادس والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان لا يقدر بقدرة واحدة على مقدورين، كما أنه لا يعلم بعلم واحد يكتسبه شيئًا من تصرفه إلا بقدرة تخصه في حال وجوده؛ لأن التصرف لا يصح وجوده إلا بها، فلو وجد تصرفه مع عدم القدرة عليه لاستغنى في وجوده عنها، كما أنها٣ لو وجدت الحركة مع عدم محلها لاستغنت في الوجود عنه ولم تحتج إليه٤.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين غير موجود في المخطوطتين والسياق يقتضيه. ٢ خلاصة ما ذكره - ﵀ - في هذا الإجماع هو ما سبق ذكره من أنه لا يخرج أحد من عباد الله عما قدره الله وقضاه، وأن العبد له اختيار فيما يفعل، فمن سلك طريق العلم الموصل إلى الإيمان بالله حدث له ذلك، ويكون هذا مما قدره الله له، ومن سلك طريق الجهل وصرف جهده إليه واشتغل به عن الإيمان بالله حدث له الكفر والشقاق، ويكون هذا مما قدره عليه، وسيأتي توضيح الأشعري لذلك أكثر في الإجماع السابع والعشرين، والمراد بالأدلة التي نبه رسول الله ﷺ عليها هي ما دعاهم القرآن إليها من التأمل في أنفسهم وفيما خلق الله ﷿ ليصلوا من خلال ذلك وبدعوة الرسول ﷺ إلى الإذعان لخالقهم والإيمان به، وترك الكفر المتلبسين به. ٣ في (ت) "أنه". ٤ مراد الأشعري هنا الرد على القدرية القائلين بأن القدرة لابد وأن تكون قبل الفعل، ولا يوجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به. (انظر شرح أصول الخمسة ص٣٩١) . كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وعقب عليه بقوله: "وبنوا ذلك على أصلهم الفاسد، وهو أن أقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٠) . أما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو مذكور في كلام الأشعري السابق وفصله ابن تيمية بقوله: "جمهور أهل السنة يثبتون للعبد القدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبل الفعل، لا يجب أن تكون معه ويقولون أيضًا: إن القدرة التي يكون بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل لا يجوزون أن يوجد الفعل بقدرة معدومة ولا بإرادة معدومة، كما لا يوجد بفاعل معدوم، وأما القدرية فيزعمون أن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل ومن قابلهم من المثبتة يقولون: لا تكون إلا مع الفعل، وقول الأئمة والجمهور هو الوسط، أنها لابد أن تكون معه، وقد تكون مع ذلك قبله، كقدرة المأمور العاصي، فإن تلك القدرة تكون مقدمة على الفعل بحيث تكون لمن لم يطع". (انظر منهاج السنة ١/٣٦٩) . ويقول في موطن آخر: "والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، فهذه تصلح للمطيع والعاصي وتكون قبل الفعل، وقد تبقى إلى حين الفعل إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى، وهذا قد يصلح للضدين وأمر الله لعباده مشروط بهذه الطاقة فلا يكلف الله من ليست معه هذه الطاقة ، ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لابد من إحداث إعانة أخرى تقارن هذا، مثل جعل الفاعل مريدًا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة، فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من أراده فعجز عنه، وهذا الفرقان هو فصل الخطاب في هذا الباب". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٢، ٣٧٣، والموافقة ١/٣٩، ٤٠، وشرح الطحاوية ص٣٧٩) .
[ ١٤٩ ]
الإجماع السابع والعشرون
وأجمعوا على أنه لا يصح تكليف الإنسان الطاعة ونهيه عن المعصية إلا مع صحة بدنه وسلامة آلات فعله، وإن كان لكل فعل يكتسبه قوة تخصه غير القوة عليه١ على تركه، وغير الفعل المقدور بها وغير صحة بدنه، كما أنه لا يصح أن يكلف فعلًا إلا مع٢ صحة عقله وآلات تمييزه، وإن كان يحتاج في المعرفة لكل ما دعي٣ إلى معرفته إلى علم يخصه ويصح معه فعله، وليس يجب إذا كلفوا معرفة ما لا يعلمونه في حال التكليف لإعراضهم٤ عنه أن يكلفوا الفعل مع عدم جميع علومهم إذ كان عدم جميع علومهم يخرجهم عن صحة عقولهم، ويصيرهم إلى الجنون الذي لا يصح تكلف الاستدلال معه، وكذلك الحكم في تكليفهم الإيمان الذي علم الله أنهم لا يفعلونه وسبق في الكتاب أنهم لا يكتسبونه وهم غير قادرين عليه ولا عن الخروج من علم الله فيه (وخبره عنهم به لا يخل) ٥ بتكليفهم فعله من قبل أن أبدانهم صحيحة، وآلات فعل ما كلفوه موجودة، وقد مكنوا في فعله فهم غير عاجزين عنه ولا ممنوعين منه، وإنما أتوا في ذلك بإعراضهم عما أمروا به وتشاغلهم بالكفر الذي قد آثروه عليه وشغلوا قدرهم بكسبه.
ولو كرهوا الكفر وما هم عليه من الإيثار له، وأرادوا الإيمان لقدروا عليه، ولا يجب إذا كلفوا ما هم غير قادرين على ما كلفوه من الإيمان لتشاغلهم عنه بالكفر الذي نهوا عنه أن يكلفوا الأفعال مع عدم جميع القدر من قبل أن خروجهم عن جميع القدر يصيرهم إلى العجز وفساد الأبدان والآلات التي لا يصح منهم الفعل مع عدمها، كما لا يصح تكليفهم الاستدلال مع عدم جميع العلوم، من قبل أن عدم جميع العلوم يصيرهم إلى فساد آلات الاستدلال التي لا يتأتى لهم الاستدلال مع فسادها، وإنما يصح تكليفهم
_________________
(١) ١ هكذا بالأصل، و(ت) ولعلها زائدة. ٢ ساقطة من (ت) . ٣ في (ت): "ما ادعى". ٤ في (ت): "لا اعتراضهم". ٥ في الأصل: "وخيرهم عنه به لا يخل" وفي (ت): "وخبرهم عنه به لا يحل" ولعل الصواب ما أثبته.
[ ١٥٠ ]
الأفعال مع صحة عقولهم وأبدانهم التي يتأتى لهم الأفعال معها، وكونهم غير قادرين على ما تركوا من الأفعال وتشاغلوا عنه لا يخرجهم عن صحة أبدانهم، ولا يصيرهم إلى العجز الذي لا يصح معه فعلهم، كما أن (قولهم غير) ١ عالمين إلى ما دعوا إلى معرفته وتشاغلهم بالإعراض عن الاستدلال عليه لا يخرجهم عن صحة عقولهم ولا يصيرهم إلى٢ الجنون الذي لا يصح معه تكليفهم٣.
الإجماع الثامن والعشرون
وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله ﷿ قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم وأخبر بما يكون منهم، وأن أحدًا لا يقدر على تغيير شيء من ذلك ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره فمنهم شقي وسعيد٤.
الإجماع التاسع والعشرون
وأجمعوا على أنه تعالى تفضل على بعض خلقه بالتوفيق والهدى وحبب إليهم الإيمان وشرح صدورهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين، كما قال عز
_________________
(١) ١ في (ت): "كونهم" بدلًا من "قولهم غير". ٢ ساقطة من (ت) . ٣ انظر ما سبق ذكره في الإجماع الثالث والعشرين حيث قد سبق ذكر ما جاء في هذا الإجماع فيما تقدم. ٤ يواصل الأشعري كلامه حول القضاء والقدر مؤكدًا ما سبق أن ذكره من تقدير الله السابق وعلمه الشامل بأفعال العباد، وما سيكونون عليه، وأن كل شيء قد كتب في اللوح المحفوظ. وقد سبق أن ذكرت طوائف القدرية، ومنهم قوم أنكروا علم الله السابق للأشياء قبل وجودها، وزعموا أن الله لم يتقدم له علم بما يقع في ملكه، وكل هذا رد على باطلهم وإحباط لما ذهبوا إليه من ذلك. وانظر ما سبق ذكره في الإجماع السادس عشر صفحة ٢٥٧، وقال الآجري باب الإيمان بأن الله ﷿ قدر المقادير على العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر: "فرغ الله ﷿ من مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". كما ذكر غيره من الأحاديث. (انظر الشريعة ص١٧٦) . ثم عقب بابًا بعده قال فيه باب الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبدًا وذكر فيه ما يؤيد ذلك. (انظر المرجع السابق ص١٧٧) . وقال ابن تيمية: "جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها وكتابته لها وتقديره إياها وقضاؤه بها " (انظر مجموع الفتاوى ٨/٢٧٧) .
[ ١٥١ ]
وجل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١ وقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢ فعدد بذلك نعمته عليهم.
الإجماع الثلاثون
وأجمعوا على أن ما يقدر عليه من الألطاف التي لو فعلها لآمن٣ جميع الخلق غير متناهية، وأن فعل ذلك غير واجب عليه، بل هو تعالى متفضل بما يفعله منها، وأنه تعالى لم يتفضل على بعض خلقه بذلك، بل أضلهم كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ٤، وقد قال موسى ﵇ لما جيء بالعجل الذي عمله السامري لبني إسرائيل، وكان خواره فعل الباري تعالى عنه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٥ ولم ينكر الله ذلك عليه، ولو كان وصفه بذلك جورًا كما يقول القدرية لما ترك الإنكار ذلك عليه وزجره عنه، وقد قال نبينا ﵇: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: (١٢٥) . ومعنى شرح صدر العبد للإسلام أن يفسح للإيمان صدره وأن يهونه عليه وييسره له. (انظر تفسير الطبري ١٢/٩٩، وابن كثير ٣/٣٢٨) . والأشعري بذلك يرد على القدرية القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده، وهذه الآية من أعظم الحجج عليهم، ولذلك علق عليها ابن جرير بقوله: "وفي هذه الآية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي يوصل إلى الإيمان والطاعة غير السبب الذي يوصل إلى الكفر والمعصية، وأن كلا السببين من عند الله". (انظر تفسير الطبري ١٢/١٠٨) . ٢ سورة الحجرات آية: (٧) . وهذه الآية كالتي قبلها في الهدف والمضمون، وقد علق عليها أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية واستخرج منها مذهب أهل السنة في ذلك فقال: "أهل السنة متفقون على أن لله على عبده المطيع المؤمن نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يُعِنْ بها الكافر كما قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، فبين أنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فالقدرية يقولون: هذا التحبيب والتزين على كل الخلق، أو هو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق، والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمنين ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ والكفار ليسوا براشدين، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٠) . وقد سبق ذكر إجماع السلف على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. (انظر الإجماع الثاني عشر/ وسيأتي مزيد كلام للأشعري حول هذا المعنى في الصفحات القادمة. ٣ في (ت): "لأن". ٤ سورة الأنعام آية: (١٢٥) . ٥ سورة الأعراف آية: (١٥٥) . ٦ الحديث سبق تخريجه انظر ص٢٦٢ وانظر الإجماع الآتي.
[ ١٥٢ ]
الإجماع الحادي والثلاثون
وأجمعوا على أن الله تعالى كان قادرًا على أن يخلق جميع الخلق في الجنة متفضلًا عليهم بذلك؛ لأنه تعالى غير محتاج إلى عبادتهم له، (وأنه قادر أن يخلقهم كلهم في النار، ويكون بذلك عادلًا عليهم؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولأنه ﷿ فعل من ذلك ما أراد لا معقب لحكمه وهو السميع البصير) ١.
الإجماع الثاني والثلاثون
وأجمعوا على أنه تعالى لا يجب عليه أن يساوي بين خلقه في النعم، وأنّ له أن يختص من يشاء منهم بما شاء من نعمة، وقد دل على صحة ذلك قولنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ وأخبرنا تعالى عما أراده في تفضل بعض خلقه المكلفين فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ٣، وقال في فريق آخر وهم أهل بيت النبي ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٤ وإنما اختلف الفريقان لاختلاف ما أراده الله ﷿ لهم٥.
_________________
(١) ١ ما ذكره الأشعري هنا هو معنى قول الله جل ذكره: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، (يونس آية: ٩٩) . وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود آية: ١١٨، ١١٩) . والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، كلها دالة على تفويض الأمر لله وأنه سبحانه يفعل ما يشاء. وقد قال ابن جرير في الآية السابقة: "ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، ثم ساق بسنده إلى قتادة أنه قال: لجعلهم مسلمين كلهم". (انظر تفسير الطبري ١٢/١٤١، وتفسير ابن كثير ٤/٢٣٣، ٢٩٢، والإجماع الآتي) . ٢ سورة الحديد آية: (٢١) . ٣ سورة المائدة آية: (٤١) . ٤ سورة الأحزاب آية: (٣٣) . ٥ انظر ما تقدم ذكره في الإجماع التاسع والعشرين إلى هذا الإجماع، وكله يدل على أن فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن أعطاه فهو فضل منه وإحسان ومن منعه فبعدله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿ ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾، (وانظر في ذلك مجموع الفتاوى ج٨/٧٨- ٨٠، والباب الرابع عشر من كتاب شفاء العليل لابن القيم ص١١٧- ١٤٩، ولوامع الأنوار ج١/٣٣٤- ٣٣٨) .
[ ١٥٣ ]
الإجماع الثالث والثلاثون
وأجمعوا على أنه ليس لأحد من الخلق الاعتراض على الله تعالى في شيء من تدبيره، ولا إنكار لشيء من فعله إذْ كان مالكًا١ لما يشاء منها غير مملوك وأنه تعالى حكيم قبل أن (يفعل) ٢ سائر الأفعال، وأن جميع ما يفعله لا يخرجه عن الحكمة، وأن من يعترض عليه في أفعاله متبع٣ لرأي الشيطان حين امتنع من السجود لآدم ﵇ وزعم أن ذلك فساد في التدبير وخروج من الحكمة حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٤.
الإجماع الرابع والثلاثون
وأجمعوا على أن النبي ﷺ دعا جميع الخلق إلى معرفة الله وإلى نبوته، ونهاهم عن الجهل بالله ﷿ وعن تكذيبه، وأنه ﵇ بين (لهم) ٥ جميع ما دعاهم إليه من الإسلام والإيمان، وما رغبهم فيه من منازل الإحسان، وأوضح (لهم) ٦ الأدلة عليه وبين لهم الطريق إليه، وأن جبريل ﵇ جاءه في صورة أعرابي بحضرة أصحابه فقال له: ما الإسلام؟ فقال ﵇: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت - في الحديث
_________________
(١) ١ في الأصل، و(ت): "مالك"، والصواب ما أثبته، لأن مالكًا خبر كان. ٢ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٣ في الأصل و(ت): "متبعًا" وهي خبر أن. ٤ سورة ص آية: (٧٦) . هذه الآية تبين أن إبليس هو أول مخلوق اعترض على الله في حكمه وفعله، وأن من فعل فعله فقد سلك طريقه واتبع هواه. ولقد عقد الشهرستاني مقدمة خاصة بهذا القول في كتابه الملل والنحل فقال في المقدمة الثالثة: "اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها: استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها - وهي النار - على مادة آدم ﵇ وهي الطين". (انظر الملل والنحل ١/٢٣) . كما ذكر الشهرستاني سبع شبه انبثقت من هذه الشبهة، والمتأمل فيها يرى مدى انطباقها على المعتزلة والمشبهة والروافض والخوارج وهي في جملتها ترجع إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، والجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ودفع التكاليف الشرعية. ٥ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٦ ما بين المعقوفتين من (ت) .
[ ١٥٤ ]
الطويل - فقال: صدقت، قال فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره - وغير ذلك - فقال: صدقت، قال فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم انصرف ونحن نتعجب من تصديقه النبي ﷺ فقال لهم١ النبي ﷺ بعد أمره لهم بطلبه فلم يجدوه بعد انصرافه هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم" ٢، ولذلك قد بين لهم قبل ذلك طرق المعارف بحدثهم ودلهم على وجود المحدث لهم، ودلهم على صدقه فيما أنبأهم به عن٣ ربه تعالى على ما قد سلف شرحنا له.
الإجماع الخامس والثلاثون
وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعًا مؤدين للواجب علينا٤.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . ٢ الحديث أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب ٣٧ ج١/١٨، وفي تفسير سورة لقمان ٦/٢٠، ومسلم في كتاب الإيمان باب ١ ج١/٣٦، والترمذي في أبواب الإيمان باب ٤ ج٤/١١٩، ١٢٠، وابن ماجة في مقدمة سننه باب ٩ ج١/٢٤، ٢٥، وأحمد في مسنده ج١/٢٧، ٢٨، ٥١، ٥٢، ٥٣، ج٢/١٠٧، ٤٢٦. والأشعري لم يذكر الحديث بتمامه كما جاء في المصادر التي أحلت عليها، وواضح أنه قصد بذكر الحديث هنا الاستشهاد به على وقوع التبليغ التام الواضح من النبي ﷺ لجميع أصول الدين أمام أصحابه وتصديق جبريل ﵇ له في ذلك، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين، ولم يخالف فيه إلا الزنادقة والملحدين. وهذا الحديث له شأن عظيم وقدر رفيع لما يحمل من جمل مفيدة ومعان سامية جمعت الدين كله، وقد نقل ابن حجر قول القاضي عياض فيه: "اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه". (انظر فتح الباري ١/١٢٥) . ٣ ساقطة من (ت) . ٤ أجمع أهل السنة - كما ذكر الأشعري - على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال الإمام أحمد: "إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص". (انظر رسالة السنة ص٦٧) . وقال الإمام البخاري في صحيحه في أول كتاب الإيمان: "باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس، وهو قول وفعل ويزيد وينقص"، ثم ذكر ما يؤيد ذلك من القرآن والسنة. (انظر ١/٧) . كما ذكر الأشعري أيضًا في حكايته لمذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. (انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٤٧)، وهو بهذا يتفق مع السلف فيما يشمله لفظ الإيمان. وقال ابن أبي زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك لاستوى فيه، ولم يكن للسابق فضل على المسبوق". (انظر كتابه: أصول السنة ق/١٢/ أ) . وقال الآجري: "باب ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه" ثم ساق كثيرًا من الأدلة. (انظر كتابه الشريعة ص١١١، وهكذا فعل البغوي في كتاب شرح السنة ١/٣٣، كما نقل اللالكائي عن جمع كثير ممن يدور عليهم الإجماع إثبات ذلك. (انظر كتابه أصول اعتقاد أهل السنة ج١/١٤٩- ١٨٤) . وقال الحافظ الصابوني: "ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٢٣ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) . وقال ابن تيمية: " ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص، وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان فيه عن الصحابة، ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة". (انظر كتاب الإيمان ص٢١٠، ٢١١) . وقال السفاريني: "ومذهب أهل الحق من السلف ومن وافقهم أن الإيمان يتفاضل فيزيد وينقص" (انظر لوامع الأنوار ١/٤١١) . ولعلنا نلاحظ من كلام السلف السابق ذكره عنهم أنهم نصوا أيضًا على أن الإيمان قول وعمل، وهو الذي استقر عليه الأشعري أخيرًا، وقد ذكر ذلك في حكايته لمذهب أهل الحديث فقال: " ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق" (انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٤٧) . وفي قول الأشعري هنا "وليس نقصانه عندنا شك". رد على القائلين بأن الإيمان هو التصديق فقط، وأنه لو نقص صار شكًا وإيمان الشاك لا يصح، وهذا يدل أيضًا على أن الأشعري يقول بأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن زيادة الإيمان ونقصانه لا تكون إلا بالأعمال مع الاعتقاد بالقلب واللسان. وقد خالف في ذلك المرجئة فقالوا: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان والإيمان لا يزيد ولا ينقص وهم على ثلاثة أصناف كما ذكر ابن تيمية، فصنف قال الإيمان مجرد ما في القلب، والصنف الثاني قال: الإيمان هو مجرد قول اللسان، والصنف الثالث قال: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان. (انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ج٧/١٩٥، ومقالات الإسلاميين ١/٢١٣، والملل والنحل ١/١١٥- ١٣١، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١٠٧) . وقد ذهب الجهم وأتباعه في هذه المسألة إلى مثل هذه الأقوال الفاسدة وزادوا عليها أقوالًا أخرى أشد فسادًا. (انظر في ذلك مقالات الإسلاميين ١/٢١٤) .
[ ١٥٥ ]
الإجماع السادس والثلاثون
وأجمعوا على أن المؤمن١ بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي ﷺ إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي، ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم٢.
_________________
(١) ١ في (ت): "المؤمنين". ٢ ذهب أهل السنة إلى أن مرتكب المعاصي بما فيها الكبائر غير خارج عن الإيمان إلى الكفر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان. قال الإمام أحمد: " والكف عن أهل القبلة، ولا نكفر أحدًا منهم بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث فيروى الحديث كما جاء، ونصدقه ونقبله". (انظر رسالة السنة ص٧٢) . وقال الطحاوي: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" (انظر شرح الطحاوية ص٢٦١) . وقال البيهقي: "باب القول في مرتكب الكبائر" قال الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، بلا عقوبة وقد يعاقب بعضهم على ما اقترف من الذنوب، ثم يعفو عنه، ويدخل الجنة بإيمانه لقوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ثم ساق عدة أحاديث تؤيد ذلك ومنها حديث عبادة الذي يقول في إحدى رواياته "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بها لم يضيع منها شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة" (انظر الاعتقاد ص٨٥، ٨٦) . وقال ابن حجر: قال المازني في حديث عبادة: "فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل أنه لابد أن يعذبه". (انظر فتح الباري ١/٦٨) . وقال الحافظ الصابوني: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر أو كبائر، فإن لا يكفر بها" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٢٤، ١٢٥ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) . وقال شارح الطحاوية: "أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب". (انظر شرح الطحاوية ص٢٦٧) .
[ ١٥٦ ]
وقد سمى الله١ عصاة أهل القبلة مؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ٢ الآية، فلو كانوا خرجوا من الإيمان بمعاصيهم كما قالت القدرية لما تعلق عليهم فرض الطهارة، وكان خطاب الله تعالى منصرفًا إلى المؤمنين دونهم، وكذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣ ولم يخص بالحض على ذلك الطائعين دون العاصين.
_________________
(١) ١ في (ت): "الله تعالى". ٢ سورة المائدة آية: (٦) . ٣ سورة الجمعة آية: (٩) . يستدل الأشعري بهذه الآية وما قبلها على أن الله خاطب المؤمنين جميعًا على اختلاف مراتبهم - وفيهم أصحاب ذنوب ومعاصي - بلفظ الإيمان، وهذا يؤكد ما سبق ذكره في مقدمة هذا الإجماع. وهناك آيات أخر أصرح في الدلالة على ذلك منها قوله: تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لما ارتكب ذنبًا، وهو إعلام قريش بقدوم رسول الله ﷺ إليهم، ومع هذا خاطبه الله بلفظ الإيمان. ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ فسماهم مؤمنين مع اقتتالهم. قال ابن كثير: "بهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ خطب يومًا ومعه على المنبر "الحسن بن علي " فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين" فكان كما قال صلوات الله وسلامه عليه، أصلح به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة". (انظر تفسير ابن كثير ٧/٣٥٣) . والحديث الذي ذكره أخرجه البخاري في كتاب الصلح باب ٩ ج٣/١٧٠، وانظر محاسن التأويل للقاسمي ١٥/٥٤٥٤، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/٣٦٨.
[ ١٥٧ ]
الإجماع السابع والثلاثون
وأجمعوا على أنه لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة في غير البدع بالنار، ولا على أحد من أهل الطاعة بالجنة إلا من قطع عليه رسول الله ﷺ بذلك١، وقد دل الله ﷿ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
ولا سبيل لأحد٣ إلى معرفة مشيئته تعالى إلا بخبر٤، وقد قال النبي ﷺ: " لاتنزلوا أحدًا من أهل القبلة جنة ولا نارًا" ٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من (ت) . ٢ سورة النساء آية: (٤٨، ١١٧) . وهذه الآية نص صريح على أن مرتكب أي ذنب كان دون الشرك أمره مفوض إلى الله ﷿، ولا يعلم أحد حكم الله فيه، وقد قال ابن جرير في تفسيرها: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله". (انظر تفسير الطبري ٨/٤٥٠، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٦- ٢٩١) . ٣ في (ت): "إلى أحد". ٤ في (ت): "إلا بخبره". ٥ يشير إلى معنى هذا الحديث ما أخرجه الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تنزلوا عبادي العارفين الموحدين من المذنبين الجنة ولا النار حتى أكون أنا الذي أنزلهم بعلمي فيهم، ولا تكلفوا من ذلك ما لم تكلفوا ولا تحاسبوا العباد دون ربهم". (انظر المعجم الكبير ٥/٢٢٤)، والحديث ضعيف لأن في إسناده نفيع بن الحارث قال فيه ابن حجر: متروك وقد كذبه ابن معين. (انظر تقريب التهذيب ومجمع الزوائد ج١٠/١٩٣) . وقال الإمام أحمد: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه إلا أن يكون في ذلك حديث". (انظر رسالة السنة ص٧٠، ٧١) . وقال الحافظ الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٢٧) . وقال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب" (انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/١٥٠) . ويظهر لي أن مراد الأشعري بقوله: "لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة - غير البدع - بالنار" أنه يعني بذلك البدع الشركية التي توقع صاحبها - لا محالة - في عذاب الجحيم كما نطق بذلك القرآن الكريم، ويؤيد ذلك استدلاله بالآية الكريمة عقب قوله السابق. وهذه البدع الشركية كثيرة جدًا وواقعة في الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة، وذلك كبدعة المشركين الذين اتخذوا لله الأنداد وكبدعة المنافقين المبطنين للكفر، وكسبِّ الصحابة ولعنهم، وهناك بدع ليست مكفرة وذلك كبدعة التبتل والصيام قائمًا في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. ولقد فصل ذلك الإمام الشاطبي في الاعتصام. (انظر ج٢/٣٧) .
[ ١٥٨ ]
الإجماع الثامن والثلاثون
وأجمعوا على أن على العباد٢ حفظة يكتبون أعمالًا٣، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ٤.
الإجماع التاسع والثلاثون
وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته٥.
_________________
(١) ٢ في (ت): "للعباد". ٣ في (ت): "أعمالهم". ٤ سورة الانفطار آية: (١٠، ١١) . أجمع أهل السنة على وجود ملائكة كرام يكتبون أعمال العباد كما نطق بذلك القرآن الكريم، وهذه الكتابة سيوقف عليها العبد يوم القيامة وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (انظر تفسير الطبري ١٥/٥٣) . وقال الطحاوي: "ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله جعلهم علينا حافظين". (انظر شرح الطحاوية ص٣٣٧) . وقال ابن حزم: "وأما كتاب الملائكة لأعمالنا فحق، وكل هذا مما لا خلاف فيه بين أحد ممن ينتمي إلى الإسلام، إلا أنه لا يعلم أحد كيفية ذلك الكتاب". (انظر الفصل ٤/٦٦) . وهذه الكتابة عامة شاملة لكل شيء صغيرًا كان أو كبيرًا. وقال السفاريني: "وظاهر النص أنهما يكتبان أفعال العباد من خير أو شر، أو غيرهما قولًا كان أو عملًا أو اعتقادًا، همًّا كانت أو عزمًا أو تقريرًا فلا يهملان من أفعال العباد شيئًا في كل حال، وعلى كل حال، ولهذا قال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه". (انظر لوامع الأنوار البهية ١/٤٥٠)، ومن أراد الوقوف على تفصيل أكثر فليرجع إلى: (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/٢٤٥، ٢٤٦، وشرح الطحاوية ص٣٣٧، ولوامع الأنوار البهية ١/٤٤٦- ٤٥٣) . ٥ اتفق أهل السنة على ما ذكره الأشعري أعلاه. قال الإمام أحمد: "وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه، وعن الجنة وعن النار، ومنكر ونكير حق، وهما فتانا القبر، نسأل الله الثبات". (انظر رسالة السنة ص٧٢، ٧٣) . وقال ابن أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بعذاب القبر، أعاذنا الله وإياك من ذلك. قال ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ وقال: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (انظر أصول السنة/ ق/ ٧/ ب) . وقال الطحاوي: "ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهل، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم". (شرح الطحاوية ص٣٣٤، وانظر باب التصديق والإيمان بعذاب القبر للآجري في كتاب الشريعة ص٣٥٨، والفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٨، والاعتقاد للبيهقي ص١٠٧- ١١١) . وقال ابن القيم بعد روايته لبعض أحاديث عذاب القبر: "وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنة" (انظر الروح ص٥٧) . وقد أنكر الزنادقة عذاب القبر، وذكر الإمام أحمد أن ذلك ورد عن المعتزلة. (انظر رسالة السنة ص٨١)، ولعل هذا ورد عن بعضهم لا عن جميعهم. (انظر المقالات ٢/١١٦)، وقد حكاه ابن حزم عن ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة، وكذلك حكاه عن الخوارج (انظر الفصل ٤/٦٦، والروح لابن القيم ص٥٧، ٥٨) . وقدر تعرض السفاريني للشبه التي أوردها المنكرون لعذاب القبر ورد عليها. (انظر لوامع الأنوار ٢/١٠٧- ١١١) . أما فتنة القبر فهي كما ذكر الإمام أحمد سؤال منكر ونكير، ومن المعلوم أن السؤال يتم للروح والجسد معًا، وقد أجمع جمهور الأمة على ذلك وشذ ابن حزم فقال: إن الميت لا يحيا في قبره ولم يأت قط عن رسول الله ﷺ في خبر يصح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم (انظر الفصل ٤/٦٧، ٦٨)، وقد رد عليه ابن القيم ردًا قويًا مبينًا خطأه في ذلك وموضحًا لإجمال قوله إن الميت لا يحيا في قبره، لأنه إن أراد الحياة المعهودة في الدنيا فهذا خطأ، وإن أراد الحياة التي يتم بها السؤال في القبر فهذا حق ونفيه خطأ، وأما تضعيف ابن حزم لحديث إعادة الأرواح إلى الأجساد لتفرد المنهال بن عمرو به وقوله إنه لم يأت خبر صحيح بذلك فكلام غير صحيح، وقد رد عليه ابن القيم قائلًا: " فهذا من مجازفته - ﵀ - فالحديث صحيح لا شك فيه، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان منهم عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد"، ثم ساق ابن القيم الحديث بطرقه ليبين صحة ما ذهب إليه. (انظر كتاب الروح ص٤٢- ٤٦) . وقال السفاريني: "والإيمان بمنكر ونكير واجب شرعي لثبوته عن النبي ﷺ في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر، وقد استنبط ذلك واستدل عليه بقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ " (انظر لوامع الأنوار ٢/٥) . ويلاحظ أن الأشعري سبق إلى الاستدلال على سؤال القبر بهذه الآية، كما هو واضح من كلامه، وهو ما قرره علماء التفسير. (انظر تفسير الطبري ١٣/٢١٣، وتفسير القرطبي ٩/٣٦٣، وابن كثير ٤/٤١٢، وغير ذلك) . وأخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ " (انظر البخاري كتاب التفسير ٥/٢٢٠، وكتاب الإيمان لابن مندة ٣/٩٤١) .
[ ١٥٩ ]
وأنهم لا يذوقون ألم الموت كما قال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ١.
وعلى أنه ينفخ في الصور٢ قبل يوم القيامة، ويصعق من في السماوات ومن في
_________________
(١) ١ سورة الدخان آية: (٥٦) . قال ابن جرير في تفسيره للآية: "لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا". (انظر تفسيره ٢/١٣٧) . وقال ابن كثير: "هذا الاستثناء يؤكد النفي، فإنه استثناء منقطع ومعناه: أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة: خلود فلا موت، ويا أهل النار: خلود فلا موت". (انظر تفسيره ٧/٢٤٧) . والحديث الذي ذكره أخرجه البخاري بأتم من هذا في كتاب التفسير من صحيحه ٥/٢٣٦، وكذلك مسلم في كتاب الجنة باب ١٣ ج٤/ ٢١٨٨، وأحمد في مسنده ٣/٩. ٢ الصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ (انظر تفسير الطبري ١١/٤٣٦، وتفسير القرطبي ١٣/٢٣٩، وتفسير ابن كثير ٣/٢٧٦) . وقد جاء في السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: "قال أعرابي يا رسول الله: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ". أخرجه أحمد في مسنده ٢/١٩٢، وأبو داود في كتاب السنة باب ما جاء في البعث والصور ٥/١٠٧، والترمذي في باب ما جاء في الصور ٤/٦٢٠ وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في المستدرك ٤/٥٦٠ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقد أجمع أهل السنة على النفخ في الصور - كما ذكر الأشعري - قال الإمام أحمد: "والصور حق ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه الأخرى فيقومون لرب العالمين" (انظر رسالة السنة ص٧٣، والإيمان لابن مندة ٣/٩٣٧- ٩٤٠، ولوامع الأنوار ٢/١٦١- ١٦٥) .
[ ١٦٠ ]
الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.
وعلى أن الله تعالى يعيدهم١ كما بدأهم حفاة عراة غرلًا، وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة وكذلك الجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة٢.
وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه أفلح، ومن خفت موازينه خاب وخسر، وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة٣.
_________________
(١) ١ في (ت): "يعذبهم". ٢ بعد أن ذكر الأشعري النفخ في الصور الذي به نهاية الدنيا أشار إلى البعث والنشور بعد ذلك، وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنة واتفاق جمهور الأمة. قال الطحاوي: "ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة" (شرح الطحاوية ص٣٥٣، وانظر الإيمان لابن مندة ٣/٩٥١، ٩٥٢) . قال ابن حزم: "اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة، وعلى تكفير من أنكر ذلك" (انظر الفصل ٤/٧٩) . وقال الحافظ الصابوني: "ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق واختلاف أحوال العباد فيه" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٢١) . كما ذكر الأشعري الهيئة التي يحشر الله الناس عليها كما جاء في حديث رسول الله ﷺ القائل فيه: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا كما خلقوا، ثم قرأ: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين" الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنة باب ١٤ ج٤/٢١٩٤، والترمذي في كتاب القيامة باب ٣ ج٤/٦١٥، وقال هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في المسند ١/٢٢٩، ثم ذكر أن الأجساد التي كانت في الدنيا هي بعينها التي تبعث للحساب والجزاء، وهذا من مقتضيات العلم والحكمة والعدل، وقد رد الله على من أنكر ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ولما استبعد المنكر للبعث إعادة العظام النخرة وقال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ رد الله عليه بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والحياة المقصودة هنا عودة العظام البالية إلى البعث والنشور، وهو ما أنكر المكذب للبعث والنشور. وقد جاء في القرآن والسنة أن أعضاء الإنسان وجوارحه التي أصابت الحسنات وارتكبت السيئات في الدنيا، ستأتي بأعيانها وستنطق على ما قدمت قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: "كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب: ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي قال: فتنطق بأعماله". الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزهد ٤/٢٢٨٠. وقضية البعث والإعادة من القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم، وأقام الأدلة الوفيرة عليها، (انظر ما سبق ذكره ١٣١- ١٣٣، ومقال بعنوان "مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث" للدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي في مجلة الجامعة الإسلامية العدد (٥٠، ٥١) من السنة الثالثة عشر ص٦٥- ١٠٣) . ٣ أجمع أهل السنة على أن أعمال العباد توزن يوم القيامة، كما نطق بذلك القرآن الكريم في أكثر من موضع، وكذلك السنة المطهرة، كما نص على ذلك أئمة أهل السنة والجماعة، وقول الأشعري وأن كفة السيئات الخ يدل بوضوح على أن الميزان له كفتان، وهذا من معتقد السلف، وسيأتي ذكر ما يؤيد ذلك من أقوالهم، حتى يتبين لنا صحة قول الأشعري. قال الإمام أحمد: "والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات كما يشاء الله أن توزن". (انظر رسالة السنة ص٧٣) . وختم البخاري جامعه الصحيح بقوله: "باب قول الله تعالى: ونضع موازين القسط ليوم القيامة، ثم قال: وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن". (البخاري كتاب التوحيد باب ٥٨ ج٨/٢١٩) . كما ذكر الإيمان به عند أهل السنة ابن أبي زمنين في كتابه أصول السنة ق/ ٨/ ب، وابن مندة في كتابه الإيمان ٣/٩٥٧، والبيهقي في الاعتقاد ص١٠٢) . وقال أبو إسحاق الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة" (انظر فتح الباري ١٣/٥٣٨) . وقال ابن فورك: "أنكر المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها" (المرجع السابق نفس الصفحة) . وقد ذهب جمهور أهل السنة إلى أن الميزان له كفتان كما ذكر الأشعري، والزجاج في كلامهما السابق، وقال شارح الطحاوية "والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان". (انظر شرح الطحاوية ص٣٦٦، ومجموع الفتاوى ٤/٣٠٢) . وقال السفاريني: "والحاصل أن الإيمان بالميزان كأخذ الصحف ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين ولسان، كما قال ابن عباس والحسن البصري" (انظر لوامع الأنوار ٢/١٨٤، ١٨٥) . وقد خالف ابن حزم في ذلك، فنفى كفتي الميزان. (انظر الفصل ٤/٦٥، ٦٦) وهو مردود بما ذكر سابقًا، وبحديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: "إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيقول احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان باب ١٧ ج٥/٢٤، وابن ماجة في كتاب الزهد باب ٣٥ ج٢/١٤٣٧، وأحمد في المسند ٢/٢١٣. وهذا الحديث قاطع الدلالة في المراد حيث جاء فيه أن السجلات توضع في كفة، والبطاقة في الكفة الأخرى، فالميزان إذا بكفتين، والله أعلم بما وراء ذلك.
[ ١٦١ ]
وأن الخلق يؤتون١ يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرًا٢.
_________________
(١) ١ في (ت): "يوت". ٢ أجمع أهل السنة على أن العباد يأخذون يوم القيامة صحائف أعمالهم التي كتبتها الملائكة الكرام. قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: ١٣، ١٤) . وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بسماله". (انظر سننه كتاب القيامة باب ٤ ج٤/٦١٧، وقال الألباني حديث ضعيف لأن الحسن البصري رواه عن أبي هريرة والحسن مدلس ولم يصرح بالتحديث. (انظر الطحاوية ص٤٦٨، وانظر ضعيف الجامع للألباني ٦/١١٦) . وقد نص أئمة أهل السنة على ما جاء في ذلك وآمنوا به. (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ٢/١٢١، وشرح الطحاوية ص٣٦٠، ٣٦١) . وقال السفاريني: "والحاصل أن نشر الصحف وأخذها باليمين والشمال مما يجب الإيمان به وعقد القلب بأنه حق لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع". (انظر لوامع الأنوار ٢/١٨١) .
[ ١٦٢ ]
الإجماع الأربعون
وأجمعوا على أن الصراط (جسر) ١ ممدود على جهنم يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك٢.
الإجماع الحادي والأربعون
وأجمعوا على أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه٣.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من (ت) . ٢ أجمع أهل السنة على الإيمان بالصراط، وأنه جسر ممدود على ظهر جهنم، وقالوا: إن المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ المرور على الصراط في أرجح الأقوال. (انظر الفصل لابن حزم ٤/٢٦٦.، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ١/١٢١، ومجموع الفتاوى ٤/٢٧٩، ولوامع الأنوار ٢/١٨٩) . وقال شارح الطحاوية: "واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وفي الصحيح أنه ﷺ قال: والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت يا رسول الله: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾؟ فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ والحديث في مسلم بنحو هذا المعنى" (انظر شرح الطحاوية ص٣٦٤) . والحديث الذي ذكره أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب ٣٧ ج٤/١٩٤٢، وأحمد في المسند ٦/٤٢٠، وابن أبي عاصم في السنة، وقال الألباني: إسناده جيد على شرط مسلم وقد أخرجه. انظر السنة ٢/٤١٤. ٣ أجمع أهل السنة على أن الله لا يخلد في النار من كان في قلبه شيء من الإيمان إذا أدخله فيها، وقد جاءت النصوص بذلك، منها ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله ﵎: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسوّدوا الحديث". أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب ١٥ ج١/١١، ومسلم في كتاب الإيمان باب ٨٢ ج١/١٧٢، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٤٠٥، وأحمد في المسند ٣/٥٦، والآجري في الشريعة ص٣٤٥، وقد عقد ابن خزيمة في كتابه التوحيد بابًا في ذلك وساق فيه كثيرًا من الروايات المؤيدة لهذا المذهب الحق. انظر ص٢٨٦، وهكذا فعل ابن مندة في كتابه الإيمان انظر ٣/٧٨٣، والبيهقي في الاعتقاد ص٨٨. وقال الإمام أحمد: "ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم من النار". (انظر السنة ص٧٣، ٧٤) . وقال الطحاوي: "وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر ﷿ في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته" (انظر شرح الطحاوية ص٣١٧) . وقال ابن أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بأن الله ﷿ يدخل ناسًا الجنة من أهل التوحيد بعدما مستهم النار برحمته ﵎ اسمه، وبشفاعة الشافعين". (انظر أصول السنة/ ق/ ٩/ ب، وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٨، والفصل لابن حزم ٤/٤٥، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للحافظ الصابوني ١/١٢٤، ١٢٥، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/٣٧٥. وقد خالف الخوارج والمعتزلة في ذلك، حيث ذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار تنفيذًا لوعيد الله لهم، وغاب عنهم الموانع التي ذكرها الله في القرآن والسنة من إنفاذ هذا الوعيد مثل التوحيد وكثرة الحسنات الماحية، وكثرة المصائب المكفرة، وإقامة الحدود في الدنيا إلى غير ذلك. انظر تفصيل مقالتهم في شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص٦٦٦، ومقالات الإسلاميين ١/١٦٨، والفصل لابن حزم ٤/٤٤- ٥٨، والملل والنحل ١/٥٠، ١٠٥، ولوامع الأنوار للسفاريني ١/٣٧٠، ٣٧١.
[ ١٦٣ ]
الإجماع الثاني والأربعون
وأجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج من النار قومًا من أمته بعد ما صاروا حممًا، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السبيل١.
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة على أن الشفاعة حق وواقعة في يوم الدين، وقالوا إن المراد من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الشفاعة وقد روى ذلك أبو هريرة عن النبي ﷺ في حديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وابن أبي عاصم في السنة وقال الألباني: حديث صحيح لكثرة شواهده. (انظر ٢/٣٦٤) . وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" أخرجه الترمذي من حديثه ومن حديث أنس في كتاب القيامة باب ١١ جـ٤/٦٢٥، وابن ماجة في كتاب الزهد باب ٣٧ ج٢/١٤٤١، وأحمد في المسند ٣/٢١٣، وانظر أيضًا كتاب الرقاق من صحيح البخاري باب ٥١ ج٧/٢٠٤- ٢٠٦، وكتاب التوحيد باب ٣١ ج٨/١٩٢. وقال الإمام أحمد: "والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله ثم يخرجهم من النار". (انظر رسالة السنة ص٧٣، وانظر أيضًا التوحيد لابن خزيمة ص٢٤١- ٣١٧، والشريعة للآجري ص٣٣١، والفرق بين الفرق ص٣٤٨، والفصل لابن حزم ٤/٣، ٦٤) . وقال ابن أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بالشفاعة، وقال ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (انظر أصول السنة/ ق/ ٩/ ب) . وقال ابن تيمية: "أما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية" (انظر مجموع الفتاوى ١/ ١٤٨، و١١/ ١٨٤، ١٨٥) . وقال السفاريني: "شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي، وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة" (انظر لوامع الأنوار ٢/ ٢٠٨) . وقد أنكر الخوارج والمعتزلة الشفاعة، وردوا النصوص الصريحة في ذلك وقد سبق أن أشرت إلى مقالتهم في الإجماع السابق، وانظر شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص٦٨٨- ٦٩٣. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الشفاعة لا تكون إلا لمذنبي أهل القبلة الموحدين فقط، أما من أشرك بالله ﷾ بأي لون كان من ألوان الشرك - لم يتب - فليس له نصيب في الشفاعة، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه". انظر البخاري كتاب العلم باب ٣٣ ج١/٢٣٣، وكتاب الرقاق باب ٥١ ج٧/٢٠٤، ومسند أحمد ٢/٣٧٣. والشفاعة أنواع متعددة، يطول بنا الكلام لو ذكرت، وقد أشار الإمام أحمد إلى ذلك في كلامه السابق. وانظر شرح الطحاوية ص١٧٤- ١٧٨) .
[ ١٦٤ ]
وعلى أن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغيّر بعده١.
وعلى أن الإيمان بما جاء به من خبر الإسراء بالنبي ﷺ إلى السماوات واجب٢.
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة على أن للنبي ﷺ حوضًا عظيمًا كما جاءت بذلك الروايات، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفًا سورة فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك". الحديث أخرجه مسلم في كتاب الصلاة باب ١٤ ج١/٣٠٠، وأبو داود في كتاب السنة باب ٢٦ ج٥/١١٠، والنسائي في كتاب الافتتاح باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ٢/١٣٣، ١٣٤، وأحمد في المسند ٣/١٠٢. وقال الإمام أحمد: "وحوض محمد ﷺ حق ترده أمته، وله آنية يشربون بها منه". انظر رسالة السنة ص٧٣، وانظر أيضًا كتاب الشريعة للآجري ص٣٥٢، وأصول السنة لابن أبي زمنين ق/ ٨/ أ، والإيمان لابن مندة ٣/٩٥٣، والفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٨، والفصل لابن حزم ٤/٦٦، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ١/١٣٢ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، والفتن والملاحم لابن كثير ٢/٣- ٣٩ بتصحيح وتعليق الشيخ إسماعيل الأنصاري. وقال شارح الطحاوية: "الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا" (انظر شرح الطحاوية ص١٧١) . وقال السفاريني: "وحوض النبي ﷺ حق ثابت بإجماع أهل الحق، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه البدور السافرة: ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة الراشدون وحفاظ الصحابة المكثرون وغيرهم - رضوان الله عليهم أجمعين - ثم ذكر الأحاديث عنهم واحدًا واحدًا". (انظر لوامع الأنوار ٢/١٩٤- ١٩٥) . ولعلك تلاحظ مما سبق ذكره في حديث أنس أن الشرب من الحوض لا يكون إلا لأهل السنة والجماعة الذين اتبعوا سنته وساروا على نهجه، أما أهل الأهواء والبدع الذين أحدثوا وغيّروا، فهم مطرودون مبعدون عنه. قال السفاريني: " والحاصل أن من الذين يذادون عن الحوض جنس المفترين على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ من المحدثين في الدين من الروافض والخوارج وسائر أصحاب الأهواء والبدع الضالة" (انظر لوامع الأنوار ٢/١٩٧) . ويدخل في أهل الأهواء أيضًا الباطنية الملاحدة وأصحاب الاتحاد ووحدة الوجود وكثير من المتصوفة الذين هجروا السنن والآثار واتبعوا الهوى وآراء الرجال. ٢ من المعلوم أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ وما نطق به القرآن الكريم ومن ذلك الإيمان بخبر الإسراء والمعراج. قال الطحاوي: "والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى فصلى الله عليه في الآخرة والأولى". (انظر شرح الطحاوية ص١٦٨، وانظر الإجماع الآتي) .
[ ١٦٥ ]
وكذلك ما روي من خبر الدجال ونزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال١. وغير ذلك من سائر الآيات التي تواترت الرواية بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما نقله إلينا الثقات عن رسول الله ﷺ وعرفونا صحته٢.
الإجماع الثالث والأربعون
وأجمعوا على التصديق بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ في كتاب الله، وما ثبت به النقل من سائر سنته، ووجوب العمل بمحكمه والإقرار بنص مشكله ومتشابهه، ورد
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة على نزول عيسى في آخر الزمان وقتله المسيح الدجال وأن ذلك من علامات الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: ليؤمنن بعيسى قبل موته، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٤٩ ج٤/ ١٣٩، ومسلم في كتاب الإيمان باب ٧١ ج١/١٣٥، ١٣٦، وابن ماجة في كتاب الفتن باب ٣٣ ج٢/١٣٦٣، وأحمد في المسند ٢/٤١١. وقال الإمام أحمد: "والأعور الدجال خارج لا شك في ذلك ولا ارتياب وهو أكذب الكاذبين". (انظر رسالة السنة ص٧٢) . وقال الطحاوي: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها". (انظر شرح الطحاوية ص٤٤٧، والفرق بين والفرق ص٣٤٣) . وقال السفاريني: "أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية" (انظر لوامع الأنوار البهية ٢/٩٤، ٩٥) . ٢ كما آمن السلف بنزول عيسى وخروج الدجال - كما سبق ذكره - آمنوا كما ذكر الأشعري ببقية أشراط الساعة التي وردت بها الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومنها ما رواه أبو الطفيل عن حذيفة الغفاري ﵁ قال: "اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" الحديث أخرجه مسلم في كتاب الفتن باب ٢١ ج٤/٢٢٥، وأبو داود في كتاب الملاحم باب ١٣ ج٤/٤٩١، والترمذي في كتاب الفتن باب ٣١ ج٤/٤٧٧، وابن ماجة في الفتن باب ٢٥ ج٢/١٣٤١) . وقال ابن مندة: "ذكر وجوب الإيمان بالآيات العشر التي أخبر بها رسول الله ﷺ التي تكون قبل الساعة"، ثم ساق كثيرًا من الروايات في ذلك. انظر كتاب الإيمان ٣/٨٩٦، ٩٤٠، وشرح الطحاوية ص٤٤٧- ٤٤٩.
[ ١٦٦ ]
كل ما لم يحط به علمًا بتفسيره إلى الله مع الإيمان بنصه، وأن ذلك لا يكون إلا فيما كلفوا الإيمان بجملته دون تفصيله١.
_________________
(١) ١ يشير الأشعري هنا إلى أن أهل السنة والجماعة آمنوا بكل ما جاء من عند الله سواء كان محكمًا، أو متشابهًا. وقد اختلف العلماء قديمًا في المراد بالمحكم والمتشابه في القرآن الكريم على عدة أقوال ذكرها ابن جرير في تفسيره مسندًا كل قول إلى صاحبه فذكر أن ابن عباس قال: المحكم: هو ناسخ القرآن وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابه: منسوخ القرآن ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، ولقد ورد مثل هذا عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك ومجاهد. وقال آخرون: المحكم: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه: ما أشبه بعضه بعضًا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه. وقال آخرون: المحكم: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه، والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجهًا. وقال آخرون: المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة وفناء الدنيا ومثل كيفية نفسه، وما أعده لأوليائه من النعيم في دار القرار. وبعد أن ساق الطبري هذه الأقوال مال إلى القول الأخير، وأكد أن الله ﷾ أنزل جميع القرآن على رسوله بيانًا له ولأمته وهدى للعالمين. (انظر تفسير الطبري ٦/١٧٥- ١٨٢) . وهذا الرأي الذي ارتضاه ابن جرير هو في الغالب رأي الأشعري ويفهم ذلك من قوله فيما سبق: "وأن ذلك لا يكون إلا فيما كلفوا الإيمان بجملته دون تفصيله"، وذلك يكون فيما استأثر الله بعلمه من وقت وقوع الساعة مثلًا وغير ذلك. (انظر منتصف الصفحة السابقة) . وذكر صاحب المنار أن القاضي أبا يعلى ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: المحكم: ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه: ما احتاج إلى بيان. (انظر تفسير المنار ٣/١٩٠) . وهذا القول يتفق مع وجهة نظر الإمام أحمد في تفسيره للآيات المتشابهة، وانظر صنيعه في كتابه المشهور: "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله". ويذهب ابن تيمية أيضًا إلى هذا القول فيقول: "في الآيات المتشابهات قولان: أحدهما: أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس. والثاني: - وهو الصحيح - أن التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ إلى أن قال: من قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضًا، ومراده بالتأويل: ما استأثر الله بعلمه مثل وقت الساعة، ومجيء أشراطها، ومثل كيفية نفسه، وما أعده في الجنة لأوليائه". (انظر مجموع الفتاوى ١٣/١٤٤، وتفسير سورة الإخلاص ص١٧٩) . وبعد هذا العرض لآراء العلماء في المحكم والمتشابه أرى لزامًا علي أن أتعرض لقضية هامة تتعلق بما سبق وهي: هل يوجد في كتاب الله ما لا يعلم معناه؟. الواقع أنه ليس في كتاب الله ما لا يعلم معناه، لأن الله أنزل كتابه هدى للعالمين، وأسند بيانه للمبلغ الكريم ﷺ وأمر العباد بتدبر جميع ما جاء فيه، ولم يستثن من ذلك شيئًا، والدليل على ما قلناه قول مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه على كل آية وأسأله عندها". ويقول ابن تيمية بعد حكايته لقول مجاهد السابق وما ورد في معناه من الصحابة: "وكلام أهل التفسير من الصحابة والتابعين شامل لجميع القرآن إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه؛ لا لأن أحدًا من الناس لا يعلمه، لكن لأنه هو لم يعلمه". (انظر تفسير سورة الإخلاص ص١٨٧، ١٨٨) . وبهذا يندفع قول من يقول: إن آيات الصفات من المتشابه وفي الحقيقة أن أصحاب هذا القول أرادوا به تعطيل أسماء الله وصفاته وتأويلها عن ظاهرها اللائق بجلال الله وكماله. ولقد آمن السلف جميعًا بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله وعرفوا معاني الصفات وما تدل عليه، ولم يشتبه عليهم فهم شيء من ذلك. أما حقيقة الصفة وكيفيتها فهذا ما فوض السلف فيه العلم إلى الله تعالى، ولمزيد من التفصيل في ذلك انظر تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية من ص١٨٣- ٢٤٣.
[ ١٦٧ ]
الإجماع الرابع والأربعون
وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم بأيديهم وبألسنتهم إن استطاعوا ذلك، وإلا فبقلوبهم، وأنه لا يجب عليهم بالسيف إلا في اللصوص والقطاع بعد مناشدتهم١.
الإجماع الخامس والأربعون
وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار
_________________
(١) ١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أصول الدين، وهو من صفات رسول الله ﷺ قال تعالى عنه: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كما أمر عباده المؤمنين بذلك فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون - كما ذكر الأشعري - باليد واللسان والقلب، وقد جاء ذلك في حديث رسول الله ﷺ فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب ٢٠ج١/٦٩، وأبو داود في كتاب الصلاة باب ٢٤٨ج١/٦٧٧، وكتاب الملاحم باب ١٧ج٤/٥١١، والترمذي في كتاب الفتن باب ١١ج٤/٤٦٩، والنسائي في كتاب الإيمان ٨/١١١، وابن ماجة في كتاب الفتن باب ٢٠ج٢/١٣٣٠، وأحمد في مسنده ٣/١٠، ٢٠، ٩٢. وقد ذهب أهل السنة إلى ما جاء في هذه النصوص وسيرتهم أكبر دليل على ذلك، إلا أنهم اشترطوا أن تكون مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر راجحة على المفسدة، أما إذا ترتب على الأمر والنهي مفسدة أعظم من المصلحة، لم يكن هذا مما أمر الله به، ومن هنا أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة. (انظر ما سيأتي ذكره في الإجماع الآتي) . ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وهو مراد الأشعري هنا؛ حيث قيد استعمال السيف في اللصوص وقطاع الطريق. وانظر في ذلك رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية ص٣٥٠ وما بعدها ضمن كتاب شذرات البلاتين. أما المعتزلة والخوارج فخالفوا في ذلك، وقالوا بالخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، ومن أصول المعتزلة الخمسة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" إلا أنهم عنوا به الخروج على الأئمة وقتالهم، ولعل الأشعري هنا أراد أن يرد عليهم في ذلك، وانظر المقالات ١/٣٣٧، ٢/١٤٠، والملل والنحل ١/١٠٦، ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية ص٣٥٢، ومجموع الفتاوى ١٣/٩٨.
[ ١٦٨ ]
أو عدل، وعلى أن يغزوا معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد١.
وأنه لا يصلى خلف أحد من أهل البدع منهم من أجل٢ أنهم قد فسقوا بالبدع، والإمامة موضع فضل، ولا يصح أن يأتم العدل بالفاسق، كما لا يجب أن يأتم القارئ بالأمي «إلا أن» ٣ يخاف منهم فيصلي معهم، وتعاد الصلاة بعدهم٤.
_________________
(١) ١ ذهب أهل السنة والجماعة إلى ما ذكره الأشعري أعلاه مستندين في ذلك إلى ما قاله رسول الله ﷺ، فيما رواه عنه عوف بن مالك ﵁: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنونكم، قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة". الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب ١٧ج٣/ ١٤٨١، وأحمد في مسنده ٦/٢٤، ٢٨، والدارمي ٢/٣٢٤، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٥٠٩. وقال الإمام أحمد: "والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة على أتقياء، ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أم جاروا والانقياد إلى من ولاه الله أمركم، لا تنزع يدًا من طاعته ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا". (انظر رسالة السنة ٧١، ٧٢) . وقال الطحاوي: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة" (انظر شرح الطحاوية ص٣٢٧) . وقال الحافظ الصابوني: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف". (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٢٩) . وقال النووي: " لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق" (انظر شرح النووي على مسلم ١٢/٢٢٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/٢٤٧) . وقد سبق أن ذكرت قول الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة انظر الإجماع السابق. ٢ ساقطة من (ت) . ٣ في الأصل: "لأن" وما أثبته من (ت) . ٤ في الجزء الأول من هذا الإجماع - كما رأينا - ذكر الأشعري حكم الصلاة خلف البر والفاسق، وهنا يخصص كلامه في الصلاة خلف المبتدعة وهذا الموضوع له جوانب متعددة يضيق بسطها في هذا المقام. لذا سأوجز القول باختصار وبالله التوفيق. اعلم أولًا أنه لا يجوز للمسلم أن يصلي خلف المبتدع ما أمكنه ذلك أما إذا لم يتمكن فنظر: إن كان هذا المبتدع يجهر ببدعته ويدعو إليها، فلا يصلي خلفه، وإن صلى أعاد الصلاة، وهذا عند الإمام أحمد والإمام مالك. وإن كان لا يدعو إلى بدعة فيصلى خلفه ولا تعاد الصلاة على الراجح. (انظر المغني لابن قدامة ٢/١٨٥، ١٨٦) . وبهذا يظهر أن إطلاق الأشعري القول بعدم الصلاة خلف المبتدعة فيه نظر، ويميل ابن تيمية إلى عدم إعادة الصلاة خلف المبتدعة ويستدل على ذلك بأن الله لم يأمر أحدًا قط إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة. (انظر مجموع الفتاوى ٣/٢٨٦، ٢٨٧) . وهذا كله في المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، أما من كانت بدعته مكفرة كالروافض والباطنية ومن شاكلهم، فلا تجوز الصلاة خلفهم، كيف وهم كفار زنادقة، وعليه يحمل إطلاق الأشعري السابق، والله أعلم.
[ ١٦٩ ]
الإجماع السادس والأربعون
وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم على ما قال ﷺ: "خيركم قرني"١ وعلى أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشر، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم-٢.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه النسائي بهذا اللفظ من رواية عمران بن حصين في كتاب الأيمان والنذور باب الوفاء بالنذر ٧/١٧، وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن مسعود بلفظ: "خير الناس قرني" ومن رواية عمران بن حصين "خير أمتي قرني". (انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب ١ج٤/١٨٩، ومسلم فضائل الصحابة باب ٥٢ج٤/١٩٦٢، وأبو داود في كتاب السنة باب ١٠ج٥/٤٤، والترمذي في كتاب الفتن باب ٤٥ج٤/٥٠٠. ٢ ذهب الأشعري إلى هذا التفضيل كما سبقه غيره إليه أخذًا من مفهوم القرآن والسنة - كما سيأتي بيانه-. فالقرآن مثلًا فضل السابقين إلى الإسلام، والمجاهدين في سبيل الله على غيرهم، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء آية: ٩٥) . وقد أشار الأشعري إلى ذلك في الإجماع الآتي. وعلى هذا الأساس السابق فضل أهل السنة والجماعة أهل بدر على غيرهم من الصحابة، وقد خصهم النبي ﷺ في حديثه بأفضلية لم يشاركهم فيها غيرهم لما قال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب ٩ج٥/١٠، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب ٣٦ج٤/١٩٤١، وأبو داود في كتاب الجهاد باب ١٠٨ج٣/١٠٨، والترمذي في كتاب التفسير باب ٦١ج٥/٤٠٩، والدارمي في كتاب الرقاق باب فضل أهل بدر ٢/٣١٣، وأحمد في المسند ١/٨٠. وكذلك جاء في السنة تفضيل العشرة على هؤلاء للنص عليهم بأعيانهم بأنهم في الجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن خويلد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد. انظر سنن الترمذي كتاب المناقب باب ٢٦ج٥/٢٦٤٧، وأبو داود في كتاب السنن باب ٩ج٥/٣٩، وابن ماجة في مقدمة سننه باب ١١ج١/٤٨. أما الخلفاء الأربعة فهم في المقدمة؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا باتباع سنتهم دون غيرهم كما جاء في حديث العرباض بن سارية ﵁: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.." أخرجه الترمذي في كتاب العلم باب ١٦ج٥/٢٤٤، وأبو داود في كتاب السنة باب ٦ج٥/٢١٣، وابن ماجة في مقدمة سننه باب ٦ج١/١٥، وأحمد في المسند ج٤/١٢٦، والدارمي في مقدمة سننه باب اتباع السنة ١/٤٤. وهم على الترتيب الذي ذكره الأشعري في أرجح الأقوال، قال ابن عمر: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان بن عفان ﵃". أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ٤ج٤/١٩١، وانظر سنن أبي داود كتاب السنة باب ٨ج٥/٢٤، والترمذي كتاب المناقب باب ١٩ج٥/٦٢٩. وقال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: "وفي هذا الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة" ثم حكى الخلاف في ذلك وختمه بقوله: "وحديث الباب حجة للجمهور" انظر فتح الباري ٧/١٦، ٣٤. وقال الإمام أحمد: "وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس" (انظر رسالة السنة ص٨٧) . وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي، وتقديم عثمان هو الذي استقر عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل السنة، وأما أفضل أصنافهم صنفًا، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان. قال ابن الصلاح: وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب..". (انظر علوم الحديث ص٢٦٨، ٢٦٩) . وقال ابن حجر: "تقرر عند أهل السنة قاطبة تقديم علي بعد عثمان وتقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، وتقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك". (انظر فتح الباري ٧/٥٨) .
[ ١٧٠ ]
وأن إمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم، وأن الله ألف قلوبهم على ذلك لما أراده من استخلافهم جميعًا بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ ١ فجمع الله قلوب المؤمنين على ترتيبهم في التقديم من قبل أنهم لو قدموا عمر على الجماعة لخرج أبو بكر عما وعده الله به، وكذلك لو قدم عثمان لخرج أبو بكر وعمر؛ لأن الله قد علم أنه يبقى بعدهما، وأنهما يموتان قبله، وكذلك لو قدم علي على جميعهم لخرجوا من الوعد لعلم الله أنهم يموتون قبله فرتبهم وألف بين قلوب المؤمنين على ذلك، لينالوا جميعًا ما وعدوا به، وإن كان كل واحد منهم يعلم ذلك٢.
الإجماع السابع والأربعون
وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة٣، وعلى أن كل من صحب النبي ﷺ ولو ساعة، أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك٤.
_________________
(١) ١ سورة النور آية: (٥٥) . ٢ يشير الأشعري إلى أن ترتيب الخلفاء الراشدين على ما سبق ذكره، هو ما أراد الله كونه، وهيأ له أسباب وجوده، وانظر إجماع الناس على بيعة أبي بكر في صحيح البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي باب ٥ج٤/١٩٤، ثم فوض أبو بكر الخلافة بعده لعمر واتفقت الأمة عليه. (انظر شرح الطحاوية ص٤٢٤، وحول بيعة عثمان بوب البخاري في الصحيح بقوله: "قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان". ثم ساق القصة كاملة. انظر كتاب فضائل أصحاب النبي باب ٨ ج٤/٢٠٤، ثم اعتقد أهل السنة أن عليًا هو الخليفة الرابع لرسول الله ﷺ. انظر ما سبق ذكره في بداية هذا الإجماع، والفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٥٠، والفصل لابن حزم ٤/١٤٤، ١٥٧، ١٥٨، وشرح الطحاوية ص٤٣٠. ٣ انظر ما تقدم ذكره في الإجماع السابق. ٤ لشرف منزلة النبي ﷺ وعظم مكانته أعطي من رآه ولو مرة واحدة مع إيمانه به حكم الصحابة. قال أبو المظفر السمعاني: "أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثًا، أو كلمه، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة وذلك لشرف منزلة النبي ﷺ أعطوا كل من رآه حكم الصحابة". انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٦٣. وقد اختلف في تعريف الصحابي على أقوال: قال البخاري: "ومن صحب رسول الله ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه". انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب ١ج٤/١٨٨، وقد ذكر ابن حجر أن تعريف البخاري هذا هو أولى التعريفات إلا أنه قيده بقيد وهو "ومات على ذلك" حتى يخرج بذلك من ارتد، وعليه عرف الصحابي بقوله: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي رسول الله ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى". انظر الإصابة في تمييز الصحابة ١/٧. وقد أخذ السيوطي أيضًا بهذا التعريف، انظر تدريب الراوي ٢/٢٠٩. وذهب بعض أهل الأصول إلى أن الصحابي من طالت مجالسته على طريق التبع للنبي ﷺ كما ورد من طريق ضعيف عن سعيد بن المسيب أنه لا يعد صحابيًا إلا من أقام معه سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين. وهناك أقوال أخر ذكرها السيوطي في التدريب انظر ٢/٢١٠- ٢١٢، والراجح ما سبق ذكره عن البخاري، وغيره وهو ما اعتمده الأشعري في تعريفه.
[ ١٧١ ]
الإجماع الثامن والأربعون
وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة - ﵈ - إلا بخير ما يذكرون به، وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم، ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج، وأن نظن بهم أحسن الظن، وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقوله رسول الله ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" ١.
وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر٢.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود. انظر المعجم الكبير ١٠/٢٤٤، وقال المناوي: "قال الحافظ العراقي في سنده ضعيف، وقال الهيثمي فيه يزيد ابن ربيعة ضعيف، وقال ابن رجب: روي من وجوه في أسانيدها مقال" انظر فيض القدير ١/٣٤٨، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير وحكم له بالصحة. انظر ١/٢٠٩، وقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة: روي من حديث ابن مسعود وثوبان وابن عمر وطاوس مرسلًا وكلها ضعيفة الأسانيد ولكن بعضها يشد بعضًا. انظر ١/٤٢. ٢ ذهب أهل السنة والجماعة إلى ما ذكره الأشعري عن صحابة النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - قال الإمام أحمد: "ومن الحجة الواضحة الثابتة البيّنة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن ذكر مساويهم، والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث، مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة". انظر رسالة السنة ص٧٧، ٧٨. وقال الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان". انظر شرح الطحاوية ص٤١٤. وقال الخطيب البغدادي: "عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ انظر الكفاية في علم الرواية ص٩٣. وقال ابن حجر العسقلاني: "اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة من المبتدعة". انظر الإصابة في تمييز الصحابة ١/٩. وقال ابن حجر الهيتمي: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم، ثم نقل قول أبي زرعة: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلال والكذب والفساد هو الأقوم الأحق" انظر الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة بتحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف ص٢٠٨- ٢١١. وقد خالف في ذلك الخوارج والروافض، والروافض في ذلك أشد حيث إنهم يعيشون الآن لسب الصحابة ولعنهم، ولهم دولة ترعاهم قاتلهم الله تعالى. وانظر ما سيأتي ذكره عنهم في الإجماع الخمسين.
[ ١٧٢ ]
وقوله: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" ١ وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ ﴾ إلى آخر ما قص الله ﷿ من ذكرهم ثم قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٢.
الإجماع التاسع والأربعون
وأجمعوا على أن ما كان بينهم من الأمور الدنيا لا يسقط حقوقهم، كما لا يسقط ما
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا" الحديث انظر كتاب فضائل أصحاب النبي باب ٥ ج٤/١٩٥، وأخرجه أبو داود أيضًا من رواية أبي سعيد بلفظ: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده" الحديث. انظر كتاب السنة باب ١١ج٥/٤٥، وأخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب ٥٨ج٥/٦٩٦، وأخرجه ابن ماجة من رواية أبي هريرة، انظر مقدمة سننه باب ١١ج١/٥٧، وانظر مسند أحمد ٣/١١، ٥٤، ٦٣. ٢ سورة الفتح آية: (٢٩) . استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أفضلية الصحابة - رضوان الله عليهم- كما ذكر الأشعري، ولقد بدأ البيهقي كلامه عن الصحابة بهذه الآية، ثم عقب عليها بقوله: "فأثنى عليهم ربهم وأحسن الثناء عليهم، ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، ثم وعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ انظر كتاب الاعتقاد ص١٥٩. وقال ابن كثير: "ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك - ﵀ - في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم". انظر تفسير ابن كثير ٧/٣٤٣.
[ ١٧٣ ]
كان بين أولاد يعقوب النبي ﵇ من حقوقهم١، وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه، وعما اختلفوا فيه، أو في تأويله؛ لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم٢.
الإجماع الخمسون
وأجمعوا على ذم سائر أهل البدع والتبري٣ منهم، وهم الروافض٤، والخوارج٥،
_________________
(١) ١مراد الأشعري بذلك أن ما كان بين الصحابة من أمور الدنيا يقتص لبعضهم من بعض فيه، كما حدث بين أولاد يعقوب ﵇ حيث كان ليوسف على إخوته حق فعفا عنه، وقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف آية: ٩٢) . وكذلك الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فمن كان له حق عند أخيه، وعفا عنه في الدنيا فقد سقط، وإن لم يعف عنه في الدنيا فيأخذ له حقه في الآخرة. ٢ ينهى الأشعري هنا عن الخروج على مذهب السلف - رضوان الله عليهم - وهي وصية قيمة منه ينبغي على كل مسلم اتباعها، لأن الحق والخير مع سلف هذه الأمة وفي أقوالهم، فهم الذين حفظوا السنن والآثار وفهموا كتاب ربهم على ضوء ذلك، ولم ينحرفوا عن صراط الله المستقيم إلى طريق المبتدعة من سائر الطوائف والفرق، ويكفي أن أقوالهم لا تخرج عن القرآن والسنة، وقد أمر رسول الله ﷺ باتباعهما وحذر من مخالفتهما، كما أن هؤلاء السلف سلكوا سبيل المؤمنين الذي كان عليه الصدر الأول، وقد نهى الله ﷿ عن الخروج على سبيلهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . ٣ انظر ما سيأتي ذكره في الإجماع الآتي. ٤ قال الإمام أحمد عن الروافض: "هم الذين يتبرؤن من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ويسبونهم ويتنقصونهم، ويكفرون الأئمة الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، وعمارًا أيضًا، والمقداد، وسلمان، وليست الرافضة من الإسلام في شيء" انظر رسالة السنة ص٨٢. وقال الأشعري: " وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهم مجمعون على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا لتركهم الاقتداء به". انظر مقالات الإسلاميين ١/٨٩. وقال البغدادي: "وأما الروافض فإن السبئية منهم أظهروا بدعتهم في زمان علي ﵁ فقال بعضهم لعلي: أنت الإله، فأحرق علي قومًا منهم، ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام لتسميتهم عليًا إلهًا". انظر الفرق بين الفرق ص٢١. وقال ابن حزم: "إن الروافض ليسوا من المسلمين وهي تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر". انظر الفصل ٢/٧٨. وقال أبو بكر ابن العربي: "وأكثر الملحدة على التعلق بأهل البيت وتقدمة علي على جميع الخلق، حتى إن الرافضة انقسمت إلى عشرين فرقة أعظمهم بأسًا من يقول: إن عليًا هو الله". انظر العواصم من القواصم ص٢٤٧، وانظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ص٢٥- ٤٠. ٥ الخوارج: اسم يطلق على كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، وهذا يتناول أئمة المسلمين في كل زمان ومكان. انظر الملل والنحل١/١٠٥، ومراد الأشعري بالخوارج هنا: من خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وكفروه، وهم أصناف متعددة ويجمعهم القول بتكفير مرتكبي الكبائر وخلودهم في النار. انظر مقالات الإسلاميين ١/١٦٧، ١٦٨، والتنبيه للملطي ص١٦٧، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٥١.
[ ١٧٤ ]
والمرجئة١، والقدرية٢، وترك الاختلاط بهم لما روي عن النبي ﷺ في ذلك، وما أمر به من الإعراض عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٣.
وما روي عن النبي ﷺ: "أن الخوارج كلاب أهل النار"٤، وما روي عنه ﵇ أنه قال: "فرقتان لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية" ٥. وأنه ﵇ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" ٦.
وأنهم الذين (يعترضون) ٧ على الله في مقاديره، ويزعمون أنهم يقدرون على الخروج من علمه، وأنهم يخلقون كخلقه، وإنما شبههم النبي ﷺ بالمجوس دون سائر الفرق من اليهود والنصارى في مشاركتهم لهم فيما يختصون به من قولهم: إن الشر لا يفعله إلا
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد: "المرجئة: هم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأن الإيمان قول والأعمال شرائع، وأن الإيمان مجرد، وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقًا، هذا كله قول المرجئة وهو أخبث الأقاويل وأضله وأبعده من الهدى". انظر رسالة السنة ص٨١. وقال البغدادي: "المرجئة ثلاثة أصناف صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة، وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، فهم إذًا من جملة الجهمية، والصنف الثالث: خارجون عن الجبرية والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق، وإنما سموا مرجئة: لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، والإرجاء: بمعنى التأخير، يقال: أرجيته، وأرجأته إذا أخرته" انظر الفرق بين الفرق ص٢٠٢. ٢ سبق التعريف بالقدرية وطوائفهم بالتفصيل، انظر صفحة ١٩٤ من هذه الرسالة، وانظر كلام الأشعري عنهم في نهاية هذا الإجماع. ٣ سورة الأنعام آية: (٦٨) . ٤ الحديث أخرجه أحمد في مسنده من طريق ابن أبي أوفى ٤/٣٥٥، ٣٨٢، وكذلك ابن ماجة في مقدمة سننه ١/٦١، وابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/٤٣٨، وقد حكم الألباني له بالصحة. ٥ الحديث لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن أخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بلفظ: "صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة المرجئة والقدرية". انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤/٢٠٨. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط عن واثلة بن الأسقع وفيه محمد بن محصن وهو متروك، ورواه في الأوسط أيضًا عن جابر بن عبد الله وفيه يحيى بن كثير السقاء وهو متروك. انظر مجمع الزوائد ٧/٢٠٦. ٦ الحديث أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب ١٧ج٥/٦٦ من حديث ابن عمر. قال المنذري: "هذا حديث منقطع، أبو حازم - سلمة بن دينار - لم يسمع من ابن عمر، وقد رُوي هذا الحديث عن ابن عمر من طرق ليس فيها شيء يثبت". انظر سنن أبي داود ٥/٦٦. وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ١/٨٥. ٧ في الأصل و(ت): "يتعرضون"، والصواب ما ذكرته.
[ ١٧٥ ]
الشرير، وأن الله لا يفعل ذلك كما قالت المجوس في النور الذي يعبدونه، وأنه لا يضر أحدًا، لأن من ضر غيره كان سفيهًا، وقد أجمع المسلمون على أن الله الضار النافع، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ١.
الإجماع الحادي والخمسون
وأجمعوا على النصيحة للمسلمين٢ والتولي بجماعتهم٣، وعلى التوادد في الله، والدعاء لأئمة المسلمين، والتبري ممن ذم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته وأزواجه، وترك الاختلاط بهم، والتبري منهم٤.
_________________
(١) ١ سورة الفلق آية: (١، ٢) . وقد سبق الكلام على المجوس وتفصيل مقالاتهم. انظر ص١٤٢. وقال الخطابي: "إنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا ثانوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله ﷿ والشر إلى غيره، والله سبحانه خالق الخير والشر لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته". انظر معالم السنن على هامش سنن أبي داود ٥/٦٦. ٢ قال البخاري - ﵀ - في صحيحه: "باب قول النبي ﷺ الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ انظر كتاب الإيمان باب ٤٢ ج١/٢٠. ٣ هكذا بالأصل وفي (ت): "والتولي لجماعتهم". أمر الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلزوم الجماعة وعدم الخروج عليها، وقد عقد الآجري في كتابه الشريعة بابين حول هذا المعنى، عنون للأول بقوله: باب ذكر الأمر بلزوم الجماعة، وللثاني بقوله: باب أمر النبي ﷺ أمته بلزوم الجماعة. انظر الشريعة ص٣- ١٤. كما فعل اللالكائي فقال: سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم وذم تكلف الرأي والرغبة عن السنة والوعيد في مفارقة الجماعة، ثم أورد كثيرًا من النصوص في ذلك. انظر أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٩٣. ٤ أجمع أهل السنة على ما ذكر الأشعري عنهم، وسيرتهم أكبر دليل على ذلك. قال البغوي: "وقد اتفق علماء السنة على معادات أهل البدعة ومهاجرتهم". انظر شرح السنة ١/٢٢٧. وقال البيهقي "لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون". انظر الاعتقاد ص١١٧. وساق اللالكائي بسنده إلى الفضيل بن عياض أنه قال: "من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يعط الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب البدعة حصن من حديد، آكل عند يهودي ونصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة". انظر أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٦١٧. وقال محمد بن سعيد القحطاني: "يدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء". انظر رسالته الولاء والبراء في الإسلام ص١٤٠.
[ ١٧٦ ]
فهذه الأصول التي مضى الأسلاف عليها، واتبعوا حكم الكتاب والسنة بها واقتدى بهم الخلف الصالح في مناقبها.
نفعنا الله وإياكم آخره، والحمد لله رب العالمين وهو حسبنا١ ونعم الوكيل (ولا حول ولا قوة إلا بالله) ٢.
_________________
(١) ١ في (ت): "حسبي". ٢ ما بين المعقوفتين من (ت) .
[ ١٧٧ ]
الخاتمة
انتهيت بحمد الله ومَنِّه وكرمه من دراسة وتحقيق كتاب «رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب» لأبي الحسن الأشعري، ويمكن تلخيص ما اشتمل عليه موضوع الكتاب في قسمين:
١- الأول: وهو ما يتعلق بالمقدمة، والتي كانت دراسة وافية عن المؤلف وكتابه، وقد اشتملت على بابين:
الباب الأول: دراسة وافية عن أبي الحسن وسيرته، وقد أبرزت فيها جوانب هامة من حياته، وذلك فيما يتعلق بعقيدته وأطواره المختلفة، ومنهجه في كل حالة، ثم تعرضت لموقف تلامذة الأشعري والمنتسبين إليه، وبينت مدى مخالفة الأشعريين لمنهج الأشعري في طوره الأخير.
وأما الباب الثاني: فقد تناولت فيه الكتاب المحقق من ناحية اسمه وموضوعه، وسبب تأليفه، وبيان صحة نسبته إلى المؤلف، وقيمته العلمية في بابه، وما أخذ عليه فيه، كما تعرضت لنسخ المخطوطة وعرفت بها كعادة المحققين، وأخيرًا ذكرت المنهج الذي سلكته في تحقيق هذا الكتاب.
٢- الثاني: مادة الكتاب الأصلية، أعني التي تضمنها ذات الكتاب وهي قضايا هامة في أصول الدين، وافق الأشعري فيها غالبًا مذهب السلف وخالفهم أحيانًا في بعض المسائل.
وقد توصلت من خلال تحقيقي لهذا الكتاب إلى عدة نتائج أجملها فيما يلي:
١ أن النجاح الكامل في اتباع منهاج النبوة وما كان عليه السلف الصالح.
٢- التمسك بالكتاب والسنة وطرح ما عداهما فيه صيانة للإنسان من البدع والضلال.
٣- تمكن النزعة الكلامية عند الأشعري، وذلك بسبب نشأته الأولى.
٤- سلك الأشعري مسلك السلف عمومًا بعد رجوعه إلى مذهبهم، وخالفهم في بعض المسائل عند تطبيقه لهذا المنهج، وذلك لبعده فترة طويلة عن مذهبهم.
[ ١٧٨ ]
٥- مخالفة الأشعري للفلاسفة والمتكلمين، وذمه لهم وبيانه لفساد طريقتهم في الاستدلال، وإن سلك مسلكهم أحيانًا، كما حدث في الكلام حول حدوث العالم.
٦- إثبات الأشعري للصفات التي جاء بها الوحي قرآنًا كان أو سنة دون تفرقة في ذلك وإن كان عليه بعض المآخذ التي أشرت إليها في التحقيق، كما وافق السلف في مسائل القضاء والقدر.
٧- موافقة الأشعري لمذهب السلف فيما جاء به الوحي من أخبار الساعة وما يقع فيها.
٨- موافقة الأشعري لمذهب السلف في مرتكب الكبيرة، وما وقع من خلاف بين الصحابة وما يتعلق بذلك.
٩- إعلان براءته من جميع الفرق الضالة المخالفين لمنهج السلف، أهل السنة والجماعة.
وختامًا أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم عمل علمي يستفيد منه المسلمون، وخاصة من سموا أنفسهم «الأشعرية» أو «أهل السنة والجماعة» .
وأسأل الله جل ذكره أن يوفقنا جميعًا لهدي كتابه والسير على سنة رسوله ومصطفاه ﷺ، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين» .
[ ١٧٩ ]