وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩] .
ومعنى ذلك أن اللَّه ﷾ قد خصص أمكنة لتعظيمه، كالكعبة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقا لزيارتها، والحنين إليها، فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالا وركبانا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر، وعناء التنقل، يصلون إليها غبرا شعثا، متبذلين في الثياب، زاهدين في الشارات والمظاهر، فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى، ويوفون نذورهم، ويطوفون بالبيت، ويقضون لبانتهم من تعظيم اللَّه تعالى، الذي غمر نفوسهم وقلوبهم، ويرضون
[ ١٣٤ ]
هنالك عاطفة الحب والحنان، التي ملكتهم.
ويذهبون في ذلك مذاهب شتى، ويتفننون فيه، فمنهم من يستلم عتبة البيت ويقبلها، ومنهم من يقف داعيا أمام الباب، ومنهم من يتضرع متشبثا بكسوة الكعبة، ومنهم من يعتكف عنده، فيصل بياض النهار بسواد الليل عاكفا على عبادة اللَّه، منصرفا إلى ذكره، إلى غير ذلك من مظاهر التعظيم، وشعائر الحب والتفاني، والله يرتضيها ويثيبهم عليها في الدين والدنيا، فلا تجوز هذه الأعمال - المختصة بهذه الأمكنة - لتعظيم شيء آخر، شخصا كان أو قبرا، أو مكان عبادة لرجل صالح، أو نصبا لصنم.