وقد دلت هذه الآية على أن الأنبياء والأولياء، إنما شرفهم اللَّه على الخلق، وعلت منزلتهم عند اللَّه، لأنهم يدعون الناس إلى اللَّه، ويرشدون إلى طرائق الحق، ولأنهم يعرفون ما هو صالح الأعمال، وما هو فاسدها، فيعلمون الناس ذلك، وينفع اللَّه بكلامهم، فينفذ في القلب، ويهتدي الناس إلى الصراط المستقيم، وليس شرفهم، لأن اللَّه ﷾ منحهم قدرة التصرف في العالم، فيميتون من يشاءون، أو يرزقون من يشاءون الأولاد، أو يفرجون الكرب، ويكشفون الغم، ويحققون أماني الناس، ويقضون حاجاتهم، ويجعلون من يشاءون منتصرا أو منهزما، أو غنيا أو فقيرا، أو ملكا أو أميرا، أو وزيرا، وينتزعون ممن يشاءون ملكا أو إمارة، أو يخلقون في قلب من يشاءون الإيمان، أو ينزعونه منه، أو يشفون المريض، أو يسلبون منه الصحة، قد تساوى في ذلك جميع العباد، فكلهم عاجزون ضعفاء لا يقدرون على شيء.
وكذلك لا يمتازون عن الناس بأن اللَّه ﷾ مكنهم من علم الغيب، وبسط لهم فيه، فيطلعون على خواطر النفوس متى شاءوا، ويطلعون على شؤون من غاب إذا شاءوا، فيعرفون هل هو حي أم مات، وفي أي مدينة هو، وما تكتنفه من أحوال، وما يتقلب فيه من نعيم أو بؤس، ويعرفون ما هو كائن غدا، فيعرفون أن فلانا سيرزق ولدا، وفلانا لا يولد له، وفلانا يربح في التجارة أو يخسر، وهل يقدر لفلان الانتصار في الحرب، أو سيلقى الهزيمة، فقد تساوى في ذلك جميع العباد كبارهم وصغارهم، هم عن ذلك في عمى، إلا ما ينقل عن بعض
[ ١٠٧ ]
العقلاء شيء من الحدس، أو لتقدير مصدره القرائن أو العقل السليم، فيتفق ذلك مع الواقع، كذلك هؤلاء السادة والعظماء قد يحكمون على شيء بعقل أو قرينة، فيتحقق في بعض الأحيان، ويتخلف في بعض الأحيان، أما ما كان عن طريق الوحي والإلهام، فهو لا يقاس على ذلك، ولا يتطرق إليه خطأ، ولا ترتقي إليه شبهة.