وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ
[ ١١٥ ]
ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] .
قد جرت العادة أن من يقضي حاجة من يستصرخه، ويغيثه، إما يكون صاحب الأمر، وإما شريكا له سلطان عليه، أو دالة عنده، فملوك الأرض ينزلون عند رغبة أمرائهم، ويحققون طلبهم، فإنهم أعوانهم، ودعائم ملكهم، فإذا سخطوا أو حقدوا عليهم تزلزل ملكهم، واضطرب أمرهم، وإما أن يشفع إلى الملك أحد المقربين إليه، والذين لهم حظوة عنده، فيحقق رغبتهم طوعا وكرها، وقد يفعل ذلك من غير رضى وطواعية نفس، شأن بنت الملك المدللة، أو إحدى زوجاته الحظيات، فلا يستطيع الملك أن يرفض شفاعتها فيقبلها.
أما أولئك الذين يستغيث بهم هؤلاء الجهال، ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم، فلا يملكون حبة من شعير، ولا شيئا من نقير أو قطمير في السماوات والأرض، وما لهم فيهما من شرك، وليسوا من دعائم ملك اللَّه، ولا عضده الأيمن، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، حتى يقبل شفاعتهم اضطرارا واستسلاما، إنهم لا يملكون أن يشفعوا إلا بإذنه، ولا يستطيعون أن يحققوا رغبات المستشفعين بقوة أو قهر، بل بالعكس من ذلك قد بلغ بهم العجز والفقر إلى أنه إذا توجه إليهم أمر من اللَّه أخذتهم المهابة وفقدوا رشدهم، ويمنعهم الأدب والفزع عن مراجعة اللَّه،
[ ١١٦ ]
واستيضاح ما خوطبوا به وأمروا، بل أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الحقيقة، فإذا تبين لهم الأمر، ما زادوا على أن يقولوا: آمنا وصدقنا، فضلا عن معارضة الملك القاهر، وعن الدفاع عن أحد، أو الإدلاء بدليل أو برهان.