أخرج أحمد عن أبي بن كعب ﵁ في تفسير قول اللَّه ﷿.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال جمعهم فجعلهم أزواجا، صورهم، فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك.
[ ٩١ ]
وقد فسر أبي بن كعب ﵁ الآية تفسيرا واضحا، وذكر أن اللَّه ﷾ قد صنف أولاد آدم أصنافا، فكانت طائفة من الأنبياء، وطائفة من الأولياء، وطائفة من الشهداء، وطائفة من الصلحاء، وطائفة من المطيعين، وطائفة من العصاة والفاسقين، وطائفة من الكفار كاليهود والنصارى، والمجوس والمشركين، وأبرز هذه الطوائف في الصور والأجسام التي أراد خلقها، منها الوسيم ومنها الدميم، ومنها الأصم، ومنها الأعور، ومنها الأعمى، ثم وهبها النطق، ثم قال لها: ألست بربكم؟ فأقرت جميعا، وقالت: بلى! أنت ربنا، ثم أخذ منها العهد والميثاق، أن لا تشرك في ملكه وحكمه أحدا، وأن لا تتخذ غيره ربا وإلها، فقبلته جميعا وأعطت العهد والميثاق، وأشهد اللَّه على ذلك السماوات والأرض وأباهم آدم، وقال: سيبعث الأنبياء ليذكروا بهذا العهد والميثاق، وسيحملون الكتب السماوية، وأقرت كل طائفة على حدة بالتوحيد، وتبرأت من الشرك، فظهر من ذلك أنه لا مسوغ للاحتجاج بكلام عالم أو شيخ، أو كلام آباء وأجداد، أو ملوك وسلاطين.
وإن قال قائل: لقد نسينا في هذه الحياة كل ما جرى في عالم الأرواح، فلا معول على شيء منسي، ولا يصح الاحتجاج به، وهذا
[ ٩٢ ]
لا يصح، لأن الإنسان كثيرا ما ينسى شيئا، ثم يؤمن به إذا أخبره به الثقات، فكلنا ولد من بطن أمه، ولكنه لا يذكر هذه الساعة، ولا هذا الحادث، فإنه كان لا يعي ذلك ولم يكن يعقل في ذلك الحين، ولكن لما استفاض ذلك الخبر، وتواترت به الأنباء، وتناقلته الألسن، آمن به، ولم يشك في أمه أنها له أم، وهو لها ابن، لا يعدل عنها عدولا، ولا يبغي لها بديلا، فمن عق أمه، ولم يبر بها، واتخذ له أما أخرى، كثرت القالة فيه، وأصبح شامة في الناس، فإن تعلل بأنه لا يذكر هذا الحادث، وأنه لا يعتمد على مجرد الإشاعة، ضعف الناس عقله، وسفهوا حلمه، واعتبروه قليل الحياء، قليل الأدب، فإذا كان الناس يعتمدون على حديث العامة، وآمنوا بسببه بحقائق، كان الأنبياء أولى بهذه الثقة، وأجدر بالاحتجاج.
وقد تبين من هذا الحديث أنه قد سبق أمر اللَّه بالتوحيد والنهي عن الشرك لكل نسمة في عالم الأرواح، وما بعث الرسل، ونزلت الصحف إلا لتبين ذلك وتؤكده، وقد تلخص كلام الأنبياء، وهو الاعتصام بالتوحيد، وإخلاص الدين لله، والابتعاد عن الشرك، واتخاذ غير اللَّه حاكما، يتصرف في الكون، واتخاذه ربا يطلب منه تحقيق مطالبه وإسعاف حاجته.