أخرج الترمذي عن ابن عباس ﵁، قال: «كنت خلف رسول اللَّه ﷺ يوما، فقال: " يا غلام احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» .
ومعنى الحديث أن اللَّه ﷾ ملك الملوك، ليس شأنه شأن الملوك، الذين يأخذهم السفه، ويميل بهم التيه، فلا يرقون لمملوك، ولا يعطفون عليه، وإن بالغ في التضرع والاستغاثة، لذلك لجأ كثير من رعية الملوك، وأهل مملكتهم إلى الأمراء، فتوسلوا بهم عند هؤلاء الملوك، وتمسكوا بأهدابهم، ولاذوا بحماهم ليميلوا إليهم، ويشملوهم بعطفهم، ويعفوا عن خطاياهم، تحقيقا لرغبة هؤلاء الشفعاء، أو وجاهة أولئك الأمراء والعظماء، بل هو في منتهى الكرم والرحمة، لا ينسى أحدا، ولا يغفل عن أحد، شفع شفيع، أو لم
[ ١٢٢ ]
يشفع، وليس له مجلس كمجالس الملوك، والسلاطين.
بل إن اللَّه أقرب إلى عبده من حبل الوريد، فمن أقبل عليه بقلبه، أقبل عليه بعطفه، ووجده تجاه نفسه، ليس بينه وبين ربه حجاب إلا الغفلة والجهالة، فمن بعد عنه بعد بغفلته، ومن حرم رحمته حرم بجهالته ومعصيته، وهو أقرب من كل قريب، ألا يعرف من دعا شيخا، أو نبيا، وناداهما لنصرته، ليقرباه إلى اللَّه زلفى، أن الشيخ والنبي بعيدان عنه، والله قريب منه، ومثله مثل رجل جالس وحده عند الملك، وقد أقبل عليه الملك يسمع طلبه، وما يبديه من حاجة أو رغبة، فانصرف هذا الرجل الجاهل عن الملك، وبدأ ينادي أميرا أو وزيرا، وهما بعيدان، وسألهما أن يبلغا حاجته إلى هذا الملك العظيم، وهو لا يخلو عن حالين: إما أنه أعمى، وإما أنه مجنون.
وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بأن العبد إذا سنحت له حاجة اضطرته إلى السؤال فليسأل اللَّه، وأنه إذا كان في حاجة إلى إعانة، أو إغاثة فليستعن بالله، وأنه قد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، فلا ماحي لما أثبته اللَّه، ولا مثبت لما محاه اللَّه، وأن القضاء واقع، والأمر محتوم، وإن اجتمع الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم على أن ينفعوا أحدا، أو يضروه، لم يجاوز ذلك قدر اللَّه.