وقد تبين من هذه الآية أن من ادعى علما يعرف به الغيب متى شاء وأن الاطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له، وتحت تصرفه، كان كذابا، مدعيا للألوهية، ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي، أو جني أو ملك، أو إمام أو ابن إمام، أو شيخ أو شهيد، أو مُنِجِّم أو رمَّال، أو جفار، أو من يبحث عن الفال في كتاب (١)، وغير ذلك، أو كاهن أو سادن، أو عفريت أو جنية كان مشركا، منكرا لهذه الآية.
ومن وسوست له نفسه، وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم، أو رمال، أو كاهن، أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس، فيدل ذلك على علمه للغيب، فكل ذلك باطل، فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها، فثبت من ذلك أنه لا صلة له بعلم الغيب، وأنه ليس في تصرفهم، وإنما يتكلمون رجما بالغيب، وقد يصيبون، وقد يخطئون، وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف، ومن يبحث عن الفال في
_________________
(١) اعتاد الناس - في الهند وغيرها أنهم إذا غم عليهم أمر، وكانوا في حيرة وتردد، يقدمون - رجلا، ويؤخرون أخرى، فتحوا كتابا يعتقدون في مؤلفة الخير، وشفوف الروح، فيفتحونه من غير تخير، فما واجههم في الصفحة التي فتحوها تفاءلوا به، وبتوا الأمر، وقد كثر الاعتماد على ذلك في إيران، وشبه القارة الهندية، على «ديوان حافظ» الشاعر الإيراني الغزلي الصوفي، المتوفى سنة ٧٩٣هـ ويسمون هذا الاستفتاء «برؤية الفال» .
[ ١٠٢ ]
المصحف.
وبالعكس من ذلك فإنه لا خطأ في الوحي، والوحي لا يملكون من أمره شيئا، وإنما ذلك إلى اللَّه، إذا شاء أوحى إليهم بما شاء، وإذا لم يشأ لم يوح إليهم، لا أثر لرغبتهم في ذلك، يقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، فعلم أنه لا سلطان لأحد على الغيب، ودليله أن جميع المؤمنين يؤمنون بأن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكنهم لا يعلمون موعدها بالتحديد، يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا
[ ١٠٣ ]
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] .