الفصل الأول: عصر المؤلف (٠٠٠ - ٤٤٤هـ)
تمهيد:
قبل الشروع في دراسة حياة المؤلّف والتعريف به، رأيت أن أقدم بين يدي ذلك عرضًا موجزًا للبيئة التي عاش فيها، والظروف التي سادت في عصره، وأحاطت بحياته، إذ أن المرء ابن بيئته، يتأثر بالظروف والمؤثرات المحيطة به.
لذا كان لزاما علينا ونحن ندرس حياة عَلم من أعلام الإسلام، كالإِمام أبي نصر السجزي، أن نلم بالأحوال التالية في عصره:
الحالة السياسية.
الحالة الاجتماعية.
الحالة العلمية.
الحالة الدينية
الحالة السياسية:
لم تذكر لنا مصادر ترجمة الإِمام أبي نصر السجزي متى كانت ولادته، وإنما اكتفت بذكر تاريخ وفاته وأنه بعد الأربعين وأربعمائة، ثم أشير فيها إلى أنه كان يعيش قبل الأربعمائة، حيث بدأ رحلته في طلب العلم كما سيأتي معنا.
إذًا علينا أن نعرض للحالة السياسية في الربع الأخير من القرن الرابع والنصف الأول ومن القرن الخامس الهجريين وهي الحقبة التي عاشها الإِمام أبو نصر على وجه التقريب.
[ ٢٨ ]
وعلى هذا فقد عاصر أبو نصر دولة بني العباس في عصر انحسار نفوذ الخلفاء وتقلص سلطان الدولة الفعلي، حيث استقل كل أمير بإمارته وكل أهل ناحية، بما يليهم، فقامت دويلات متناحرة، ولم يبق للخليفة العباسي سوى بغداد، ولم تكن سلطته عليها سائدة على كل حال.
فأدرك أبو نصر الخليفة العباسي القادر بالله أبا العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله (٣٨١-٤٢٢ هـ)، ثم الخليفة القائم بأمر الله أبا جعفر عبد الله بن القادر بالله (٤٢٢-٤٦٧ هـ) ١.
وكان الضعف قد دب في كيان هذه الدولة في نهاية الربع الأول من القرن الرابع الهجري، حيث أصيب العالم الإسلامي في نحو سنة ٣٢٤ هـ بانقسام كبير حتى كأنه عقد قد انفرط أو صخرة قد تفتت - كما يقول أحمد أمين ٢ - وإن كانت قد انفصلت بعض أجزاء الدولة قبل ذلك التاريخ، إلا أنه لم يحصل مثل هذا التمزق إلا في نحو هذا العام.
يقول ابن كثير: في هذه السنة: "وهَيَ أمر الخلافة جدًا، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها ولم يبق للخليقة حكم في غير بغداد ومعاملاتها، ومع هذا فليس له فيها نفوذ ولا كلمة تطاع" ٣.
ثم لازم هذا الوضع المتردي الدولة العباسية إلى أن أفل نجمها، وانثل عرشها على أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة حين قضى هولاكو
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية١١/٣٠٨، ١٢/٣١، ١١٠. ٢ انظر: ظهر الإسلام ٢/١. ٣ انظر: البداية والنهاية ١١/١٨٤.
[ ٢٩ ]
على آخر خلفائها، المستعصم بالله ١.
فنرى القادر بالله والقائم بأمر الله الخليفتين اللذين عاصرهما الإمام السجزي، وليس لهما من الخلافة إلا الاسم والرسم، حيث استبد البويهون ٢ بأمور الدولة في العراق وفي بغداد نفسها، فضلًا عن سائر الأقاليم التي أصبحت دولًا لها ملوكها الذين لا يخضعون للدولة العباسية إلا اسمًا.
إذ لم تزل بقية من هيبة الخلافة وجلالها تكمن في أذهان أولئك السلاطين والأمراء.
فكان ملوك وسلاطين الأقاليم المنفصلة عن دولة الخلافة يعترفون بالسيادة الاسمية لدولة الخلافة، ويدعون للخليفة العباسي في المساجد وعلى المنابر، ويبعثون إليه من الهدايا ما يشترون به الألقاب، ويحرصون على الظفر بموافقته لاكتساب الصبغة الشرعية أمام العامة ٣.
_________________
(١) ١ انظر: المرجع السابق ١٣/٢٠٠. ٢ نسبة إلى جدهم أبي شجاع بويه. وقد استبدوا بالسلطة في عهد الدولة العباسية في الفترة من (٣٢٠ـ٤٤٧) - وكانوا شديدي التعصب للشيعة. ومن أهم زعمائهم في عصر الخليفة العباسي القادر بالله وابنه القائم بأمر الله، بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة حكما من ٤٠٣ـ٤١١ هـ ومشرف الدولة ٤١١ـ٤١٦هـ، وجلال الدولة ٤١٦ـ٤٣٥هـ وأبو كاليجار ٤٣٥ـ٤٤٠. انظر: تاريخ الإسلام السياسي ٣/٣٧ـ٦٣. ٣ انظر: تاريخ الإسلام السياسي ٣/٢٤٩.
[ ٣٠ ]
وكانت حينئذ الأندلس بيد الأمويين، ومصر وإفريقية والشام بيد الباطنيين، وغزنه ونواحيها بيد السبكتكينيين وخرسان وناحيتها يسيطر عليها السلاجقة ١.
هكذا كانت الحالة السياسية في عصر الإِمام أبي نصر السجزي، عصر الدويلات المتناحرة على السلطة، عصر السطو على سلطان الخليفة العباسي وتجريده من مسئولياته، مع الحفاظ على بقائه على عرش الخلافة اسما والدعاء له بذلك على المنابر، ما دام قانعًا راضيًا، بذلك فإن طمع في أكثر منه، قضي عليه بصورة أو بأخرى وجيء بمن هو أكثر منه قناعة، وأسلس قيادًا.
الحالة الاجتماعية:
لقد لاحظنا فيما سبق الفوضى السياسية التي عمت البلاد، وكيف سُلب الخليفة سلطانه الفعلي، وفقد سيطرته على أجزاء مملكته فاستقل الأمراء والسلاطين بالسلطة، واشتغلوا بالاقتتال عليها والتناحر من أجلها.
في ظل هذا الواقع السياسي غير المستقر، لا يمكن أن تكون الحياة الاجتماعية مستقرة وادعة.
فاشتغال السلاطين والأمراء بالوصول إلى السلطة، شغلهم عن تأمين حياة اجتماعية، كريمة آمنة للأمة.
والإِنفاق المفرط على الحروب التي نشبت بينهم، أرهق اقتصاد
_________________
(١) ١ انظر: محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ٢/٤٠٠ بتصرف.
[ ٣١ ]
البلاد، فنضبت أكثر الموارد وتفشى بين الناس أمران خطيران: غلاء المعيشة، واضطراب نظام الأمن في البلاد.
فأما الغلاء فقد بلغ حدًا لا يتحمله عامة الناس، ففي سنة ٣٨٢ غلت الأسعار ببغداد وهي حاضرة الخلافة، حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهمًا والجزر بدرهم ١.
وزاد الحال سوءًا في سنة ٣٩٣ هـ فغلت الأسعار ببغداد جدًا وعدمت الحنطة وبيع الكر٢ بمائة وعشرين دينارًا كما يقول ابن كثير٣.
وفي سنة ٤١١ هـ بلغ الغلاء ذروته، والجوع غايته، فحل بالعراق غلاء مفرط حتى أكل الناس الكلاب والحمر٤.
وإذا كان هذا الحال في العراق وبغداد، عاصمة الدولة وحاضرتها فما بالك بما سواها من القرى والأمصار. لقد ضاق بأهلها الحال وجاع العيال. ومع هذأ فقد كان هناك إلى جانب هذه الفاقة والجوع وهذا الغلاء الذي حل بالبلاد، وعم أكثر العباد، كان هناك ترف وسرف في
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١١/٣١١. ٢ الكر: مكيال لأهل العراق. والكر: ستة أوقار حمار وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا، قال أبو منصور. الكر: ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف. قال الأزهري: والكر من هذا الحساب اثنا عشر وسقًا، وكل وسق ستون صاعًا. انظر: اللسان ٥/١٣٧. ٣ البداية والنهاية ١١/٣٣٢. ٤ انظر: العبر ٣/١٠٤.
[ ٣٢ ]
بيوت الخلفاء والأمراء، كما كان هناك جدة للمال في أيدي بعض التجار وكثير من العيارين ١ والحرامية الذين سلبوا أموال الناس وسطوا على المتاجر والمنازل ونهبوا ما فيها، فتكونت في أيديهم ثروة وأموال أنفقوها على شهواتهم وملذاتهم.
وأما اضطراب نظام الأمن: فحدث عنه ولا حرج.
فنتيجة لضعف السلطان، وزوال هيبته، انتشر أمر العيارين والحرامية وقطاع الطرق، دون أن يجدوا سلطة رادعة من الدولة في أكثر الأحيان.
ففي سنة ٣٨٤ هـ في خلافة القادر بالله عظم الخطب بأمر العيارين وعاثوا ببغداد فسادًا وأخذوا أموال الناس وحرقوا مواضع كثيرة وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشُّرَطُ فلم يُفِدْ ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال وقتل الرجال وإرعاب النساء والأطفال في سائر المحال، فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم ٢.
لكن هروبهم لم يدم طويلًا فكثيرًا ما كانوا يظهرون ويعودون للنهب والسلب. ففي سنة ٣٩٠ هـ عظم أمرهم وأتوا بيوت الناس
_________________
(١) ١ رجل عيار: إذا كان كثير التطواف والحركة ذكيًا، قال ابن الأعرابي: والعرب تمدح بالعيار وتذم به يقال: غلام عيار: نشيط في المعاصي، وغلام عيار نشيط في طاعة الله. انظر: لسان العرب ٤/٦٢٣. ٢ البداية والنهاية ١١/٢١٢، والعبر ٣/٢٤.
[ ٣٣ ]
نهارًا جهارًا، وواصلوا العملات ١ وقتلوا وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢.
وهكذا حدث في سنة ٣٩٢٣ و٤١٦هـ، ٤١٧ ٤ ثم استمر الحال على ذلك حتى إنهم قتلوا صاحب الشرطة في سنة ٤٢٤ وأخذوا أموال الناس عيانا بقيادة البرجمي الذي أرعب الناس فكانوا لا يجسرون أن يقولوا فعل البرجمي خوفًا منه بل يقولوا عنه: القائد أبو علي ٥.
هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى قطع طريق الحاج وصده عن البيت الحرام. ففي سنة ٣٩٢ هـ رجع حجاج خراسان من بغداد خوفًا من الأعراب الذين عاثوا في الأرض فسادًا ولا ناصر ولا ناظر ينصرهم أو ينظر في أمرهم فرجعوا إلى بلادهم ولم يحج من بلاد المشرق أحد في هذه السنة.
وهكذا حدث في سنة ٣٩٩ هـ، حيث اعترض الأعراب طريق الحجاج فصدوهم عن السبيل وعاقوهم حتى فاتهم الحج. وكذا وقع سنة ٤١٦ هـ فلم يحج من أهل العراق وخراسان أحد.
وهكذا نرى الحياة الاجتماعية في هذه الفترة تعاني من اضطراب في الأمن ونقص في الأرزاق إلى درجة الجوع وأكل المحرمات والمستقذرات
_________________
(١) ١ أي السرقات. ٢ العبر ٣/٤٥. ٣ البداية والنهاية ١٢/١٨. ٤ العبر ٣/١٢١، ١٢٣. ٥ انظر: انظر المصدر نفسه.
[ ٣٤ ]
كالكلاب والحمر، وذلك بسبب الفوضى السياسية التي عمت البلاد كما أشرنا من قبل.
الحالة العلمية:
قد يظن القارئ وقد ارتسمت في ذهنه تلك الصورة السيئة للوضع السياسي ةالإجتماعي الذي ساد البلاد الإسلامية في هذه الحقبة من الزمن التي نحن بصدد دراستها، قد يظن أن الحالة ليست بأسعد حظا من سابقتيها.
ولكن الواقع - والحمد لله - كان خلاف ذلك فقد كانت الحالة العلمية في القرن الرابع والخامس الهجريين في اوج أزدهارها، ولم تتأثر بالضعف السياسي أو الفوضى الاجتماعية التي سادت، فلئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في هذه الفترة، فالثمار العلمية قد نضجت فيها١ وجنى علماء هذه الحقبة ثمار ما غرسته الأسلاف فكثرت التصانيف في كل فن في الحديث والتفسير، والفقه والأصول، والكلام، وغير ذلك من أنواع المعارف والعلوم. فبلغ الهتمام بالتصنيفو التأليف أوجه وذروته.
وما بين أيدينا وفي مكتبابتنا اليوم من نتاج هذه الحقبة خير شاهد على أزدهار الحركة العلمية في ذلك العصر ازدهارا لا مثيل له.
فلقد عاش في هذه الحقبة الكثير من العلماء والرواد في كل فنمن محدثين وفقهاء ومفسرين وأدباء وفلاسفة، وأطباء، وغيرهم.
نهارًا جهارًا، وواصلوا العملات ١ وقتلوا وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢.
_________________
(١) ١ظهر الاسلام ٢/٢.
[ ٣٥ ]
وأنشئت دور العلم وزودت بالكتب القيمة وأوقفت على العلماء ١ وشجع الخلفاء والأمراء العلم وطلابه وتباروا في إكرامهم والتحبب إليهم ٢ فكان الخليفة العباسي القادر بالله محبًا للعلم وأهله ٣.
وعلى الرغم من انقسام الدولة إلى دويلات، فقد كان العلماء يستطيعون الرحلة في طلب العلم من مكان إلى آخر دون قيود، وحيثما حلوا وجدوا الترحيب فالبلاد كلها باختلاف دويلاتها بلد للمسلم. مما سهل على علماء الحديث وغيرهم شد الرحال إلى أهل العلم للرواية عنهم والسماع منهم، كما فعل الإمام السجزي ﵀ الذي طوف البلاد فخرج من بلده سجستان طلبًا اللحديث وحل خراسان والشام ومصر إلى أن انتهى به المقام في مكة حرسها الله.
الحالة الدينية:
أما الحالة الدينية فقد كانت وليدة الحالة السياسية. وربما كان العكس صحيحًا أيضًا، فبينهما تلازم شديد بحيث تتأثر إحداهما بالأخرى.
فالإمامة والخلافة أمر ديني. ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل السنة والشيعة فيمن يكون أحق بالإمامة.
لذا فقد ساءت الحالة الدينية كثيرًا نظرًا لتردي الوضع السياسي، واهتزاز مكانة الخليفة وسلطانه في أعين وقلوب الناس.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١١/٣١٢. ٢ ظهر الإسلام ٢/٢. ٣ انظر: البداية والنهاية ١٢/٣١.
[ ٣٦ ]
فكثيرًا ما تحصل الفتنة بين الرافضة وأهل السنة كما وقع في سنة ٣٩٨ هـ، وسنة ٤٠٦ ١، ٤٤٤هـ ٢ بسبب غلو الشيعة وجرأتهم على إظهار بدعتهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلحظ في هذا العصر تسرب الخرافة والغلو إلى قلوب العامة. ففي سنة ٣٨٦ هـ كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه فظنوه الزبير بن العوام، وانتهى بهم الأمر أن بنوا على قبره مسجدًا وأجروا عليه الأوقاف٣.
وفي سنة ٣٨٩هـ عمد جاهلة السنة إلى إحداث يوم في مقابلة يوم الغدير عند الشيعة وهو يوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة زاعمين أن النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ اختفيا في الغار في هذا اليوم.
يقول الحافظ الذهبي بعد أن نقل هذه القصة: وهذا جهل وغلط فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في شهر صفر وأول ربيع الأول ٤.
هذا حال العامة جهل بحقائق الدين والتاريخ، وغلو لم يأذن به الله ﷿ وفي مسائل الاعتقاد الأخرى كان يتجاذب الناس طوائف ثلاث في هذه الفترة:
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١١/٣٣٨، ١٢/٦. ٢ انظر: الكامل ٩/٥٩١. ٣ العبر. ٤ العبر ٣/٤٢.
[ ٣٧ ]
١- المعتزلة: ويمثلهم في هذا العصر القاضي عبد الجبار الهمذاني (٤١٥) هـ ١ وأبو الحسين البصري ٢ (وغيرهما) .
٢- الأشاعرة: ومن كبرائهم في هذا العصر: ابن الباقلاني ٣، وابن فورك ٤، وابن اللبان ٥، وغيرهم ممن عاصر المؤلف وأدركه.
٣- أهل الحديث: ويعدّ أبو نصر السجزي - ﵀ - من أعلامهم في زمنه.
وكان الصراع محتدما بين هذه الفرق الثلاث وهو امتداد طبيعي للصراع الناشب في هذا الباب منذ ظهور فتنة الجعد، والجهم، وابن كلاب في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
ولقد ألف المصنف في الرد على الطائفتين المعتزلة والأشاعرة كتابيه (الإِبانة) و(الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي نقدمه للقارئ الكريم اليوم.
_________________
(١) ١ وهو: أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني، إليه انتهت رياسة المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع توفي سنة ٤١٥ هـ انظر: المنية والأمل لابن المرتضى ص ٦٦. ٢ وهو: أبو الحسين محمد بن علي البصري صاحب المعتمد في أصول الفقه، أخذ عن القاضي عبد الجبار انظر: المصدر السابق ص ٧٠. ٣ وهو: أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني. انظر: ترجمته ص ١٦٣. ٤ وهو: محمد بن الحسن بن فورك. انظر: ترجمته ص ٢٦٩. ٥ وهو: عبد الله بن جمعة بن عبد الرحمن المعروف بن اللبان انظر. ترجمته ص ٣٥٧.
[ ٣٨ ]
وفيه يبدي أبو نصر تذمرًا واضحًا من سير الأمور في عصره التي اضطرته إلى أن يتكلم ويرد على أمثال هؤلاء، وكأنه يرى أن على السلطان أن يأخذ على أيديهم. فيقول: "ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنا بالكلام مع من ينبغي أن يلحق بالمجانين" ١.
وفي الحقيقة لقد كان الخليفة القادر بالله ذا عناية بأمر العقيدة السلفية ونشرها فقد ألف كتابًا في الاعتقاد على مذهب السلف، وأمر بقراءته على الناس وإلزامهم به، ورد فيه على أهل البدع وفسق أو كفر من قال بخلق القرآن، وذكر ما وقع بين المريسي وعبد العزيز الكناني، وأخذ خطوط أهل العلم على ذلك وموافقتهم، وعزل خطباء الشيعة ورد خطباء السنة ٢.
وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب فقهاءَ المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإِسلام وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم ٣.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة المؤلف ص ١٢٢. ٢ انظر: البداية والنهاية ١٢/٢٦، حوادث سنة ٤٢٠. ٣ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٧٣٣ حـ ١٣٣٣.
[ ٣٩ ]
لكن المؤلف ﵀ ربما كان يريد منه أن يصنع نحو ذلك مع الأشاعرة أيضًا.
وربما يكون قال ما قال بعد انقضاء خلافته حيث آلت الأمور إلى القائم بأمر الله، وهو الذي أميل إليه لأن تأليف الكتاب كان بعد وفاة القادر بالله كما سيأتي في الباب الثاني في مبحث تاريخ تأليف الكتاب. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ ]