قال الله سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢. فأمر ﷻ نبيّه عليه السلام٣ أن يدعو٤ إلى إثبات الوحدانية بالوحي وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥ فبيّن أن من تقدم من الرسل كانوا يحتجون على الكفار في الوحدانية بالوحي ولم يؤمروا إلا بذلك.
وقال ﷻ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ عنوان الفصل لم يثبت في الأصل هنا، وقد نقلته من مقدمة المؤلف، وكذا سائر عناوين الفصول. ٢ سورة الكهف آية: ١١٠. ٣ الأولى أن يجمع بين الصلاة والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب آية: ٥٦. ٤ في الأصل: (بدعوا) بزيادة الألف، وهو خطأ من النساخ. ٥ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٦ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ١٣١ ]
وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى" ٢.
ولم يدع النبي ﷺ إلى المحاجة بالعقل أحدًا ولا أمر بذلك أمته.
وقال عمر٣ وسهل بن حنيف٤:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١١٦. ٢ خ: كتاب الإيمان / باب: فإن تابوا وأقاموا الصلا ١/٧٥ح: ٢٥ من حديث ابن عمر. وفي كتاب الصلاة / باب فضل استقبال القبلة١/٤٩٧ ح: ٣٩٢ من حديث أنس. وفي كتاب الزكاة / باب وجوب الزكاة، ٣/٢٦٢ ح: ١٣٩٩ من حديث أبي هريرة. وفي كتاب الاعتصام / باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ١٣/٢٥١ ح: ٧٢٨٤ من حديث أبي هريرة. م: في كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ١/٥٢-٥٣ ح: ٣٣-٣٦ من حديث أبي هريرة وجابر وابن عمر ﵃. ٣ عمر؛ هو: ابن الخطاب بن نفيل القرشي، أبو حفص أمير المؤمنين ﵁ استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣هـ وولي الخلافة عشر سنين ونصفا. انظر ترجمته في الإصابة ٢/٥١٨؛ والاستيعاب٢/٤٥٨ مع الإِصابة. ٤ هو: سهل به حُنيف بن واهب الأنصاري الأوسي يكنى أبو عبد الله صحابي من أهل بدر، استخلفه علي ﵁ علي البصرة، ومات في خلافته سنة ٣٨هـ. ترجمته في الإصابة٢/٨٧؛ والاستيعاب٢/٩٢ بهامش الإصابة، وضبطه ابن حجر في التقريب بضم الحاء المهملة١/٣٣٦.
[ ١٣٢ ]
"اتهموا الرأي على الدين"١ ولا مخالف لهما في الصحابة، وقد كانا يجتهدان في الفروع، فعلم أنهما أرادا بذلك المنع من
_________________
(١) ١ خ: في كتاب الاعتصام/ باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس١٣/٢٨٢؛ حـ: ٨٣٠٨، موقوفًا على سهل بن حنيف. وفي كتاب الجزية / باب٦/٢٨١ حـ: ٣١٨١، و٣١٨٢. وفي كتاب التفسير/ باب إذ يبايعونك تحت الشجرة٨/٥٨٧، حـ:٤٨٤٤. وفي كتاب المغازي / باب غزوة الحديبية٧/٤٥٧؛ حـ: ٤١٨٩. م: في كتاب الجهاد / باب صلحِ الحديبية٣/١٤١٢؛ حـ: ٩٥، و٩٦، موقوفًا على سهل بن حنيف. وأخرجه عن عمر الطبراني مطولًا بلفظ "يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق، وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين رسول الله ﷺ وأهل مكة. فقال: اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ترانا قد صدقناك بما تقول؟ ولكنك تكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله ﷺ وأبيت حتى قال لي رسول الله: تراني أرضى وتأبى؟ ! قال: فرضيت" أ. هـ المعجم الكير ١/٢٦، حـ: ٨٢. ورجاله ثقات غير مبارك بن فضاله فإنه صدوق يدلس ويسوي. قاله في التقريب٢/٢٢٧. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:" رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون وإن كان فيهم مبارك بن فضاله. وهو في: "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي": ص: ١٧٥. وقال محققه: والحديث بهذا السند لا يقل عن درجة الحسن، فرجاله كلهم موثوقون، وفيهم مبارك بن فضاله وهو صدوق وقد صرح بالتحديث فأمن تدليسه –قال-: وقد تقدم عن أبي زرعة أنه ثقة إذا قال: حدثنا، وعن أبي داود أنه ثبت إذا قال حدثنا". اهـ."اتهموا الرأي على الدين"١.
[ ١٣٣ ]
الرجوع إلى العقل في المعتقدات١.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الكفار والملحدين لا يجب أن يناظروا بالعقليات٢، وأن المسلمين قد أمروا بالأخذ بما آتاهم الرسول، والانتهاء عما نهاهم عنه، وحذروا من أن تصيبهم الفتنة أو (العذاب) ٣ الأليم في مخالفتهم أمره، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥ وقد (كره) عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته الصلح٦ يوم الحديبية، واستعظم رد المسلمين على الكفار، وكان ذلك من طريق العقل
_________________
(١) ١ لأن المعتقدات لا مجال للرأي والاجتهاد فيها بل العمدة على النص، فالرأي المذموم هو: ما خالف النص سواء كان في المعتقدات أو في الفروع، أما الرأي إذا كان يستند إلى أصل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع فلا بأس به بل منه ما هو محمود ولا سيما في الفروع التي يدخلها الاجتهاد. ٢ للمؤلف زيادة إيضاح لهذه المسألة في الفصل التاسع. انظر ص: (٣٠٥) . ٣ في الأصل في الهامش أشير إليها بعلامة لحق. وكتب بعدها (صح) . ٤ سورة الحشر آية (٧) . ٥ سورة النور آية: (٦٣) . ٦ في الأصل العبارة هكذا: "وقد عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته كره الصلح".
[ ١٣٤ ]
حتى قال له النبي ﷺ: "تراني قد رضيت يا عمر وتأبى "١ فانتبه عند ذلك عمر وسكت علمًا منه أن رسول الله ﷺ مفترض٢ الطاعة، (ولأنه) ٣ لا ينطق عن الهوى، وأن الوحي لا يقابل بالعقل.
ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع٤ لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه الطبرانى في المعجم الكبير ١/٢٦ حـ ٨٢ وقد تقدم بلفظه عند تخريج قول عمر: "اتهموا الرأي على الدين" انظر: ص: (١٣٢) حاشية رقم: (١) . ٢ أي: واجب الطاعة. انظر: لسان العرب٧/٢٠٢. ٣ كذا بالأصل ولعل الصواب (وأنه) . ٤ وذهب المعتزلة إلى أن معرفة الله لا تنال إلا بالعقل، قال القاضي عبد الجبار بعد أن ذكر أنواع الدلالة وقسمها أربعة أنواع: العقل، والكتاب والسنة، والإجماع. قال: "ومعرفة الله لا تنال إلا بححة العقل" ثم علل ذلك بأن ما عدى العقل من الدلالات والحجج فرع على معرفة الله وتوحيده وعدله. ولو استدل بشيء منها على الله لكان ذلك استدلال بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز". (شرح الأصول الخمسة ص: ٨٨) وحكى الشهرستانى اتفاق المعتزلة على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع وأن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. (الملل والنحل١/٤٥) . أمّا الأشاعرة فيوافقون السلف في أن معرفة الله ﷿ ممكنة بالعقل وأن الوجوب لا يكون إلا بالسمع. يقول الشهرستاني في حكاية مذهب الأشعري: "قال – أي الأشعري – والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئًا ولا يقتضي تحسينًا ولا تقبيحًا، فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل وبالسمع تجب". (الملل والنحل ١/١٠١) وقال الإيجي: "النظر في معرفة الله واحب إجماعًا، واختلف في طريق ثبوته فهو عند أصحابنا السمع وعند المعتزلة العقل" المواقف ٢٨. فالأشاعرة إذًا يوافقون أهل السنة في أن معرفة الله إنما تجب بالسمع لا بالعقل وأن حصولها بالعقل ممكن فقط. غير أنهم يفارقونهم في قولهم إن أول الواجبات المعرفة أو النظر في المعرفة أو القصد إلى النظر في معرفة الله على اختلاف بينهم في ذلك. انظر: الإنصاف للباقلاني ص: ٢٢، والمواقف للإيجي ص: ٣٢، وإن وافقهم في ذلك بعض متكلمي أهل السنة من الحنابلة وغيرهم مثل أبي الفرج المقدسي كما نقل ذلك عنه ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل٨/٥، ومثل القاضي أبي يعلى إذ يقول في كتابه "المعتمد": "إذا ثبتت صحة النظر ووجوبه فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله تعالى". نقل ذلك عنه ابن تيمية في المصدر السابق ص: ٣٤٩. والذي دلت عليه النصوص أن أول واجب على المكلف هو الشهادتان وأنه بهما يكون المرء من أهل الإسلام ولم يأمر النبي ﷺ أحدًا ليكون مؤمنًا بأن يستدل على معرفة الله وينظر في ذلك وإنما قال ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، ولم يقل حتى يستدلوا على معرفة الله، وقال ﷺ لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: " يا معاذ إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ". ثم إن معرفة الله أو الاستدلال على معرفته ليس كافيًا لاعتبار الإِنسان مسلمًا أو مؤمنًا ففرعون كان عارفًا بربه، وأكثر مشركي العرب كانوا يعرفون الله ﷿ بأنه خالق الكون وأنه رب السماوات والأرض ومع ذلك لم تغن عنهم معرفتهم تلك شيئًا. وللسلف في المسألة قول آخر وهو أن معرفة الله ﷺ فطرية بمعنى أن الخلق فطروا على معرفة خالقهم. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الرب تعالى فهو معروف بالفطرة، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾، فالمشركون من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر وقال: في موضع آخر: والصحيح أنها – أي معرفة الصانع فطرية لأنه قد ثبت أن النبي ﷺ قال: " كل مولود يولد على الفطرة" قال: لكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذ إلى النظر فهي في الأصل ضرورية وقد تكون نظرية". الرسائل الكبرى ٢/٣٣٧، و٣٤٠. ولا خلاف بين ما قاله المؤلف من أن المعرفة ممكنة بالعقل وبين قول شيح الإِسلام عن الفطرة، فالعقل السليم موافق للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وأما قول المصنف إنها لا تجب إلا بالسمع فإنه يقصد أن الحجة لا تقوم على المكلف إلا بعد بعث الرسل. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
[ ١٣٥ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١ فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال،
وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا٢ أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضًا على أن رجلًا لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافرًا مباح الدم.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ١٥. ٢ هكذا في الأصل ويحتمل أن تكون (تبينا) تحرفت على الناسخ، وهو أوجه.
[ ١٣٧ ]
فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي (يرد) ١ بها السمع لا غير.
ووجدنا أيضًا القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه، ونجدهم أيضًا يقولون اليوم قولًا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.
ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه٢.
وقد وجب (علينا) ٣ الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.
وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله٤وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل٥ لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه
_________________
(١) ١ هذه الكلمة ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق ذلك. ٢ أي: في باب المعتقدات، والإخبار عما كان ويكون فإنه لا يجوز ورود النسخ فيها، وقد أشار المصنِّف إلى ذلك في الفصل الثامن. ٣ في الأصل: "على" في الصلب، صوبت في الهامش. ٤ والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ النحل آية: ٦٧، وكثيرًا ما يشير القرآن إلى العقل ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم آية: ٢٨. ٥ والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ البقرة آية: ٤٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ المائدة آية: ٥٨، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ العنكبوت آية: ٦٣.
[ ١٣٨ ]
له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك.
وفي هذا القدركفاية إن شاء الله تعالى.
على أنّ الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسنًا ولا قبيحًا١. وهذا لعمري مخالفة العقل عيانًا، وسيأتي بيان ذلك في غير هذا الفصل٢ بمشيئة الله ﷿.
وإذا ثبت ما قلناه زال شغبهم في أن العقل يقتضي ما يقولونه، لأنا لم نؤثر٣ باتباع عقل يخالف السمع، وسنذكر كذبهم في اقتضاء العقل ما صاروا٤ إليه بعد هذا٥ إن شاء الله ﷿ هـ.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل ١/١٠١، فقد نقل عنه نحو ذلك. ٢ انظر: الفصل الخامس من هذه الرسالة. ٣ هكذا في الأصل، وأحسب أن الصواب "نؤمر". ٤ في الأصل: "وما" وهو خطأ من النساخ؛ لأن مقصود المؤلّف أنه سيذكر كذبهم في قولهم إن العقل يقتضي ما قالوه وما صاروا إليه. ٥ انظر: الفصل الرابع.
[ ١٣٩ ]